نساء مخيم جنين: من ذاكرة النكبة إلى النزوح القسري.. ثمانية عقود من النضال والصمود
جنين-نساء FM- نقترب من العام الثاني منذ النزوح القسري لسكان مخيم جنين في كانون الثاني 2025. تشتّت أكثر من عشرين ألف لاجئ ولاجئة، يحملون صفة إضافية فوق كاهلهم المتعب: نازحون ونازحات. أعاد سكان مخيم جنين ترتيب أنفسهم، وكذلك المؤسسات والمدارس واللجان والمراكز. ونشط المركز النسوي في مخيم جنين، كعادته، في التدخلات السريعة لصالح النساء النازحات، وتجلّت خبرته الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، حين أُنشئ المركز النسوي في المخيم وافتتح مشغلًا للخياطة ورياضًا للأطفال.
تطوّر دور النساء والمركز، عابرًا أكثر من ستة عقود، مرّ خلالها مخيم جنين بعشرات الأوضاع الصعبة، وكان في كل مرة يخوض نضاله بوصفه الرقم الأصعب؛ من الانتفاضة الأولى إلى الثانية، وبدء الاقتحامات عام 2022، وصولًا إلى النزوح القسري عام 2025، وما بينهما من اقتحامات واجتياحات وحصار.
كانت نساء مخيم جنين، رغم ضيق المكان، يحلّقن باتساع، وهنّ يقفزن في تاريخ فلسطين وتاريخ مخيمهن. روايتهن حاضرة، وتكاد تحمل لونًا ورائحة. كانت تجربتهن الطويلة في كل شيء، من الفقد والأسر إلى النزوح والاقتحام والتأقلم وتجاوز الصعاب، عالية الصوت. أما الشابات، فقد اكتسبن خبرة خاصة بدت جليّة في مداخلاتهن ومبادراتهن وأصواتهن العالية.
لقاء الأجيال.. حين تكتب النساء تاريخ المخيم
في لقاء الأجيال، جمع المركز النسوي نساءً من أجيال مختلفة، يحملن خبرات متنوعة. كان تاريخ جنين حاضرًا بوضوح في مسيرة فلسطين النضالية؛ فجنين، في مختلف مراحلها، تقدّمت صفوف النضال، وظلت شهادات المكان والزمان والنساء تعبر السنوات، منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم.
شاهدات على التاريخ، صانعات للمستقبل. تستذكر النساء الأكبر سنًا حرب عام 1967، ويتذكرن مرارة عام 1982 في لبنان، ويسترجعن حراكهن في انتفاضة عام 1987، ويمجّدن أبناءهن الشهداء في انتفاضة عام 2002.
ولسبب يتعلق بعمق المشهد هناك، لم أطلب من النساء كتابة ذكرياتهن الشخصية؛ فقد خشيت أن يمتلئ المسار الزمني بأسماء الشهداء والشهيدات، وأن تُفتح جراح لا تندمل أصلًا، وأن تستيقظ ذاكرة لا تغيب. لكن النساء أنفسهن بدأن بالكتابة، محوّلات ذكرياتهن إلى شهادات على البطولة، وإلى صفحات من تاريخهن الخاص في ذاكرة الوطن.
حمل لقاء الأجيال الخامس في المخيمات، ضمن مشروع «صوت المرأة والقيادة»، تأكيدًا جديدًا على ضرورة كتابة التاريخ بطبقاته المتعددة؛ فأدوار النساء، بوصفهن شاهدات على الأحداث وصانعات لها، مليئة بالتفاصيل.
هنا امرأة تتذكر برتقال يافا، حين عاد الثوار الأوائل إلى بياراتها في مواسمها الوافرة وحملوا منها ما استطاعوا حمله. وهناك نساء وُلدن خارج الوطن، لكن فلسطين ظلت حاضرة في وجدانهن، أغنيةً ثائرةً وذاكرةً لا تغيب. وبين هذه الحكايات، خبرٌ على شاشة التلفاز قد يحمل نبأ استشهاد شقيق إحداهن، وذكريات نساء تنقّلن في الشتات بين أكثر من دولة، ووقفَت الحدود في طريق عودتهن.
فمخيم جنين، الذي تأسس عام 1952 إثر نكبة عام 1948، لم يُعترف به مكانًا مؤقتًا على أرض مستأجرة، ولم يدخل رسميًا سجلات وكالة الغوث بوصفه تجمعًا للاجئين إلا بعد أربع سنوات، رغم أن الخدمات الإغاثية كانت تُقدَّم للاجئين. لكن في حكايات النساء تفاصيل أخرى؛ إذ تروي إحداهن كيف عبر والداها نهر الأردن قبل إحصاء المخيمات، وبسبب ذلك وُلدت عائلتها هنا.
وفيما تستعيد الأجيال ذكريات سكة حديد الحجاز، التي كانت تمر بمدينة جنين ومخيمها، تتحدث مديرة مدرسة عن إصرارها على تدوين اسم البلدة الأصلية لكل طالب وطالبة في الملفات المدرسية، لتبقى أسماء القرى والمدن حاضرة في ذاكرة الأجيال. وحتى داخل أسوار المدرسة، تجد الأحداث الوطنية مساحتها في الحكايات والممارسات اليومية.
