الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة يحذّر عبر نساء إف إم: تراجع المساعدات واعتداءات المستعمرين يفاقمان الفقر والجوع في الضفة الغربية
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن-من حقول الزيتون المحترقة، إلى الأراضي التي يُمنع أصحابها من الوصول إليها، تتصاعد التحذيرات من تحول الأزمة الاقتصادية والمعيشية في الضفة الغربية إلى أزمة جوع وفقر تهدد قدرة الأسر الفلسطينية على تأمين احتياجاتها الأساسية. فمع استمرار اعتداءات المستعمرين، وتراجع فرص العمل والدخل، وتقلّص المساعدات الدولية، تتزايد الضغوط على المواطنين والمزارعين، في وقت حذّر فيه نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن انعدام الأمن الغذائي تضاعف أكثر من مرتين خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما يحتاج نحو مليون فلسطيني إلى مساعدات غذائية، بالتزامن مع تراجع عدد المستفيدين من الدعم في الضفة الغربية من 400 ألف إلى 200 ألف شخص بسبب نقص التمويل.
هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات حول انعكاس تراجع المساعدات والاعتداءات على الأراضي الزراعية على الاقتصاد الفلسطيني، ومصادر دخل الأسر، وقدرتها على توفير الغذاء، وما المطلوب لمنع اتساع دائرة الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة، في حديثه لنساء إف إم، إن الخطر في موضوع الفقر والجوع يتزايد بصورة واضحة في الضفة الغربية، مع ارتفاع معدلات الفقر، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق فقط بتوفير وجبة غذائية أو طلب غذائي للأسرة الفلسطينية، وإنما بتوفير الوسائل التي تمكّنها من الصمود والاستمرار في ظل الظروف الراهنة.
وأوضح دراغمة أن الحديث عن تمكين المواطن الفلسطيني من الصمود يتطلب النظر إلى الأدوات التي تساعده على الاستمرار في حياته، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات استُنزفت في ظل الأحداث والظروف التي تمر بها الأراضي الفلسطينية. وأضاف أن المواطن في الضفة الغربية يواجه معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة، وأن كثيرين فقدوا أعمالهم ومصادر إنتاجهم، بينما يعاني آخرون ممن لا يزالون على رأس عملهم من تراجع الرواتب والدخل، الأمر الذي ينعكس على قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وأشار إلى أن الأزمة تطال المزارعين أيضًا، إذ بات بعضهم غير قادر على الوصول إلى أراضيه واستغلالها والإنتاج منها، ما يهدد مصدر رزقه وقدرته على تأمين احتياجات أسرته. وفي الوقت ذاته، تراجعت المساعدات الغذائية التي تقدمها المؤسسات الدولية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي، ويجعل الأزمة مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي على مختلف المستويات.
وشدد دراغمة على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على توفير وجبة غذائية لمواطن جائع، بل يتطلب البحث عن آليات أخرى تضمن تمكين المواطنين وحماية مصادر رزقهم، حتى لا يصلوا إلى مرحلة العجز عن توفير الغذاء. وأكد أن ذلك يحتاج إلى تحرك حكومي جاد، وتمويل دولي، وحماية للمواطن الفلسطيني تضمن وصوله إلى أرضه وممارسة عمله، إلى جانب توفير وسائل الإنتاج التي تساعده على الاستمرار.
وأضاف أن توفير فرص العمل وتمكين المواطن من الوصول إلى أرضه وإنتاجه يشكلان من أهم الوسائل التي يمكن أن تساعد الفلسطينيين على مواجهة الفقر والبطالة والجوع، اللذين يعانون منهما منذ فترة طويلة، لافتًا إلى أن هذه القضية ترتبط كذلك بكرامة الإنسان وحقه في الاعتماد على نفسه وتأمين احتياجات أسرته.
وفيما يتعلق بتأثير اعتداءات المستعمرين على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، ولا سيما خلال موسم قطف الزيتون، أوضح دراغمة أن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية ترتبط بصورة مباشرة بالإنتاج والقدرة على الصمود، في ظل التهديدات التي تتعرض لها الأراضي الزراعية بفعل الاستيطان والاحتلال.
وأشار إلى أن منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم ومحاصيلهم، وتخريب الأراضي الزراعية، وقطع أشجار الزيتون والأشجار المثمرة، يؤدي إلى خسائر تتجاوز قيمة المحصول نفسه، لتطال قدرة المزارع على الإنتاج، وتكاليف العمل، وفرص تشغيل العمال، واستمرار النشاط الاقتصادي في المناطق الريفية.
ولفت دراغمة إلى أن تقارير المؤسسات الدولية تتحدث عن تسجيل ما يقارب سبعة اعتداءات يوميًا على المواطنين الفلسطينيين، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم التحديات التي تواجه المزارعين وأصحاب الأراضي، في ظل استمرار الاعتداءات التي تحرمهم من الوصول إلى أراضيهم أو الاستفادة من محاصيلهم.
