وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
دعوات لوضع سياسات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والتعليم الفلسطيني

 

رام الله-نساء FM- في ظل التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية والتعليمية الفلسطينية، من التضليل الإعلامي والتزييف العميق إلى حماية البيانات والتحيز الخوارزمي، ما يفرض الحاجة إلى سياسات واضحة تنظم استخدام هذه التقنيات وتضمن توظيفها بصورة مسؤولة وأخلاقية.

ويناقش مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، خلال يوم دراسي بعنوان "الحوكمة الذكية للإعلام والتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي"، عددًا من القضايا المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والتعليم، وسبل تطوير سياسات وطنية تساعد المؤسسات الفلسطينية على الاستفادة من هذه التقنيات والحد من مخاطرها، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بالتحديات المرتبطة بها.

وقالت الإعلامية ومنسقة وحدة الجندر في مركز تطوير الإعلام، ناهد أبو طعيمة، في حديثها لإذاعة "نساء إف إم"، إن اليوم الدراسي يأتي ضمن مشروع "تعزيز صمود الإعلام خلال التحول الرقمي وتكاثر الذكاء الاصطناعي والمشاركة المجتمعية في فلسطين"، الذي ينفذه المركز على مدار عامين، بهدف تعزيز قدرات المؤسسات الإعلامية والصحفيين والأكاديميين والمجتمعات المحلية في التعامل مع التحولات الرقمية والتقنيات الناشئة.

وأوضحت أبو طعيمة أن المؤسسات الإعلامية الفلسطينية تعمل في بيئة شديدة التحدي، تواجه فيها الصحافة قيودًا ومخاطر متعددة، إلى جانب محدودية الموارد، ما يجعل تطوير برامج التعليم والتدريب الإعلامي ضرورة، خصوصًا في مجالات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ثلاثة مسارات للمشروع

وبيّنت أن المشروع يعمل على ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل الأول في تطوير التعليم الإعلامي الرقمي من خلال دبلوم مهني متخصص شارك فيه 25 صحفيًا وصحفية من الشباب، وتضمن التدريب على الصحافة الرقمية وإنتاج الوسائط المتعددة وصحافة البيانات والأخلاقيات المهنية.

وأشارت إلى أن المشاركين وصلوا إلى مرحلة إعداد مشاريع التخرج، بما يعزز فرص اندماجهم في سوق العمل الإعلامي.

أما المسار الثاني، فيركز على بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي والإعلام، من خلال تدريب 20 أكاديميًا من الجامعات الفلسطينية، بإشراف مدربين فلسطينيين ودوليين، على أن ينقل المشاركون المعارف والخبرات المكتسبة إلى الصحفيين المحترفين والصحفيين الجدد الملتحقين بسوق العمل.

ويركز المسار الثالث على تعزيز المشاركة المجتمعية وتطوير المبادرات المحلية، من خلال تنفيذ خمس مبادرات شبابية في قرى جالود واللبن الشرقية وقصرة وقريوت، بهدف توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي في الترويج للمجتمعات المحلية وتسليط الضوء على قضاياها واحتياجاتها.

وأكدت أبو طعيمة أن هذه المبادرات تأتي في ظل ما تواجهه هذه المناطق من اعتداءات متكررة من المستعمرين، مشيرة إلى أهمية تمكين الشباب من استخدام الأدوات الرقمية للتعبير عن واقعهم وتعزيز حضور قضايا مجتمعاتهم، إلى جانب إطلاق مبادرات تستهدف النساء وكبار السن والبلديات والمجالس المحلية.

أوراق سياسات لحوكمة الذكاء الاصطناعي

وفيما يتعلق باليوم الدراسي، أوضحت أبو طعيمة أنه يشكل مساحة للنقاش بين الخبراء والباحثين والصحفيين والأكاديميين حول الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، والتحديات التي تواجه المؤسسات الفلسطينية في ظل التطور السريع لهذه التقنيات.

وأضافت أن اليوم الدراسي يتضمن عرض خمس أوراق سياسات تتناول حوكمة الذكاء الاصطناعي في مؤسسات المجتمع المدني، والاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات في مكافحة التضليل الإعلامي والتزييف العميق، وإمكانية وضع إطار وطني ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية الفلسطينية.

كما تتناول الأوراق تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية في المدارس الفلسطينية، وسبل توظيف الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي لدعم البحث العلمي والابتكار، إلى جانب الاستفادة من التجارب العربية والدولية وتكييفها بما يتناسب مع السياق الفلسطيني.