وتروي النساء مبادراتهن في مواجهة النزوح وصون الكرامة، ومنها مبادرة «أنا مش كرتونة»، التي عبّرت عن رفض الطريقة المسيئة في تقديم المساعدات، وعن إصرار النازحات على الحفاظ على كرامتهن وحقوقهن. وتبرز أيضًا مبادرة «قصة خيط وذاكرة»، إلى جانب مقترحات أخرى قدّمتها النساء لتعزيز التواصل مع النازحات، ومتابعة أوضاعهن، والحفاظ على الذاكرة الوطنية.
من التعليم والعمل النسوي إلى النضال الجماهيري
شهد مخيم جنين في ستينيات القرن الماضي نشاطًا متناميًا في مجالات التعليم والصحة والعمل المجتمعي، وتدفّق اللاجئون واللاجئات إلى المدارس، ليشهد المخيم ثورة تعليمية خرّجت خبراء ومعلمين ومعلمات عملوا في فلسطين والعالم العربي.
ومع إتاحة فرص التعليم العالي للنساء من خلال وكالة الغوث في معهد الطيرة، تخرّج جيل من المعلمات اللواتي أسهمن، من خلال عملهن، في بناء الاستقلال الاقتصادي لأسرهن خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وانطلق النشاط النسوي من العمل المهني ورياض الأطفال، ثم امتد إلى العمل السياسي والنضالي. ومع الانتفاضة الأولى، تحولت خبرات النساء إلى ركيزة للدفاع الاقتصادي والاجتماعي، وبرز حضورهن في الشوارع والتظاهرات، مسطّرات مرحلة من أبرز مراحل نضالهن.
وهي تجربة تستدعي التحليل باستمرار؛ فقد قدّمت انتفاضة الحجارة نموذجًا بارزًا للعمل الجماهيري الواسع، الذي انخرطت فيه مختلف طبقات المجتمع.
«متى حدث كل هذا؟ وكيف تهنا إلى هذا الحد؟».. حين تعجز الذاكرة عن استيعاب الحاضر
اكتظّت الذاكرة، ولم يتّسع الوقت للحديث عن الحاضر؛ فالنساء يعشنه كل يوم، كما قلن. خيّم الصمت، وكأننا جميعًا نطرح السؤال نفسه: متى حدث كل هذا؟ وكيف تهنا إلى هذا الحد؟
ربما كانت كثافة الذاكرة أكبر من الوقت المتاح، وربما كانت الحكايات التي استعدناها أبعد من أن تُختصر في لقاء واحد. فكل شهادة فتحت بابًا على تاريخ ممتد من التهجير والفقد والنضال، وكل امرأة حملت معها حكاية تتجاوز تجربتها الشخصية إلى تاريخ عائلة ومخيم ووطن.
صوت المرأة والقيادة.. من الذاكرة إلى حقوق النازحات
كان مشروع «صوت المرأة والقيادة»، المنفّذ في ستة مخيمات فلسطينية بالشراكة مع جمعية «كي لا ننسى» ومركز نسوي مخيم جنين، وبتمويل وشراكة مع مؤسسة كير الدولية في فلسطين، محطتنا الخامسة في لقاءات أجيال النساء.
حضرت اللقاء نسويات وناشطات وكاتبات ومسرحيات، إلى جانب مجلس إدارة المركز وهيئته العامة، في فريق متنوع ولافت الحضور.
ويستعد مركز نسوي مخيم جنين، من خلال المشروع، لإطلاق مبادرته الخاصة بحقوق النساء النازحات قسرًا من المخيم، وفحص احتياجاتهن، والتركيز على أدوارهن المختلفة، ولا سيما في ظل الواقع الصعب الذي يعشنه. فما زالت نساء المخيم ينتظرن العودة إلى بيوتهن، التي لا تزال على مرمى البصر، ويحملن في الوقت نفسه ذاكرة العودة إلى بلداتهن الأصلية: إجزم وزرعين والغيبة والمنسي وعين حوض، وغيرها من القرى والمدن التي هُجّر أهلها قبل نحو ثمانين عامًا.
أن تغنّي النساء: «هدي يا بحر هدي، طولنا في غيبتنا»، ليس أمرًا غريبًا؛ بل هو تكثيف لهول اللحظة، واختصار لوجع الغياب وطول الانتظار، وتعبير عن ذاكرة لا تنقطع عن الوطن مهما امتدّ الشتات.
تختتم كفاح اللقاء، "بينما أتابع هذا المسار الطويل من النضال والقوة والصلابة لشعبنا، فتتسرّب إليّ مواساة صغيرة. بصفتي أمًّا لشهيدين، وجدتُ أن لابنيّ، مثل سائر الشهداء، مكانًا في بحر التضحيات الكبير، ومكانًا في تاريخنا الذي تكتبه النساء بذاكرتهن وشهاداتهن وصمودهن.
وفي خضم كل هذه الحكايات، وبين وجع الفقد وقسوة النزوح وإصرار النساء على البقاء والعودة، وجدتُ بعض الأمل".