وأضاف أن موسم الزيتون الحالي يواجه تراجعًا في الإنتاج، إذ تدور التقديرات التي أشار إليها خلال اللقاء حول انخفاض المحصول بنسبة تصل إلى 50%، بما يعادل خسارة نحو عشرة آلاف طن من الزيتون. وأوضح أن خسارة هذا الحجم من الإنتاج تشكل ضربة للقدرة الإنتاجية الفلسطينية، ولا تقتصر آثارها على المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني والقدرة الشرائية للمواطنين، فضلًا عن تأثيرها في توفر المنتجات الزراعية في الأسواق.
وأكد أن منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المحاصيل أو تخريبها، وقطع الأشجار المثمرة، كلها عوامل تؤثر في قدرة المزارع على الاستمرار في عمله، وترفع تكلفة الإنتاج، وتنعكس على العمالة الزراعية والمنتج الفلسطيني عمومًا. وبذلك، لا تعود الخسارة مقتصرة على موسم زراعي واحد، وإنما تصبح تهديدًا لاستمرارية الإنتاج ومصدر دخل الأسر التي تعتمد على الزراعة.
وربط دراغمة هذه التطورات بتراجع المساعدات الدولية، موضحًا أن التمويل المخصص للمساعدات الغذائية للأراضي الفلسطينية، وفق الأرقام التي تناولها خلال اللقاء، كان في حدود 450 مليون دولار، ثم بدأ بالتراجع ليصل إلى نحو 200 مليون دولار. وأشار إلى أن هذا الانخفاض يحد من قدرة المؤسسات الدولية على تلبية الاحتياجات المتزايدة، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي.
وأضاف أن تراجع المساعدات لا يأتي بمعزل عن بقية الأزمات، بل يتزامن مع تراجع فرص العمل، وتفاقم الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، وتشديد القيود على الحركة التجارية في الأراضي الفلسطينية، من خلال الحواجز والإغلاقات التي تعيق تنقل المواطنين والبضائع.
وأوضح أن هذه القيود ترفع تكاليف النشاط الاقتصادي، وتزيد صعوبة وصول المنتجات إلى الأسواق، وتؤثر في النشاط الزراعي بالمناطق الريفية، ما يفاقم الأعباء التي يتحملها المواطن الفلسطيني. وحذّر من أن اجتماع هذه العوامل، إلى جانب ضعف الحماية الرسمية والدولية ونقص التمويل، قد يؤدي إلى تداعيات أوسع مما هو متوقع، بما في ذلك تهديد استقرار الأسر في المناطق الريفية ودفعها إلى مغادرة أراضيها نتيجة فقدان مصادر رزقها.
وفي ما يتعلق بمؤشرات الفقر والبطالة، أشار دراغمة إلى أن الأرقام التي تناولها خلال اللقاء تفيد بأن نحو 34% من الأسر في الضفة الغربية أصبحت غير قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية، بما يشمل الغذاء والعلاج ومقومات الحياة الضرورية. واعتبر أن هذه المعطيات تعكس حجم التدهور في الأوضاع المعيشية، وصعوبة توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لدى شريحة واسعة من الأسر الفلسطينية.
وشدد على أن نقص التمويل وعدم استدامة المساعدات الغذائية يمثلان عاملًا مهمًا في تفاقم الأزمة، داعيًا الحكومة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات عملية، تبدأ بتحديث البيانات المتعلقة بالأسر التي تعاني من الفقر المدقع والبطالة، بما يضمن تحديد الفئات الأكثر احتياجًا وتوجيه الدعم إليها بصورة أكثر فاعلية.
كما دعا إلى العمل مع المؤسسات الدولية لإطلاق برامج تستوعب العاطلين عن العمل في مختلف القطاعات، وتساعد على توفير فرص عمل ومصادر دخل مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بالاستجابة للاحتياجات الآنية. وأكد أن هناك مشكلة حقيقية تتعلق بحماية المنتج الفلسطيني، إذ يعاني المزارعون والمنتجون في كثير من الأحيان من صعوبة تسويق منتجاتهم والوصول بها إلى الأسواق، الأمر الذي يستدعي تدخلًا حكوميًا لدعمهم وتعزيز قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج.
وأضاف أن حماية المزارع الفلسطيني لا تتوقف عند تمكينه من الوصول إلى أرضه، بل تشمل أيضًا توفير الظروف التي تسمح له بزراعتها واستثمارها، وتسويق محاصيله، والحصول على عائد اقتصادي يمكّنه من إعالة أسرته. فخسارة الأرض أو المحصول، إلى جانب غياب فرص العمل وتراجع المساعدات، تعني أن الأسرة قد تفقد أكثر من مصدر للدخل في الوقت نفسه، وهو ما يضاعف مخاطر الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وفي ختام حديثه لنساء إف إم، أكد دراغمة أن المجتمع الدولي ليس بمنأى عما يجري في الأراضي الفلسطينية، وأن عليه اتخاذ إجراءات عاجلة تتعلق ببرامج الغذاء والتغذية، وعدم ترك الأسر الفلسطينية التي تعيش أوضاعًا هشة من دون القدرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وشدد على أن مواجهة الأزمة تتطلب تحركًا متكاملًا يجمع بين استمرار المساعدات الغذائية، وتوفير التمويل الدولي، وحماية المواطنين والمزارعين، وضمان وصولهم إلى أراضيهم، ودعم فرص العمل والإنتاج المحلي، إلى جانب مساعدة المنتج الفلسطيني على الوصول إلى الأسواق.