القيادة والإدارة.. كيف يصنع المسؤول بيئة عمل محفزة؟
رام الله-نساء FM- في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه بيئات العمل وتزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق العاملين، لم يعد نجاح المؤسسات مرتبطًا بالنتائج والإنجازات فقط، بل بقدرة المسؤولين على بناء الثقة داخل فرق العمل، وتحفيز الموظفين على التطور والإبداع، واتخاذ قرارات تسهم في تحقيق الأهداف وتعزيز بيئة عمل إيجابية.
وفي هذا السياق، أكدت مدربة التنمية البشرية والتنمية الإدارية والقيادة عايدة زواهرة، في حديثها لإذاعة "نساء إف إم"، أن القيادة والإدارة مفهومان متداخلان، لكنهما يختلفان في طبيعة الدور والأولويات، مشيرة إلى أن المؤسسات تحتاج إلى مدراء قادرين على تنظيم العمل وتحقيق الأهداف، إلى جانب قيادات تستطيع التأثير في الآخرين وتحفيزهم وتطوير قدراتهم.
وقالت زواهرة إن القيادة تُعرّف بأنها فن التأثير في الآخرين لتحقيق أهداف المؤسسة أو المجتمع، موضحة أن التأثير يمثل العنصر الأساسي الذي يميز القائد، إذ لا تقتصر مهمته على متابعة سير العمل، وإنما تشمل بناء علاقات قائمة على الثقة المتبادلة، وتعزيز انتماء الموظفين إلى الفريق، وتشجيعهم على المشاركة في تحقيق الأهداف المشتركة.
صفات القائد الناجح
وأوضحت زواهرة أن من أبرز الصفات التي ينبغي أن تتوافر في القائد الناجح الثقة بالنفس، والشجاعة، والمبادرة، والحكمة، والصدق، والنزاهة، مبينة أن الثقة بالنفس تنعكس على تصرفات القائد وأفعاله وطريقة تواصله مع الآخرين، وتسهم في تعزيز ثقة فريقه به وبقراراته.
وأضافت أن الشجاعة والمبادرة من الصفات الأساسية في الشخصية القيادية، إذ ينبغي للقائد أن يكون مستعدًا للتقدم وتحمل المسؤولية ومواجهة التحديات، بدلًا من الاكتفاء بتوجيه الآخرين، لافتة إلى أن القائد يمنح فريقه القوة من خلال حضوره ومواقفه وقدرته على المبادرة واتخاذ الخطوات المناسبة في الوقت المناسب.
وشددت على أهمية الحكمة والصدق والنزاهة في بناء شخصية قيادية أصيلة، موضحة أن هذه الصفات لا تقتصر على الشعارات، وإنما تظهر في تعامل القائد مع فريقه وفي قراراته اليومية.
المدير والقائد.. اختلاف في الدور
وفيما يتعلق بالفروق بين المدير والقائد، أوضحت زواهرة أن المدير يستمد صلاحياته من موقعه الوظيفي داخل المؤسسة، ويتولى إدارة العمل وتنظيمه وتحقيق الأهداف المطلوبة، وغالبًا ما يتركز اهتمامه على الإنجاز والنتائج.
وأضافت أن استخدام السلطة الإدارية ضروري لتنظيم العمل عندما يتم بصورة مناسبة، إلا أن المبالغة في الأوامر والتسلط والعقوبات قد تؤدي إلى إضعاف الإدارة والتأثير سلبًا في بيئة العمل والعلاقات بين الموظفين والمسؤولين.
في المقابل، ينظر القائد إلى فريق العمل باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق الإنجاز، ولا يفصل بين الوصول إلى النتائج والاهتمام بالأفراد الذين يسهمون في تحقيقها.
وأكدت أن القائد الحقيقي يسعى إلى تنمية العاملين معه وتحفيزهم وإلهامهم، وتوفير بيئة يشعرون فيها بالأمان والاحترام، وتتيح لهم تطوير قدراتهم وتحقيق إمكاناتهم.
وأشارت إلى أن القيادة لا تقوم على المنصب وحده، بل على العلاقة التي تنشأ بين القائد والأشخاص الذين يثقون به ويؤمنون برؤيته وسلوكه وحكمته، موضحة أن الفارق الجوهري بين المدير والقائد يظهر في طريقة النظر إلى الموظفين؛ فالمدير الذي يركز على تحقيق أهداف المؤسسة دون الاهتمام بأفراد فريقه ينشغل بالمهمة أكثر من الإنسان، بينما يوازن القائد بين الإنجاز وتطوير الأشخاص.
القيادة.. موهبة أم مهارة مكتسبة؟
وحول ما إذا كانت القيادة موهبة فطرية أم مهارة مكتسبة، بينت زواهرة أن النظريات الإدارية تناولت المسألة من زوايا مختلفة؛ إذ ترى بعض النظريات أن الشخصية القيادية ترتبط بصفات فطرية، مثل الثقة بالنفس والشجاعة والحكمة والكاريزما، فيما تؤكد نظريات أخرى إمكانية إعداد القادة وتطوير قدراتهم من خلال التدريب والتعلم.
وأوضحت أن بناء القيادات يتطلب الجمع بين الاستعدادات والصفات الشخصية من جهة، واكتساب المهارات الفكرية والإنسانية من جهة أخرى، مشيرة إلى أن من أبرز المهارات التي يحتاج إليها القائد الذكاء العاطفي، والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات، إضافة إلى الاتصال والتواصل الفعال.
وأضافت أن برامج إعداد القادة والتدريب المتخصص يمكن أن تسهم في تطوير هذه المهارات وتعزيز قدرة الأفراد على تولي الأدوار القيادية بفاعلية.
أخطاء إدارية تضعف أداء الفرق
وفي سياق متصل، حذرت زواهرة من مجموعة من الأخطاء الإدارية التي قد تؤدي إلى إضعاف أداء الفرق واستنزاف طاقاتها، وفي مقدمتها تغليب الأنا والشعور بالتفوق على الموظفين بسبب الموقع الوظيفي، الأمر الذي يضعف روح الفريق ويحد من التعاون بين أفراده.
وأكدت أن العمل المؤسسي الناجح يقوم على الشعور بالمسؤولية المشتركة، بحيث يدرك المسؤول والموظفون أنهم يعملون معًا لتجاوز الصعوبات وتحقيق النتائج المطلوبة.
وأشارت إلى أن التركيز المفرط على إنجاز المهام دون مراعاة ظروف العاملين وقدراتهم واحتياجاتهم ينعكس سلبًا على تطورهم وأدائهم، مؤكدة أن القائد الناجح يهتم بالنتائج، لكنه يحرص في الوقت نفسه على توفير بيئة عمل تراعي الجوانب النفسية والجسدية والعقلية للموظفين، وتمنحهم فرصًا للتعلم والتطور.
كما أشارت إلى أهمية تنويع أساليب التحفيز، من خلال التعزيز الإيجابي والتطوير الوظيفي والتقدير، بدلًا من جعل العقوبات والإجراءات التأديبية الوسيلة الأساسية للتعامل مع الفريق.
إعداد قادة جدد
وشددت زواهرة على أن التركيز على القيادة لا يعني الاستغناء عن الإدارة الفعالة أو التقليل من أهمية المدراء، موضحة أن المؤسسات تحتاج إلى مدراء يؤدون مهامهم بكفاءة ويستخدمون صلاحياتهم بطريقة مناسبة، بالتوازي مع وجود قيادات قادرة على إلهام الآخرين وتطويرهم.
واعتبرت أن من أهم أدوار القائد الناجح إعداد قيادات جديدة، بحيث لا تقتصر مهمته على إدارة الفريق الحالي، وإنما يسهم في بناء قدرات أفراده وتأهيلهم لتحمل المسؤولية مستقبلًا.
وأوضحت أن القائد الذي يعمل على تطوير فريقه يساعد في إعداد مستويات متعددة من القيادات القادرة على إدارة المؤسسات ومواصلة العمل وتحقيق الاستدامة.
القيادة تبدأ بالتأثير والقدوة
واختتمت زواهرة حديثها بالتأكيد على أهمية تعزيز الوعي بعلوم الإدارة والقيادة والاستثمار في تطوير المهارات الإدارية والإنسانية، لما لذلك من أثر في الإنتاجية والعلاقات المهنية والصحة النفسية للعاملين.
وشددت على أن القيادة الحقيقية لا تقوم على إصدار الأوامر، وإنما على التأثير الإيجابي والقدوة وبناء الثقة وصناعة قادة آخرين قادرين على إحداث التغيير والتطوير داخل مؤسساتهم ومجتمعاتهم.