انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. كيف سيتنعكس على أجندة ترامب الخارجية؟
رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن- مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تتجه الأنظار إلى موازين القوى داخل الكونغرس، وما قد تحمله النتائج من تغيرات في المشهد السياسي الأمريكي، وانعكاسات محتملة على أجندة الرئيس دونالد ترامب، داخلياً وخارجياً، ولا سيما ملفات السياسة الخارجية والشرق الأوسط والدعم الأمريكي لإسرائيل.
وتشير توقعات شبكة "سي إن إن" إلى احتمال حصول الحزب الديمقراطي على 237 مقعداً مقابل 198 مقعداً للحزب الجمهوري في مجلس النواب، فيما ترجح بعض التوقعات تقدم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ بحصولهم على 52 مقعداً، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل سيطرة الحزبين على الكونغرس، ومدى تأثير ذلك على سياسات الإدارة الأمريكية خلال السنوات المقبلة.
وفي حديثه لبرنامج "المنتصف" في نساء إف إم، قال أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الأمريكي، البروفيسور الدكتور حسين الديك، إن الأرقام التي نشرتها شبكة "سي إن إن" يجب التعامل معها في إطار التوجهات السياسية للمؤسسات الإعلامية الأمريكية، موضحاً أن الشبكة تُحسب تقليدياً على الحزب الديمقراطي، فيما تُعد شبكة "فوكس نيوز" من المؤسسات الإعلامية المحسوبة على التيار المحافظ والجمهوري، وبالتالي قد تختلف نتائج استطلاعات الرأي بينهما.
وأضاف الديك أن الإعلام المحايد بصورة مطلقة غير موجود، سواء في الولايات المتحدة أو في دول العالم، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي تتأثر أحياناً بالاتجاهات السياسية للمؤسسات التي تجريها، ولذلك لا يمكن اعتماد نتائج استطلاع واحد باعتبارها مؤشراً نهائياً على توجهات الناخبين.
وأكد أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة مفصلية في تاريخها السياسي، لا تقتصر على معرفة الحزب الذي سيحصل على الأغلبية في الكونغرس، بل ترتبط أيضاً بالتحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، باعتباره مجتمعاً ديناميكياً ومتغيراً باستمرار.
وأوضح أن استطلاعات الرأي الأمريكية تعتمد في كثير من الأحيان على آراء النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المراكز الحضرية، لكنها لا تعكس بالقدر الكافي توجهات ما وصفها بـ"الهوامش الشعبية"، والمتمثلة في ضواحي المدن الفقيرة والمناطق الريفية البعيدة، والتي تميل تاريخياً إلى التصويت للحزب الجمهوري بسبب طبيعتها المحافظة.
وضرب الديك مثالاً بولاية أيوا، التي وصفها بأنها ولاية زراعية ومحافظة، وكانت تقليدياً من معاقل الحزب الجمهوري، لكنها أصبحت اليوم من الولايات المتأرجحة سياسياً، مشيراً إلى أن طبيعة المناطق الريفية وتباعدها الجغرافي عن مراكز المدن يجعلان من الصعب أحياناً قياس توجهات سكانها بدقة من خلال استطلاعات الرأي التقليدية.
مجلس النواب.. تغير أسرع في موازين القوى
وفيما يتعلق بانتخابات مجلس النواب، أوضح الديك أن المجلس يتكون من 435 عضواً، يجري انتخابهم جميعاً خلال الانتخابات النصفية، ويوزع عدد المقاعد على الولايات وفقاً لعدد السكان، مشيراً إلى أن ولاية كاليفورنيا تمتلك 52 مقعداً، فيما تمتلك ولاية تكساس 44 مقعداً.
وأضاف أن مدة عضوية مجلس النواب تبلغ عامين فقط، الأمر الذي يجعل التغير في موازين القوى داخله أسرع مقارنة بمجلس الشيوخ، لافتاً إلى أن المؤشرات العامة تشير إلى وجود تحول على مستوى الولايات المتحدة لصالح الحزب الديمقراطي، مع ترجيح حصوله على الأغلبية في مجلس النواب.
مجلس الشيوخ.. منافسة في ولايات حاسمة
أما فيما يتعلق بمجلس الشيوخ، فأشار الديك إلى أن المعادلة الانتخابية أكثر تعقيداً، إذ يتكون المجلس من 100 عضو، فيما تشمل الانتخابات 35 مقعداً فقط، منها 22 مقعداً جمهورياً و13 مقعداً ديمقراطياً، وفق التوزيع الذي أشار إليه خلال المقابلة.
