العنف ضد المرأة.. حين يتحول الصمت الأسري إلى غطاء للمعتدي
رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن- أعاد عرض برنامج "الظل الخامس" على قناة رؤيا الأردنية، لحالات حقيقية من العنف الأسري، فتح النقاش حول مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية في حماية النساء من الاعتداءات الجسدية والنفسية، وما تتعرض له بعض الزوجات من عنف وإهانة وسيطرة، إلى جانب الضغوط التي قد تدفع النساء إلى الصمت أو العودة إلى منازل الزوجية رغم تعرضهن للعنف.
وفي هذا السياق، استضاف برنامج "المنتصف" في نساء إف إم المديرة التنفيذية والمستشارة القانونية لجمعية معهد تضامن النساء الأردني، أنعام العشا، للحديث عن أسباب استمرار العنف ضد المرأة، ودور الأسرة والعشائر والمؤسسات النسوية في مواجهته، والحدود الفاصلة بين الخلافات الزوجية والعنف الذي يستوجب الحماية والمساءلة القانونية.
وقالت العشا إن العنف الأسري ظاهرة موجودة في مختلف المجتمعات منذ فترات طويلة، وكان من المفترض أن تسهم الجهود المبذولة على المستويات التشريعية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب برامج المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والمنظومة الأممية، في الحد منها وتقليص انتشارها، إلا أن الظاهرة لا تزال تشهد تنامياً بفعل مجموعة من العوامل المختلفة.
وأشارت إلى أن من الإشكاليات التي تساهم في استمرار العنف، الربط الخاطئ بينه وبين العادات والتقاليد، أو استخدام بعض النصوص الدينية بصورة غير صحيحة لتبرير الاعتداء، مؤكدة أن الدين والأخلاق مرتبطان بالقيم والمبادئ الإنسانية، ولا يمكن اعتبار الدين مبرراً للإهانة أو السيطرة أو ممارسة العنف ضد النساء.
وأضافت أن بعض أشكال العنف تُمارس تحت مسميات مثل التأديب والتربية والمحافظة على القيم والعادات، وقد يتطور التأديب في بعض الحالات إلى التعذيب، في ظل صعوبة الفصل بين المفهومين لدى بعض الأسر.
وأشارت إلى أن بعض الممارسات الاجتماعية، مثل تزويج القاصرات تحت شعار الستر، تمثل اعتداءً على حقوق الفتيات الأساسية، بما فيها الحق في الصحة والتعليم والعمل والحياة الكريمة.
الأسرة بين الحماية والتستر
وحول أسباب تستر بعض العائلات على عنف أبنائها ضد زوجاتهم، أوضحت العشا أن الأمر يرتبط أحياناً بثقافة اجتماعية ووعي مشوه، يجعل بعض الأسر تعتقد أن إعادة المرأة المعنفة إلى منزل زوجها أو مطالبتها بالصمت والصبر يصب في مصلحتها، بدلاً من الوقوف إلى جانبها وحمايتها.
وأضافت أن بعض الأسر تستقبل ابنتها بعد تعرضها للضرب أو الإهانة أو الاعتداء، لكنها بدلاً من مساندتها تسألها عما فعلته حتى تعرضت لذلك، ثم تضغط عليها للعودة إلى منزل الزوجية، وهو ما يعكس، بحسب تقديرها، فهماً خاطئاً للمسؤولية الأسرية والأبوية تجاه المرأة المعنفة.
ولفتت إلى أن هناك عوامل أخرى قد تدفع بعض العائلات إلى التستر على المعتدي، من بينها الخوف من تحمل الأعباء الاقتصادية المترتبة على استقبال المرأة وأطفالها، خصوصاً إذا كانت غير عاملة، إلى جانب الرغبة في تجنب مواجهة المشكلة أو تحمل مسؤولية التدخل لحلها، مؤكدة أن هذه الممارسات تساهم في استمرار العنف وتعريض الضحية لمزيد من الاعتداءات.
الصلح العشائري وحدود التدخل الاجتماعي
وفيما يتعلق بدور العشائر ورجال الإصلاح في قضايا العنف الأسري، أوضحت أن المنظومة العشائرية تتضمن ممارسات اجتماعية إيجابية يجب الحفاظ عليها، مثل إكرام الضيف وحماية الناس والتدخل للإصلاح وحقن الدماء، لكنها أشارت إلى أن بعض الممارسات تحتاج إلى مراجعة وتعديل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الاعتداء على النساء.
وأكدت أن اللجوء إلى الصلح العشائري في بعض حالات العنف قد يؤدي إلى التنازل عن حقوق المرأة مقابل تسويات اجتماعية، مثل ما يُعرف بالصلح على فنجان قهوة، محذرة من أن التعامل مع الاعتداء باعتباره خلافاً عائلياً قابلاً للتسوية قد يشجع المعتدي على تكرار العنف، بدلاً من مساءلته وضمان حماية الضحية.
وشددت على ضرورة التمييز بين الخلافات الزوجية العادية وحالات العنف والاعتداء، مؤكدة أن حماية المرأة وسلامتها يجب أن تكون الأولوية، وأن التدخلات الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للضغط عليها أو إجبارها على التنازل عن حقوقها.
