لماذا يتم الدفع بالنساء إلى سوق العمل؟
رام الله-نساء FM- هل تمثل زيادة مشاركة النساء في سوق العمل شكلًا من أشكال التمكين الاقتصادي بالضرورة؟ أم أن دفع النساء نحو العمل المأجور، من دون توفير بيئة تراعي مسؤولياتهن الأسرية والاجتماعية، قد يضيف أعباء جديدة إلى حياتهن؟
هذا السؤال شكّل محور لقاء "نساء إف إم" مع الكاتبة أمل ضراغمة مصري، رئيسة تحرير مجلة الشرق الأوسط للأعمال، للحديث حول مقالها "لماذا يتم الدفع بالنساء إلى سوق العمل؟"، الذي تطرح فيه قراءة نقدية للخطاب السائد حول التمكين الاقتصادي للنساء، وتناقش التحديات التي تواجههن في سوق العمل، مقابل ما قد توفره ريادة الأعمال من مرونة واستقلالية اقتصادية.
وناقش اللقاء واقع مشاركة النساء اقتصاديًا، والعوائق التي تحد من وصولهن إلى سوق العمل واستمرارهن فيه، بما في ذلك مسؤوليات الرعاية، ورعاية الأطفال، والنقل، وظروف العمل، إلى جانب الحاجة إلى سياسات وبيئة اقتصادية وقانونية تتيح للنساء خيارات حقيقية تتناسب مع ظروفهن واحتياجاتهن.
نص المقال :
لماذا يتم الدفع بالنساء إلى سوق العمل؟
أمل ضراغمة مصري – رئيسة تحرير مجلة الشرق الأوسط للأعمال
في الشرق الأوسط، تتعرض النساء لضغوط متزايدة للانضمام إلى سوق العمل الرسمي. وغالبًا ما يُقدَّم هذا التوجه باعتباره شكلًا من أشكال التمكين، لكنه، بحسب المقال، يتجاهل بعض الحقائق الأسرية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية.
وتسلّط تقارير صادرة عن مؤسسات مثل البنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة الضوء على انخفاض معدلات مشاركة النساء في سوق العمل، وتدعو إلى اتخاذ خطوات سريعة لرفع هذه النسب، وهو ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء هذا التوجه، وما إذا كانت ريادة الأعمال قد تكون خيارًا أكثر ملاءمة للنساء في المنطقة.
الضغط للانضمام إلى سوق العمل
تشدد العديد من التقارير الدولية على زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة في المنطقة، باعتبارها عاملًا أساسيًا في تحقيق النمو الاقتصادي. ويحذّر البنك الدولي مرارًا من أن نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) سيبقى محدودًا من دون زيادة مشاركة النساء، مشيرًا في عام 2022 إلى أن النساء شكّلن نحو 19% فقط من القوى العاملة، وهي من أدنى النسب عالميًا.
وفي السعودية، أفادت الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT) بأن معدل مشاركة النساء بلغ 36.2% في الربع الثالث من عام 2024، بزيادة 0.8 نقطة مئوية عن الفترات السابقة، لكنه ظل أقل من معدل مشاركة الرجال.
أما في فلسطين، فلا تتجاوز مشاركة النساء في القوى العاملة 19%، وتقل النسبة قليلًا في الأردن. كما أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة العمل الدولية (ILO) مبادرات في عدد من الدول لتقليص الفجوة بين النساء والرجال في سوق العمل، مع الإشارة إلى العوائق البنيوية التي تحد من مشاركة النساء.
وتشير هذه الرواية إلى أن زيادة مشاركة النساء في سوق العمل أصبحت جزءًا أساسيًا من الخطاب الاقتصادي العالمي. كما صنّف مؤشر الفجوة الجندرية العالمي لعام 2023، بحسب ما يورده المقال، ست دول عربية بين المرتبتين 69 و137 من أصل 146 دولة، رغم ارتفاع معدلات تعليم النساء.