وأوضح أن التوزيع الحالي للقوى داخل مجلس الشيوخ يبلغ 53 مقعداً للجمهوريين، مقابل 45 للديمقراطيين، إضافة إلى عضوين مستقلين، مشيراً إلى أن طبيعة النظام الانتخابي، الذي يمنح كل ولاية عضوين في مجلس الشيوخ بغض النظر عن عدد سكانها، تجعل المنافسة مختلفة عن انتخابات مجلس النواب.
وبيّن أن المعركة الانتخابية في مجلس الشيوخ تتركز في نحو سبع ولايات رئيسية، بعضها يميل تاريخياً إلى الحزب الجمهوري، فيما تميل ولايات أخرى إلى الحزب الديمقراطي، ومن بينها ميشيغان ومين، لافتاً إلى أن الاستطلاعات في بعض هذه الولايات ترجح تقدم المرشحين الديمقراطيين.
وشدد الديك على أهمية الانتباه إلى هامش الخطأ في استطلاعات الرأي الأمريكية، والذي يتراوح بين 4 و5 بالمئة، موضحاً أن تقدم مرشح بنسبة 2 بالمئة لا يعني بالضرورة فوزه، إذ يمكن أن يؤدي هامش الخطأ إلى تغير النتيجة لصالح المرشح المنافس، كما قد يحدث في ولايات مثل ميشيغان وتكساس وأوهايو.
وأكد أن الحكم المسبق على هوية الحزب الذي سيحصل على الأغلبية في مجلس الشيوخ لا يزال أمراً مبكراً، في ظل تقارب المنافسة في عدد من الولايات، وعدم قدرة الاستطلاعات على عكس توجهات جميع الفئات الانتخابية، خصوصاً الناخبين في المناطق الريفية والضواحي الشعبية.
الانتخابات واختبار نهج ترامب
وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت الانتخابات تمثل مجرد تغيير في موازين القوى داخل الكونغرس، أم اختباراً أوسع لنهج الرئيس دونالد ترامب السياسي، أوضح الديك أن التأثيرات المحتملة لتغير الأغلبية ستكون مرتبطة بصورة أساسية بالوضع الداخلي الأمريكي، ولا سيما إقرار الموازنات والمساعدات الخارجية واحتمالات الإغلاق الحكومي.
وأضاف أن حصول الحزب الديمقراطي على الأغلبية في مجلسي الكونغرس معاً أمر يستبعده في تقديره، لكنه أشار إلى أنه حتى لو تمكن الديمقراطيون من السيطرة على المجلسين، فإن ذلك لا يعني تجريد الرئيس ترامب من صلاحياته الدستورية، لأن النظام السياسي الأمريكي يقوم على توزيع السلطات بين ثلاث مؤسسات رئيسية، هي البيت الأبيض والكونغرس والمحكمة العليا.
وأوضح أن أي مشروع قانون يحتاج إلى المرور عبر مجلسي النواب والشيوخ والحصول على الأغلبية المطلوبة قبل إحالته إلى الرئيس للموافقة عليه أو استخدام حق النقض "الفيتو"، وفي حال رفض الرئيس المشروع، يمكن للكونغرس إعادة التصويت عليه، لكن تجاوز الفيتو يتطلب موافقة ثلثي أعضاء المجلسين.
وأشار إلى أن هذا الشرط يجعل تجاوز اعتراض الرئيس أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً في ظل عدم وجود مؤشرات على إمكانية حصول الديمقراطيين على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، الأمر الذي يعني استمرار تمتع الرئيس الأمريكي بصلاحيات واسعة حتى في حال تغير الأغلبية داخل الكونغرس.
وختم الديك حديثه بالتأكيد على أن نتائج انتخابات التجديد النصفي ستؤثر في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وفي قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير مشاريعها السياسية والاقتصادية والتشريعية، إلا أن تأثيرها على السياسة الخارجية والملفات الدولية، بما فيها الشرق الأوسط والدعم الأمريكي لإسرائيل، سيظل مرتبطاً بحدود الصلاحيات الدستورية للرئيس وطبيعة التوازنات السياسية داخل المؤسسات الأمريكية.
الاستماع الى اللقاء :