د. فائق عويس.. اللغة العربية في عصر الآلة
رام الله-نساء FM- كتب عبد الرحمن الخطيب- يقضي الإنسان اليوم وقتاً طويلاً في الحديث مع الآلات، يسألها فتجيب، ويطلب منها فتكتب، ويستعين بها في البحث والترجمة والتحليل وصناعة المحتوى، حتى بات من الصعب أن نتخيل مستقبلاً لا يكون فيه الذكاء الاصطناعي جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية، غير أن السؤال الذي يزداد إلحاحاً لا يتعلق فقط بما تستطيع هذه الآلات أن تفعله، وإنما بما ستفعله بلغتنا، وذاكرتنا، وهويتنا، وبالصورة التي ستنقلها عنا إلى العالم.
أمس استمعت إلى مقابلة أجرتها إذاعة «نساء إف إم» مع الإعلامية المميزة آية عبد الرحمن، استضافت خلالها د. فائق عويس، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «أقلمة»، تحت عنوان: «هل الذكاء الاصطناعي يعزز حضور اللغة العربية أم يهدد خصوصيتها وهويتها؟»، وهو عنوان بدا لي منذ اللحظة الأولى أكبر من أن يكون سؤالاً في مقابلة إذاعية، لأنه يضعنا أمام واحدة من القضايا التي ستحدد، إلى حد بعيد، شكل حضورنا الثقافي في العصر الرقمي.
ولأن اللغة العربية واحدة من شغفي، ولأن الذكاء الاصطناعي هو الشغف الآخر الذي أخذ مساحة واسعة من عملي واهتمامي، وجدت نفسي أستمع إلى الحوار من زاويتين في آن واحد، زاوية اللغة التي نحاول الحفاظ عليها، وزاوية التكنولوجيا التي نحاول فهمها وتوظيفها، وكان لافتاً أن آية عبد الرحمن لم تكتفِ بطرح السؤال الأول، وإنما أخذت الحوار خطوة بعد أخرى، من اللغة إلى الخوارزميات، ومن الخوارزميات إلى البيانات، ومن البيانات إلى الهوية، ثم إلى السؤال الفلسطيني الذي يبدو حاضراً في كل نقاش جاد حول المعرفة والذاكرة.
سألت آية: إلى أي مدى تستطيع الخوارزميات فهم العربية بثرائها، بما في ذلك لهجاتها وسياقاتها الثقافية؟ وهو سؤال مهم، لأن العربية ليست مجموعة من الكلمات التي يمكن نقلها آلياً من لغة إلى أخرى، وإنما منظومة تاريخية وثقافية واسعة، فيها الفصحى واللهجات، وفيها الشعر والأدب والتراث، وفيها أيضاً تفاصيل الحياة اليومية التي تختلف من مجتمع عربي إلى آخر.
وجاءت إجابة د. فائق عويس لتضع يدها على جانب أساسي من المشكلة، فالذكاء الاصطناعي يتعلم مما هو متاح، والمحتوى العربي على الإنترنت ما زال محدوداً مقارنة بحجم المحتوى العالمي، كما أن جزءا كبيراً منه يتركز في مجالات الترفيه، مع تكرار وأخطاء لغوية ونقص في التنوع العلمي والمعرفي، وهو ما يعني أن الآلة قد تتعلم أحياناً من لغة غير مكتملة، ثم تعيد إنتاجها لملايين المستخدمين.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر خطورة: إذا كانت الآلة تتعلم من المحتوى الذي نصنعه، فمن المسؤول عن اللغة التي ستتعلمها؟
ولعل هذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين بالنسبة إلى العربية، فهو من جهة يمنحها فرصاً غير مسبوقة، من خلال التعرف على الكلام، والترجمة، والتعرف الضوئي على الحروف، ورقمنة الوثائق والمخطوطات، وإنتاج المحتوى، لكنه من جهة أخرى قد يسهم في تكريس الأخطاء والضعف والتشوهات الموجودة أصلاً في المحتوى الرقمي العربي.
ثم دفعت آية الحوار إلى السؤال الأهم: ماذا تحتاج العربية حتى تصبح لغة منتجة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا مجرد لغة تستخدم للترجمة واستهلاك التكنولوجيا؟
وهنا انتقل النقاش من اللغة إلى السيادة الرقمية، إذ لا يمكن أن تصبح العربية لغة منتجة من دون الاستثمار في قواعد بيانات عربية ضخمة وعالية الجودة، وتطوير نماذج لغوية قادرة على فهم بنيتها وثرائها، ودعم أبحاث معالجة اللغة الطبيعية، وربط الجامعات والشركات ومراكز الأبحاث والمكتبات في مشروع معرفي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، كان من اللافت أن تنتقل آية من السؤال العام إلى التجربة العملية، حين سألت عويس عن الدور الذي تقوم به «أقلمة» في هذا المجال. فجاء الحديث عن تطوير تقنيات التعرف على الكلام من الفصحى إلى اللهجات العربية، والتعرف على الحرف العربي في الوثائق القديمة والمكتوبة بخط اليد، والعمل على حلول مرتبطة بالخط العربي، إضافة إلى تطوير المحتوى وتوسيمه لبناء نماذج لغوية أكثر قدرة على فهم العربية.
لكن أكثر ما استوقفني في نهاية الحوار كان الحديث عن السردية الفلسطينية.
ففي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تلخيص الكتب، وتصنيف الوثائق، والبحث في ملايين الصفحات، وتوليد النصوص والصور، فإن السؤال لم يعد فقط كيف نحافظ على لغتنا، بل كيف نحافظ على ذاكرتنا أيضاً. وما لم نوثق محتوىنا الفلسطيني، ونرقمن وثائقنا، ونحفظ روايتنا ومفرداتنا وتاريخنا، فإننا نترك جزءاً من ذاكرتنا الرقمية ليُعاد تشكيله من مصادر قد لا تعرفنا كما نعرف أنفسنا.
وهنا أظن أن قيمة حوار آية عبد الرحمن مع د. فائق عويس لم تكن في الإجابات وحدها، وإنما في الأسئلة التي قادت إليها فالمحاور الجيد لا يكتفي بأن يسأل ضيفه ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي، بل يسأل أيضاً ماذا يفعل بنا، وماذا يمكن أن يفعل بلغتنا، وبثقافتنا، وبذاكرتنا.
وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيهدد العربية أو ينقذها، فالخوارزميات لا تمتلك مشروعاً ثقافياً خاصاً بها، وإنما تتشكل إلى حد كبير بما نضعه فيها من بيانات ومعرفة ومحتوى.
ولذلك فإن مستقبل العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تحدده الآلة وحدها، بل سيحدده حضورنا نحن في صناعة هذه الآلة، فإما أن نبقى مجرد مستخدمين لتكنولوجيا تتحدث لغتنا، أو نشارك في بناء تكنولوجيا تفهم لغتنا، وتعرف ثقافتنا، وتحفظ ذاكرتنا، وتدرك أن خلف كل كلمة عربية تاريخاً وهوية وقصة إنسان.