التوعية والاستقلالية
وحول دور المؤسسات النسوية والحقوقية، قالت العشا إن هذه المؤسسات تواصل جهودها في التوعية والتثقيف والتدريب وتنظيم ورش العمل واللقاءات، مؤكدة أن التوعية عملية مستمرة لا يمكن التوقف عنها، نظراً لتعاقب الأجيال واختلاف مستويات استقبال الرسائل التوعوية وتأثر الأفراد بها.
ووجهت رسالة إلى النساء بضرورة الاستثمار في الذات والقدرات والفكر والوعي والعمل والإنتاج، معتبرة أن بناء شخصية المرأة وتعزيز استقلاليتها وقدرتها على اتخاذ القرارات يمثل أحد أهم أشكال الاستثمار على المديين القريب والبعيد.
ودعت النساء اللواتي يتعرضن للعنف إلى كسر حاجز الخوف والقلق، وعدم الاستسلام للمفاهيم الاجتماعية المغلوطة التي تدفعهن إلى الصمت بحجة الستر أو الخوف على سمعة الأسرة أو الأبناء.
وأشارت إلى أن بعض النساء يترددن في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المعتدي خشية دفع ثمن اجتماعي أو عائلي، الأمر الذي يمنعهن من طلب الحماية واستعادة حقوقهن.
الصمت والتدخل المبكر
وأكدت العشا أن الصمت المجتمعي والمؤسسي تجاه العنف يشكل نوعاً من التواطؤ، موضحة أن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على الضحية وحدها، بل تشمل الأسرة والمؤسسات والمجتمع بمختلف مكوناته، وأن صمت العائلة أو المؤسسات أو أي تجمع اجتماعي عن الاعتداء قد يجعلها شريكاً في استمرار الجريمة.
وحذرت من خطورة التقليل من حالات العنف أو تجاهلها، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد تبدأ باعتداء يبدو محدوداً، لكنها تتطور مع استمرار الصمت وغياب التدخل إلى اعتداءات أكثر خطورة قد تصل إلى القتل، ما يجعل الإبلاغ والتدخل المبكر ضرورة لحماية النساء.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع ما سلط عليه برنامج "الظل الخامس" الضوء، من خلال عرض حالات حقيقية وتجسيد بعض الوقائع بمشاركة ممثلين، في محاولة لكشف أشكال العنف التي تتعرض لها الزوجات، وإظهار دور بعض العائلات في التستر على المعتدين أو تبرير سلوكهم والضغط على النساء للصمت.
وفي سياق متصل، أثارت الحلقة مواقف رافضة لتبرير العنف بالمظاهر الدينية أو العادات والتقاليد، حيث أكدت المواقف التي تناولت القضية أن التدين لا ينفصل عن الأخلاق والرحمة واحترام كرامة المرأة، وأن المظاهر الدينية لا يمكن أن تكون غطاءً للإساءة أو الاعتداء أو الظلم.
وتستند الرسائل الدينية التي أُثيرت في سياق النقاش إلى مبادئ المعاملة بالمعروف ورفض الإضرار بالمرأة، ومنها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وفي سورة البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾، إضافة إلى ما ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي بشأن معاملة النساء، بما يعكس، في سياق النقاش، التأكيد على الاحترام والرحمة داخل العلاقة الزوجية.
وتبرز القضية كذلك مسؤولية الأسر في توعية بناتها بحقوقهن وتعزيز ثقتهن بأن أسرهن ستكون سنداً لهن عند التعرض للعنف، بدلاً من مطالبتهن بتحمل الإهانة حفاظاً على المظاهر الاجتماعية أو تجنباً لكلام الناس.
كما تتطلب مواجهة الظاهرة إعادة النظر في بعض التدخلات الاجتماعية التي تتعامل مع الاعتداءات باعتبارها خلافات زوجية قابلة للصلح، بحيث يكون دور رجال الإصلاح والوجهاء قائماً على دعم حماية الضحية واحترام حقوقها، وعدم ممارسة الضغوط عليها للتنازل أو تعطيل المساءلة القانونية.
وتبقى مسؤولية المؤسسات الرسمية والحقوقية والنسوية أساسية في توفير الحماية والمساندة القانونية والنفسية للنساء، وتعزيز آليات الإبلاغ والاستجابة، وضمان عدم ترك الضحايا لمواجهة المعتدين بمفردهن، إلى جانب نشر الوعي بأن العنف لا يمكن تبريره بالدين أو العادات أو الظروف الاجتماعية.
وأكدت العشا في ختام حديثها أن الصمت ليس وسيلة للحماية، بل قد يفتح الباب أمام تكرار الاعتداء وتصاعده، داعية النساء إلى عدم التردد في طلب المساعدة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أنفسهن، ومشددة على أن مواجهة العنف مسؤولية مشتركة تتطلب مواقف فعلية من الأسرة والمجتمع والمؤسسات.
وتعيد القضية التأكيد على أن مواجهة العنف ضد المرأة تتطلب الانتقال من التعامل معه باعتباره شأناً عائلياً إلى اعتباره قضية حماية وحقوق ومساءلة، بما يضمن سلامة النساء وكرامتهن، ويحد من التستر على المعتدين أو الضغط على الضحايا للتنازل والصمت.
الاستماع الى اللقاء :