وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
من التنمر إلى الابتزاز الإلكتروني.. طلبة المدارس والجامعات في مرمى التهديدات الرقمية

 

رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن- مع التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية داخل المدارس والجامعات، تتزايد المخاطر الإلكترونية التي تستهدف الطلبة، ولم تعد تقتصر على سرقة البيانات أو اختراق الحسابات، بل امتدت إلى الابتزاز الإلكتروني والتنمر وانتهاك الخصوصية والاستغلال عبر الفضاء الرقمي، ما يطرح تساؤلات حول جاهزية المؤسسات التعليمية لحماية طلبتها، ودور الأسرة والمدرسة والجامعة في الوقاية والاستجابة، ومدى انتقال الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني من إعداد السياسات والخطط إلى تطبيق إجراءات حماية فعلية.

وقال خبير الأمن السيبراني بشار جبر، خلال حديثه لبرنامج "المنتصف" في نساء إف إم، إن التركيز على الأمن السيبراني في المدارس والجامعات يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها أن هذه المؤسسات تحتفظ بكميات كبيرة من البيانات الخاصة بالطلبة وأهاليهم والموظفين، إضافة إلى الأبحاث العلمية المهمة التي تحتفظ بها الجامعات.

وأوضح أن السبب الثاني يتمثل في وجود آلاف المستخدمين الذين يعتمدون على أجهزة شخصية متنوعة، مثل الهواتف المحمولة والحواسيب والأجهزة اللوحية، ما يوسع نقاط الضعف والمخاطر الأمنية، فيما يتمثل السبب الثالث في أن المؤسسات التعليمية هي البيئة التي تتشكل فيها العادات والسلوكيات الرقمية، فالطالب الذي يتعلم الممارسات الآمنة اليوم ينقلها معه إلى منزله وعمله مستقبلاً.

مخاطر مختلفة للمدارس والجامعات

وأوضح جبر أن أبرز المخاطر التي تواجه طلبة المدارس تتمثل في التنمر الإلكتروني، ومشاركة المعلومات الشخصية مع الغرباء عبر الألعاب والتطبيقات، وتبادل كلمات المرور بين الأصدقاء، نتيجة ضعف الوعي الرقمي لدى بعض الطلبة.

وأضاف أن الجامعات تواجه مخاطر إضافية تشمل التصيد الإلكتروني، وانتحال صفة الجامعة أو المنح الدراسية، واختراق البريد الإلكتروني الجامعي، إلى جانب استخدام الشبكات غير الآمنة المنتشرة في مرافق الجامعات.

وأشار إلى أن من أبرز العلامات التي يمكن أن تكشف محاولات التصيد الإلكتروني، الاستعجال في طلب المعلومات السرية أو إرسال روابط غريبة ومشبوهة، داعياً الطلبة إلى التعامل بحذر مع الرسائل والروابط التي تصلهم، وعدم مشاركة بياناتهم الشخصية أو كلمات المرور مع الآخرين.

الابتزاز الإلكتروني.. الخوف والصمت

وأكد جبر أن الابتزاز الإلكتروني يمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه الطلبة، نظراً لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة، موضحاً أنه يقوم على تهديد الضحية بنشر صور أو محادثات أو معلومات خاصة، مقابل الحصول على المال أو إجبارها على تنفيذ مطالب معينة.

وبيّن أن المبتزين قد يحصلون على المعلومات من خلال اختراق الحسابات، أو كسب ثقة الضحية، أو استدراجها للضغط على روابط مشبوهة تحتوي على برمجيات خبيثة يمكن استخدامها لجمع البيانات أو التجسس، مشدداً على أن الضحية ليست مذنبة، وأن المسؤولية تقع على المبتز باعتباره مرتكب الجريمة.

ولفت إلى أن المبتز يعتمد بصورة أساسية على ثلاثة عوامل للسيطرة على الضحية، وهي الخوف والخجل والصمت، خاصة في المجتمع الفلسطيني الذي قد تتردد فيه بعض الضحايا في الإبلاغ بسبب الخوف من المجتمع والعادات والتقاليد أو التعرض للوم، مؤكداً أن كسر حاجز الخوف والخجل والصمت يمثل الخطوة الأولى لإضعاف قدرة المبتز على السيطرة والضغط.