وشددت أبو طعيمة على أهمية معالجة غياب السياسات الواضحة في بعض مؤسسات المجتمع المدني بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحة أن السؤال لا يتعلق فقط بمدى استخدام هذه الأدوات، وإنما بكيفية استخدامها، ومدى الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، ووجود ضوابط تضمن الشفافية والمسؤولية.

وأشارت إلى أن تطوير إطار وطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية يمثل خطوة مهمة لتوحيد الرؤية وتحديد القواعد التي تحكم استخدام هذه التقنيات، بما يساعد على مواجهة التضليل الرقمي والحفاظ على مصداقية العمل الإعلامي.

تعزيز التربية الإعلامية في المدارس

وفي ملف التربية الإعلامية، قالت أبو طعيمة إن المركز عمل مع نحو 200 معلم ومعلمة في المدارس الفلسطينية، بهدف تعزيز قدرتهم على التعامل مع الأخبار والمحتوى الإعلامي، وتمكينهم من نقل مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات إلى الطلبة.

وأوضحت أن الهدف يتمثل في الانتقال بالطلبة من مجرد استهلاك المحتوى المنشور عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى التعامل معه بوعي، من خلال التساؤل عن مصدر الخبر والجهة التي نشرته ومدى موثوقيته، والبحث عن مصادر متعددة قبل تصديق المعلومات أو إعادة نشرها.

وأضافت أن هذه المهارات تكتسب أهمية متزايدة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تتيح إنتاج محتوى مضلل وصور ومقاطع فيديو مفبركة قد يصعب على الجمهور التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، ما يستدعي تعزيز التوعية الإعلامية داخل المدارس والجامعات والمجتمع.

تحديات إضافية أمام النساء والصحفيات

وفيما يتعلق بالنساء والصحفيات، لفتت أبو طعيمة إلى أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات إضافية تتعلق بالتحيز والعنف الرقمي وانتهاك الخصوصية.

وأكدت ضرورة تعزيز قدرات الصحفيين والصحفيات على التحقق من الصور والروابط والمعلومات، ومواكبة التطورات المتلاحقة في أدوات التزييف العميق.

وشددت على أهمية تطوير المؤسسات الرسمية والإعلامية والنسوية سياسات وإجراءات واضحة للتعامل مع هذه المخاطر، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى النساء بحقوقهن الرقمية وتعزيز قدرتهن على التعامل الآمن مع المحتوى والمنصات الرقمية.

وأضافت أن التوعية يجب ألا تقتصر على فئة بعينها، وإنما تشمل مختلف الفئات المجتمعية، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات المهمشة، بما يضمن استفادتها من الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والحد من المخاطر المرتبطة باستخدامه.

الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي

وفيما يتعلق بالبحث العلمي، قالت أبو طعيمة إن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصًا مهمة للباحثين من خلال تسهيل البحث في الأدبيات السابقة والوصول إلى المصادر والمعلومات، بما يوفر الوقت والجهد ويسهم في تطوير الإنتاج العلمي.

لكنها أكدت في المقابل ضرورة وضع حدود واضحة لاستخدام هذه الأدوات في البحث العلمي، بما يضمن الالتزام بالأخلاقيات الأكاديمية واحترام النزاهة العلمية، ومراعاة الفوارق في الإمكانات والفرص المتاحة للباحثين.

وأضافت أن المطلوب هو الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد غير المنضبط عليه، مع الحفاظ على دور الباحث في التحليل والتقييم والتحقق من المعلومات، وضمان أن تكون التقنية داعمة للمعرفة والابتكار وليست بديلًا عن المسؤولية العلمية.

وأكدت أبو طعيمة أن تحويل نتائج الدراسات وأوراق السياسات إلى خطوات عملية يتطلب تعاونًا بين المؤسسات الرسمية والأكاديمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الاستفادة من الخبرات العربية والدولية في تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والإعلام والبحث العلمي.

واختتمت بالتأكيد على أن تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في فلسطين لم يعد مسألة تقنية فحسب، بل يرتبط بمستقبل الإعلام والتعليم والبحث العلمي، وحماية المجتمع من التضليل الرقمي، وتعزيز قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات التكنولوجية.

وشددت على أهمية فتح نقاش وطني يشارك فيه المختصون والمؤسسات المعنية، والاستفادة من التجارب العربية والدولية، وصولًا إلى أطر وسياسات واضحة تضمن الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وتعزز صمود المؤسسات الإعلامية والتعليمية الفلسطينية وقدرتها على مواصلة أداء دورها في خدمة المجتمع.