وتشير بيانات الباروميتر العربي لعام 2025، وفق المقال، إلى أن النساء المتعلمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواجهن معدلات بطالة مرتفعة، تصل إلى 42.5%، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 14.9%، وبطالة الرجال العرب التي تبلغ 25%.
ويرى المقال أن هذه التقارير، رغم اعتمادها على البيانات، تخلق شعورًا متزايدًا بضرورة رفع مشاركة النساء في سوق العمل، وتدفع الحكومات والأسر إلى تفضيل العمل المأجور على الأدوار الأسرية.
الأسباب الخفية وراء هذا التوجه
يرتبط هذا التوجه نحو إدماج النساء في سوق العمل، بحسب المقال، بالاعتبارات الاقتصادية الكلية أكثر من ارتباطه بمفهوم التمكين نفسه.
وتواجه دول المنطقة ضغوطًا ديموغرافية، من بينها ارتفاع نسبة الشباب، وتباطؤ النمو السكاني في بعض المناطق، والحاجة إلى عمالة ماهرة في ظل التحول الاقتصادي بعيدًا عن النفط.
ويرى البنك الدولي أن انخفاض مشاركة النساء يحد من النمو الاقتصادي، خصوصًا في ظل ارتفاع معدلات تخرج النساء من الجامعات.
كما تربط بعض الجهات المانحة الدولية المساعدات بمؤشرات تتعلق بالمساواة بين الجنسين، وهو ما يزيد الضغط باتجاه رفع مشاركة النساء في سوق العمل.
لكن المقال يرى أن هذا التوجه قد يتجاهل السياقات الثقافية والاجتماعية في المنطقة، إضافة إلى مسؤوليات النساء الأسرية، وما يترتب عليها من تحديات في الجمع بين العمل والأسرة.
ومن هنا، يطرح المقال تساؤلًا حول ما إذا كان الهدف الأساسي هو رفع الناتج المحلي وتحسين مؤشرات الدول الاقتصادية وجذب الاستثمار، أم تلبية احتياجات النساء وتحسين نوعية حياتهن.
وفي فلسطين، يشير تقرير «النساء والأعمال والقانون» (WBL)، بحسب المقال، إلى انخفاض مؤشر الإطار القانوني لمشاركة النساء اقتصاديًا، إذ بلغ 26.25 من 100 عام 2023.
ويرى المقال أن ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل لا يعني بالضرورة تمكينهن، إذا لم ترافقه أنظمة دعم وبيئة عمل تراعي احتياجات المرأة، ولا سيما الأمهات.
ومن هنا، تبدو ريادة الأعمال، وفق المقال، خيارًا قد يكون أكثر توافقًا مع بعض الظروف الاجتماعية والثقافية في المنطقة.
مزايا ريادة الأعمال للنساء
تتيح ريادة الأعمال، بحسب المقال، عددًا من المزايا للنساء، من بينها مرونة ساعات العمل، وإمكانية العمل من المنزل، والقدرة على التوفيق بصورة أكبر بين الأسرة والعمل، وتقليل الاعتماد على الآخرين في رعاية الأطفال.
كما تمنح ريادة الأعمال المرأة مساحة أكبر في الإدارة والتحكم بالأرباح وإمكانية توسيع المشروع، بما يعزز استقلاليتها الاقتصادية وينعكس على حياتها وحياة أسرتها.
وتزداد هذه الإمكانات مع توسع الأدوات الرقمية التي تتيح إدارة بعض المشاريع والعمل من المنزل أو عن بُعد.
سلبيات العمل الوظيفي في المنطقة
يعاني العمل الرسمي، وفق المقال، من قيود لا تتناسب دائمًا مع واقع النساء في المنطقة. ولا تزال الهيمنة الذكورية والعادات الاجتماعية من بين العوامل التي تحد من مشاركتهن، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة بين النساء.