إجراءات حماية داخل المؤسسات التعليمية

وفيما يتعلق بدور المؤسسات التعليمية، قال جبر إن الجهود المبذولة في مجال الحماية الرقمية لا تزال غير كافية، رغم أن التكنولوجيا والتحول الرقمي أصبحا جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والمعاملات التعليمية والمصرفية والمؤسساتية، مشيراً إلى ضرورة تطوير إجراءات الحماية داخل المدارس والجامعات بصورة مستمرة.

واقترح وجود مرشد أو جهة مختصة ومدربة داخل كل مؤسسة تعليمية لاستقبال حالات الابتزاز الإلكتروني بسرية تامة، بما يضمن شعور الضحايا بالأمان ويشجعهم على الإبلاغ دون خوف أو خجل، إلى جانب وضع سياسات واضحة لحماية بيانات الطلبة وتحديد الأشخاص المخولين بالاطلاع عليها.

كما دعا إلى تفعيل خاصية التحقق بخطوتين لحسابات الطلبة والموظفين، بما يشمل المنصات التعليمية مثل "تيمز" و"زووم"، بحيث لا يقتصر الدخول إلى الحساب على كلمة المرور، وإنما يتطلب خطوة تحقق إضافية من خلال رمز أو رقم سري، إضافة إلى تدريب المعلمين والإداريين على كيفية التعامل مع بلاغات الابتزاز الإلكتروني وتقديم الدعم المناسب للطلبة.

وشدد جبر على أهمية تنظيم حملات توعية رقمية متكررة، وعدم الاكتفاء بحصة توعوية واحدة خلال العام الدراسي، بحيث تشمل الطلبة والمعلمين والإداريين والأهالي، مؤكداً أن المعلم يجب أن يكون قدوة في الممارسات الرقمية الآمنة، من خلال عدم مشاركة كلمات المرور أو إرسال بيانات الطلبة عبر تطبيقات ومنصات غير آمنة، لأن التوعية الحقيقية تبدأ بالممارسة.

الاستراتيجية الوطنية ومسؤولية الدولة

وحول خصوصية الوضع الفلسطيني وموقع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، أوضح جبر أن المدرسة والجامعة تستطيعان توعية الطلبة واحتواء الحالات، لكنهما لا تستطيعان وحدهما حذف محتوى منشور على منصات عالمية أو وضع تشريعات لحماية البيانات أو تدريب المحققين الرقميين، مؤكداً أن هذه مسؤوليات وطنية تتطلب تنسيقاً بين المؤسسات والجهات الرسمية المختصة.

وأضاف أن أهمية الاستراتيجية الوطنية تكمن في توزيع الأدوار وتحديد الجهات المسؤولة عن التشريع والاستجابة والتدريب والتوعية، مشيراً إلى أن النيابة العامة الفلسطينية سبق أن أشارت إلى تحديات تتعلق بإثبات الجرائم الرقمية والحصول على البيانات من المنصات والشركات الدولية، وهي تحديات تؤثر بصورة مباشرة على قضايا الابتزاز الإلكتروني وملاحقة مرتكبيها.

وأشار جبر إلى وجود خطوات إيجابية على المستوى الفلسطيني، من بينها صدور قرار بقانون بشأن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في نيسان 2026، والذي تضمن تعريفاً للاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، إضافة إلى انعقاد مؤتمر فلسطين الأول للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في أيار 2026، بالشراكة مع الجامعات الفلسطينية.

وأضاف أن وزارة الاتصالات كانت قد عرضت في وقت سابق أن الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني قيد الإعداد، بالتزامن مع تطوير المركز الفلسطيني للاستجابة لطوارئ الحاسوب، لكنه أوضح أنه لم يطلع على النص الكامل للاستراتيجية وتفاصيلها المعلنة، معرباً عن أمله في الإعلان عنها ومناقشتها بمشاركة الجامعات والقطاع الخاص والجهات المعنية.

خمسة مسارات لحماية الطلبة

وفيما يتعلق بكيفية حماية الطلبة من الابتزاز الإلكتروني من خلال الاستراتيجية الوطنية، حدد جبر خمسة مسارات أساسية.

ويتمثل المسار الأول في الجانب القانوني، من خلال توفير حماية للبيانات الشخصية، ووضع عقوبات رادعة وإجراءات واضحة للتعامل مع الأدلة الرقمية.

أما المسار الثاني فيتعلق بتطوير آليات الاستجابة، من خلال إنشاء نافذة أو منصة وطنية موحدة لتلقي البلاغات والتواصل السريع مع المنصات الرقمية لحفظ المحتوى والأدلة قبل حذفها.

ويتمثل المسار الثالث في تعزيز دور المدارس والجامعات، من خلال توفير مرشدين مدربين وسياسات واضحة لحماية بيانات الطلبة.

أما المسار الرابع فيتعلق بالتوعية والتثقيف الرقمي للطلبة والأسر، من خلال إدراج مفاهيم السلامة الرقمية والأمن السيبراني وحماية البيانات ضمن المناهج التعليمية بصورة تدريجية.

فيما يتمثل المسار الخامس في وضع مؤشرات أداء سنوية لقياس مدى التقدم، تشمل عدد البلاغات الواردة، وعدد الحالات التي تمت معالجتها، والمدة الزمنية اللازمة للاستجابة وإنهاء كل حالة.

واستشهد جبر بتجارب بعض الدول في هذا المجال، مشيراً إلى تجربة الإمارات في إدراج مفاهيم الأمن السيبراني ضمن المناهج التعليمية، وتجربة السعودية التي أطلقت حملات توعوية بالتعاون بين الهيئة الوطنية للأمن السيبراني ووزارة التربية والتعليم مع بداية العام الدراسي.

وأكد أن حماية الطلبة تتطلب منظومة متكاملة تتشارك فيها المدارس والجامعات ووزارات التربية والجهات الأمنية والنيابة العامة وشرطة الجرائم الإلكترونية.

حماية الضحايا تبدأ من بيئة آمنة

وفي الجانب النفسي، شدد جبر على ضرورة التعامل مع ضحايا الابتزاز الإلكتروني بطريقة تحميهم من الوصمة الاجتماعية والضغط النفسي، مؤكداً أهمية أن يشعر الطالب بأن الإبلاغ لن يؤدي إلى معاقبته أو لومه، بل سيحصل على الحماية والدعم والمساندة من الأسرة والمؤسسة التعليمية.

ووجه مجموعة من النصائح للطلبة والمستخدمين، داعياً إلى استخدام كلمات مرور طويلة ومختلفة لكل حساب، وتفعيل خاصية التحقق بخطوتين، وعدم إرسال الصور أو المعلومات الشخصية والخاصة لأي شخص، والتوقف والتفكير قبل فتح أي رابط يصل عبر الرسائل أو التطبيقات، خاصة إذا كان مصدره غير معروف.

وأكد أنه في حال التعرض للابتزاز الإلكتروني، يجب الالتزام بأربع خطوات أساسية، تتمثل في عدم دفع الأموال إذا كان الابتزاز مالياً، وعدم الخوف من التهديدات، وتوثيق الأدلة والرسائل والروابط المتعلقة بالواقعة، ثم الإبلاغ للأسرة والمدرسة والجهات المختصة، مشدداً على أن الدفع لا يضمن توقف المبتز عن مطالبه.

كما دعا الأسر والمدارس والجامعات إلى تعزيز الثقة مع الطلبة، وتوفير بيئة آمنة تشجعهم على الإبلاغ عن أي تهديد أو ابتزاز يتعرضون له، دون تخويفهم أو معاقبتهم، مؤكداً أن الإبلاغ يشكل جزءاً أساسياً من حل المشكلة ويساعد الجهات المختصة على التدخل وملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية.

وختم جبر حديثه بالتأكيد على أن الأمن السيبراني مسؤولية جماعية لا تقتصر على الطلبة والمؤسسات التعليمية، بل تشمل جميع فئات المجتمع الفلسطيني، موضحاً أن القانون ينشئ الجهات المختصة، والاستراتيجية تحدد الاتجاهات والأدوار، فيما يضمن التنفيذ الفعلي حماية الأبناء والمستخدمين، مشدداً على أن الأمن يبدأ بالثقة قبل التقنية، وأن حماية المجتمع من الابتزاز الإلكتروني تتطلب جهوداً وطنية متواصلة ومتكاملة تجمع بين التشريع والتوعية والاستجابة والدعم النفسي.

الاستماع الى اللقاء :