وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
رعاية الأحفاد.. حين تتحول المساعدة إلى مسؤولية تثقل الأجداد

 

رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن: أثارت قضية لجوء عدد من الأجداد في الصين إلى القضاء للمطالبة بتعويضات مالية من أبنائهم مقابل تكاليف تربية أحفادهم نقاشاً واسعاً حول حدود المسؤولية الأسرية، وحقوق الأجداد، وطبيعة العلاقة بين التضامن العائلي والتضحيات التي يقدمها كبار السن في سبيل رعاية أحفادهم.

وأعادت القضية طرح تساؤلات حول ما إذا كانت تربية الأحفاد واجباً أخلاقياً تفرضه الروابط العائلية، أم مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الوالدين، ومتى تتحول المساعدة العائلية إلى عبء نفسي وجسدي ومادي يستوجب إعادة النظر في توزيع الأدوار داخل الأسرة.

وناقش برنامج "المنتصف في نساء" الأبعاد النفسية والاجتماعية لتحمل الأجداد مسؤولية تربية أحفادهم، وتأثير ذلك على صحتهم وراحتهم واستقرارهم النفسي، إلى جانب انعكاسات غياب الدور التربوي والعاطفي للوالدين عن الأطفال، باستضافة الأخصائي النفسي والاجتماعي ظافر حسني حسونة.

وقال حسونة إن تولي الأجداد مسؤولية تربية الأحفاد من القضايا الشائكة التي تحتاج إلى تناولها من جوانب متعددة، موضحاً أن رعاية الأحفاد قد تكون مصدراً للسعادة والحيوية والشعور بأهمية الدور العائلي لدى الجد والجدة، إذا تمت برضاهما وعن طيب خاطر، وشعورهما بأن هذه المسؤولية امتداد للمحبة والترابط الأسري.

وأضاف أن هذه الرعاية قد تتحول، عندما تصبح مسؤولية يومية مرهقة تتجاوز قدرات الأجداد وإمكاناتهم، من مصدر للمتعة والسعادة إلى مصدر للضغط النفسي والجسدي، مشيراً إلى أن الأجداد قد يعانون نتيجة ذلك من الإرهاق والقلق والتوتر والخوف المستمر على أحفادهم، إلى جانب الشعور بفقدان الحرية والخصوصية التي كانوا يتطلعون إليها بعد سنوات طويلة من تربية أبنائهم وتحمل مسؤوليات الأسرة.

وأوضح أن بعض الأجداد يصلون إلى مرحلة عمرية ينتظرون فيها الاستمتاع بحياتهم وتخصيص وقت لأنفسهم ولشريك حياتهم، بعد أن يكبر أبناؤهم ويصبحون قادرين على تحمل مسؤولياتهم وتكوين أسر مستقلة، إلا أن انتقال مسؤولية تربية الأحفاد إليهم بصورة مستمرة قد يؤجل هذه المرحلة ويعيدهم إلى أعباء التربية والرعاية اليومية.

ولفت إلى أن من أبرز الآثار النفسية التي قد يتعرض لها الأجداد الشعور بالإحباط، خصوصاً عندما لا يقدّر الأبناء حجم الجهد الذي يبذله آباؤهم في رعاية الأحفاد، رغم أنهم سبق أن أمضوا سنوات طويلة في تربيتهم والاعتناء بهم، فضلاً عن شعورهم بأن سنوات الراحة والاستمتاع بالحياة أصبحت مؤجلة، وأنهم مطالبون ببذل جهد إضافي في مرحلة عمرية يحتاجون فيها إلى الاهتمام بأنفسهم.

وأشار حسونة إلى أن المسؤولية المستمرة قد تؤدي كذلك إلى آثار جسدية، من بينها الإجهاد العضلي وتفاقم بعض المشكلات الصحية الموجودة مسبقاً، واضطرابات النوم، وقلة الوقت المخصص للراحة والنشاط البدني والمتابعة الطبية، مؤكداً أن القدرات الصحية والجسدية تختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن افتراض أن جميع الأجداد يمتلكون القدرة على تحمل مسؤولية تربية الأطفال ومتابعة احتياجاتهم اليومية.

وشدد على أن الجد والجدة يحتاجان في مراحل عمرية متقدمة إلى الرعاية والاهتمام، وليس من العدل أن يبقيا دائماً مصدراً لتقديم الرعاية دون مراعاة احتياجاتهما الصحية والنفسية، موضحاً أن الأبناء الذين تلقوا الرعاية والاهتمام من والديهم خلال سنوات طفولتهم وشبابهم، تقع على عاتقهم مسؤولية الاهتمام بهما عندما يتقدمان في العمر، واحترام قدراتهما ورغبتهما في الراحة.

غياب الوالدين وتأثيره على الأطفال

وفيما يتعلق بتأثير غياب الوالدين عن تربية الأطفال واعتمادهم بصورة مستمرة على الأجداد، أوضح حسونة أن الجد والجدة قادران على توفير الحب والرعاية والأمان النفسي للأحفاد، وقد يشكل وجودهما عامل حماية ودعماً إضافياً في حياة الطفل، إلا أن الإشكالية تظهر عندما يغيب الأب والأم بصورة مستمرة عن دورهما التربوي والعاطفي، ويصبح الأجداد المسؤولين عن جميع تفاصيل حياة الطفل.

وبيّن أن هذا الغياب قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية على الأطفال، من بينها الشعور بالافتقاد العاطفي للأب والأم، وصعوبة فهم الأدوار والحدود داخل الأسرة نتيجة تداخل مسؤوليات الوالدين والأجداد، فضلاً عن احتمالية حدوث تشتت لدى الطفل بسبب اختلاف أساليب التربية والتوجيه بين الجيلين.

وأضاف أن اختلاف وجهات النظر وأساليب التربية بين الأجداد والوالدين قد يضع الطفل أمام أنماط متعددة من التعامل والتوجيه، الأمر الذي قد يسبب له الارتباك في فهم القواعد والحدود الأسرية، إلى جانب الاعتماد الزائد على الأجداد في تلبية احتياجاته اليومية، بما قد يضعف تدريجياً قدرته على الاعتماد على نفسه.

وأشار إلى أن تغير الأشخاص المسؤولين عن رعاية الطفل بصورة مستمرة، وانتقاله بين الوالدين والأجداد وأفراد آخرين من العائلة، قد يؤدي أيضاً إلى شعوره بالقلق وعدم الاستقرار، نتيجة اختلاف أساليب الرعاية وعدم وجود نمط ثابت يشعره بالأمان والاحتواء.

وأكد حسونة أن وجود الطفل مع أجداده لا يعني بالضرورة تعرضه لمشكلات نفسية، موضحاً أن طبيعة العلاقة الأسرية والظروف المحيطة بها هي العامل الأساسي في تحديد أثر هذه التجربة. فإذا كانت الرعاية تتم بمحبة ودون ضغوط، وكانت العلاقة بين الوالدين والأجداد مستقرة ودافئة، مع استمرار حضور الأب والأم عاطفياً ومشاركتهما في تربية أبنائهما ومتابعة تفاصيل حياتهم، فقد ينشأ الطفل في بيئة صحية وآمنة، ويشكل الأجداد فيها مصدر دعم إضافياً للشعور بالأمان.

وشدد على أن الطفل لا يحتاج فقط إلى من يوفر له الطعام ويأخذه إلى المدرسة ويتابع احتياجاته اليومية، بل يحتاج إلى حضور دائم من والديه واهتمامهما ومشاركتهما في مختلف تفاصيل حياته ومراحله العمرية، مؤكداً أن دور الجد والجدة يجب أن يكون مكملاً لدور الأب والأم، وليس بديلاً عنهما.

بين التضامن العائلي وحقوق الأجداد

وحول الجدل المتعلق بمطالبة بعض الأجداد بتعويضات مالية مقابل رعاية أحفادهم، وما إذا كان ذلك يعكس تراجعاً في التضامن العائلي أم مطالبة بالإنصاف، أوضح حسونة أن المجتمعات العربية والإسلامية تقوم على قيم التكافل الاجتماعي والتماسك الأسري، وهي قيم تشجع على التعاون والتراحم بين أفراد العائلة، إلا أن ذلك لا يعني إغفال حقوق الأجداد أو تجاهل الجهد والوقت اللذين يقدمونهما في رعاية الأحفاد.

وأشار إلى أن المطالبة بالتعويض قد تكون مفهومة من زاوية تقدير الوقت والجهد الذي يخصصه الجد والجدة لرعاية الأحفاد، خصوصاً عندما تتحول هذه الرعاية إلى مسؤولية مستمرة تؤثر على حياتهما الخاصة، لافتاً إلى أن هذا الطرح يمثل رأيه الشخصي من الناحية النفسية والاجتماعية، وليس رأياً قانونياً بشأن استحقاق التعويض.

وأضاف أن من حق الجد والجدة، بعد سنوات طويلة من تربية الأبناء والقيام بمسؤولياتهما الأسرية، أن يحصلا على فرصة للراحة والاستمتاع بالحياة والاهتمام بصحتهما واحتياجاتهما الشخصية، موضحاً أن الأبناء عندما يطلبون من والديهم تخصيص وقت منتظم لرعاية أحفادهم، عليهم مراعاة قيمة هذا الوقت والجهد وعدم التعامل معه باعتباره مسؤولية مجانية ومفروضة بصورة دائمة.

وأشار إلى أن الأبناء يتحملون أصلاً مسؤولية توفير الرعاية لأطفالهم، سواء من خلال الحضانات أو غيرها من الوسائل، ومن المهم أن يدركوا أن الاستعانة بالجد والجدة لا تعني إعفاءهم من مسؤولياتهم أو استنزاف وقت والديهم وطاقتهم دون تقدير، بل ينبغي أن تكون المساعدة العائلية قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.

وفي حديثه عن الحدود الفاصلة بين التضحية العائلية ومسؤولية الأبناء تجاه آبائهم، أكد حسونة أن التضحية قيمة إنسانية كبيرة وجميلة، لكنها لا تعني أن يتنازل الإنسان عن صحته وراحته وحقوقه طوال الوقت، موضحاً أن الأجداد قدموا الكثير لأبنائهم خلال سنوات طويلة من التربية والرعاية، ومن حقهم في مرحلة عمرية متقدمة أن يجدوا الاهتمام والتقدير وأن يعيشوا بعض الوقت لأنفسهم.

ولفت إلى ضرورة إدراك الأبناء أن والديهم لم يعودوا يمتلكون بالضرورة الطاقة والقدرات الجسدية نفسها التي كانت لديهم في مرحلة الشباب، وبالتالي لا يمكن توقع أن يقوموا برعاية الأحفاد بالطريقة والقدرة نفسيهما اللتين اعتادوا عليهما خلال تربية أبنائهم.

وشدد على أن بر الوالدين لا يكون بالكلام فقط، بل يظهر أيضاً في مراعاة صحتهما وعدم استنزاف طاقتهما واحترام رغبتهما في الراحة والخصوصية، مؤكداً أن التضحية تكون إيجابية عندما تنبع من المحبة والاختيار، لكنها قد تتحول إلى عبء مؤذٍ عندما تصبح واجباً مفروضاً على حساب صحة الإنسان وراحته وكرامته.

وأضاف أن إجبار الأجداد على تحمل مسؤوليات تفوق قدراتهم قد يؤدي إلى شعورهم بالاستنزاف والاحتراق النفسي، ويضعهم أمام ضغوط ومشكلات نفسية وجسدية، نتيجة اضطرارهم إلى رعاية الأحفاد بصورة مستمرة دون امتلاك القدرة أو الرغبة الكافية لذلك.

وأكد حسونة أن الحديث عن حقوق الأجداد لا يعني التقليل من أهمية الأحفاد أو الدعوة إلى الابتعاد عنهم، كما أن مراعاة حقوق الأجداد لا تعني اعتبار الأطفال عبئاً ينبغي التخلص منه أو نقل مسؤوليتهم إلى كبار السن، وإنما تعني ضرورة تحقيق التوازن في العلاقات الأسرية، بحيث يتعاون الجميع ويحصل كل فرد على حقوقه ويؤدي واجباته.

وأوضح أن الاستعانة بالجد والجدة في رعاية الأحفاد لساعات محددة أو خلال بعض الظروف والمناسبات أمر طبيعي ومقبول، ما دامت تتم بالتراضي ودون أن تتحول إلى مسؤولية يومية دائمة، مشدداً على أن الأجداد ليسوا حضانات مجانية، ولا يمكن اعتبارهم بديلاً عن الأب والأم في الرعاية التربوية والعاطفية.

وفي المقابل، أشار إلى أن الأحفاد ليسوا عبئاً يجب التخلص منه أو إلقاء مسؤولية تربيتهم على الأجداد، بل هم جزء أساسي من الأسرة، ويحتاجون إلى رعاية والديهم وحنان أجدادهم معاً، ضمن علاقة أسرية متوازنة تقوم على المحبة والتفاهم وتوزيع المسؤوليات.

وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على أهمية مراجعة الأدوار داخل الأسرة، في ظل تغير أنماط الحياة وزيادة الأعباء المهنية والاجتماعية على الوالدين، وما قد يترتب على ذلك من اعتماد متزايد على الأجداد في رعاية الأطفال، الأمر الذي يستدعي عدم تحميل كبار السن مسؤوليات تفوق قدراتهم، أو التعامل مع تضحياتهم باعتبارها أمراً مفروغاً منه.

كما تؤكد أهمية تعزيز الحوار بين الأبناء والآباء حول حدود المساعدة العائلية، والاتفاق على طبيعة الرعاية ومدتها، ومراعاة الظروف الصحية والنفسية للأجداد، إلى جانب ضمان استمرار الدور العاطفي والتربوي للوالدين في حياة أطفالهم، حتى لا تتحول المساندة الأسرية إلى مصدر للضغط أو الخلافات بين أفراد العائلة.

وتبقى الرسالة الأساسية التي طرحها الأخصائي النفسي والاجتماعي ظافر حسني حسونة أن العلاقات الأسرية السليمة لا تقوم على التضحية من طرف واحد، ولا على تحميل الأجداد مسؤوليات الوالدين، بل على التوازن والتعاون والتقدير المتبادل، بحيث يحصل الأجداد على حقهم في الراحة والاستمتاع بحياتهم، وينشأ الأحفاد في رعاية والديهم دون أن يُحرموا من حنان أجدادهم، وتبقى الأسرة مساحة للمحبة والمساندة لا للاستنزاف والضغط.