كما تمثل مشكلات النقل والسلامة عائقًا أمام بعض النساء، خصوصًا اللواتي يحتجن إلى التنقل خارج قراهن أو مخيماتهن أو مدنهن للوصول إلى أماكن العمل.
رعاية الأطفال
تُعد رعاية الأطفال من أبرز التحديات أمام النساء العاملات، في ظل ضعف أنظمة الرعاية وارتفاع المسؤوليات الأسرية.
ويشير المقال إلى أن معدلات تغطية الحضانات لا تزال منخفضة في بعض الدول، فيما تتحمل الأمهات، مع تراجع دور الأسرة الممتدة، جانبًا كبيرًا من مسؤوليات رعاية الأطفال إلى جانب العمل.
كما يشير إلى أن ارتفاع معدلات الخصوبة في بعض دول المنطقة يزيد الضغوط الواقعة على النساء، في حين لا توفر بعض الشركات إجازات مدفوعة أو سياسات كافية لدعم النساء خلال الحمل وبعد الولادة، ما قد يدفع بعضهن إلى ترك العمل.
العنف الاقتصادي في العمل
يتخذ العنف الاقتصادي أشكالًا متعددة، من بينها حرمان النساء من الاستقلال المالي أو استغلالهن اقتصاديًا، إضافة إلى فجوات الأجور والعمل غير المدفوع والحرمان من بعض المزايا الوظيفية.
ويشير المقال إلى فجوات في الأجور بين النساء والرجال، وإلى حالات تتحكم فيها الأسرة بدخل المرأة، إضافة إلى اقتطاعات من أجور بعض النساء بسبب إجازات الأمومة.
كما يتناول ما يُعرف بـ«عقوبة الأمومة»، حيث قد تواجه النساء خسائر مهنية أو مالية بعد الإنجاب، الأمر الذي ينعكس على استمرارهن في سوق العمل.
ويمتد العنف الاقتصادي، وفق المقال، إلى بعض أشكال العمل الرقمي، مع انخفاض الأجور وغياب بعض الحماية والمزايا، ما يزيد من التحديات التي تواجه النساء.
التقارير التي تزيد الضغط
تشير تقارير اقتصادية، بحسب المقال، إلى أن زيادة مشاركة النساء في سوق العمل يمكن أن تنعكس على الناتج المحلي، فيما تدفع برامج دولية وتدريبية باتجاه زيادة حضور النساء في العمل المأجور.
لكن بيانات الباروميتر العربي لعام 2025 تشير، وفق المقال، إلى أن النساء المتعلمات في المنطقة يولين أهمية أكبر للمرونة في العمل، مقارنة بالعمل التقليدي.
الطريق إلى الأمام: ريادة الأعمال
يدعو المقال إلى توجيه السياسات نحو دعم المشاريع النسائية بدل التركيز فقط على رفع معدلات مشاركة النساء في سوق العمل، من خلال توفير التمويل والتدريب والبيئة القانونية والاقتصادية المناسبة.
وفي المحصلة، يرى المقال أن مشاركة النساء في سوق العمل لا ينبغي أن تكون هدفًا بحد ذاته، بل يجب أن تكون جزءًا من خيارات أوسع تراعي احتياجات النساء وظروفهن الأسرية والاجتماعية والاقتصادية.
كما يرى أن ريادة الأعمال قد توفر للنساء مساحة أكبر من المرونة والاستقلالية، خصوصًا إذا توافرت البيئة الداعمة والبنية التحتية اللازمة.
وبالتالي، لا ينبغي دفع النساء اللواتي لا يرغبن في دخول سوق العمل إلى ذلك، ما لم تكن البيئة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، إلى جانب البنية التحتية وأنظمة الدعم، مهيأة بما يخدم النساء وأسرهن وأطفالهن، وبالتالي المجتمع ككل.
لقراءة المقال كاملًا على مجلة الشرق الأوسط للأعمال الإلكترونية: