خبير الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب لـ"نساء إف إم": السيادة الرقمية تبدأ بحماية البيانات الفلسطينية وتطويرها
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-قال خبير الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب إن بناء السيادة الرقمية الفلسطينية يبدأ من حماية البيانات المحلية وتنظيمها وتطويرها، ووضع أطر قانونية واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز استقلالية القرار ويحافظ على الخصوصية والهوية الثقافية، في ظل التحديات المرتبطة بالاحتلال ومحدودية الإمكانات والبنية التحتية.
وأضاف الخطيب، في حديث لبرنامج "المنتصف في نساء"، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد عناصر السيادة الوطنية، إلى جانب الأرض والهواء وخدمات الاتصال، مشيرًا إلى أن التحدي لم يعد مقتصرًا على امتلاك التكنولوجيا واستخدامها، بل يشمل ملكية البيانات، والتحكم في النماذج الذكية، وتحديد قواعد استخدامها والجهات القادرة على الوصول إليها.
وأوضح أن السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي ترتبط بالقدرة على إدارة البيانات وحمايتها وتطوير التطبيقات المبنية عليها، بما يمنح الدول استقلالية أكبر في اتخاذ القرارات، ويحد من اعتمادها الكامل على الأطراف الخارجية.
وأشار إلى أن فلسطين ليست مطالبة بالضرورة بالبدء من تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة من الصفر، بل يمكنها التركيز على حماية بياناتها وتنظيمها وتطويرها لتكون قابلة للاستخدام في تطبيقات تلائم احتياجات المجتمع الفلسطيني، في قطاعات الصحة والتعليم والصناعة والزراعة.
وأكد أن البيانات المحلية تمثل موردًا استراتيجيًا يمكن البناء عليه لتطوير حلول أكثر قدرة على فهم الواقع الفلسطيني والاستجابة لاحتياجاته، مشددًا على أهمية الحفاظ على السياقات الثقافية والاجتماعية الفلسطينية والعربية في البيانات المستخدمة لتدريب النماذج وتطوير التطبيقات.
وأضاف أن ذلك لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى الحفاظ على الثقافة الفلسطينية والرواية الوطنية ونقل التجربة الفلسطينية إلى الأجيال المقبلة، بدلًا من الاعتماد الكامل على نماذج خارجية قد لا تعكس خصوصية المجتمع واحتياجاته.
تحديات السيادة الرقمية في فلسطين
وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق السيادة الرقمية من خلال الشراكات مع الشركات والدول الأخرى، أوضح الخطيب أن الهدف يتمثل في الحفاظ على استقلالية البيانات والتطبيقات قدر الإمكان، مع الاستفادة من الأدوات والتقنيات المتاحة وتكييفها لتناسب الواقع الفلسطيني.
وأشار إلى أن الاحتلال وضعف البنية التحتية ومحدودية الإمكانات اللازمة لتطوير وتشغيل التقنيات المتقدمة تمثل تحديات أمام بناء استقلال تكنولوجي كامل، ما يستدعي تبني نهج تدريجي يركز على حماية البيانات والخصوصية وتعزيز القدرة المحلية على إدارة التكنولوجيا وتوظيفها.
وشدد على أن السيادة الرقمية لا تقتصر على الدول والمؤسسات، بل تشمل الأفراد أيضًا، محذرًا من أن مشاركة البيانات الشخصية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون معرفة كيفية استخدامها والجهات التي يمكنها الوصول إليها قد تعرض الخصوصية للانتهاك أو الاستغلال أو الابتزاز.
وأكد أهمية الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه الأدوات، إلى جانب وضع ضوابط واضحة لحماية البيانات، بما يتيح الاستفادة من التكنولوجيا دون تعريض المعلومات الشخصية والوطنية للمخاطر.
تشريعات وطنية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
وعن الخطوات العملية التي يمكن لفلسطين اتخاذها لتعزيز استقلالها التكنولوجي، أشار الخطيب إلى أهمية الاستراتيجية الوطنية التي تعمل وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي على تطويرها في إطار التحول الرقمي، بما يشمل التعامل مع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جهد وطني منظم، من خلال تشكيل لجنة وطنية تضع الأطر والقوانين والتشريعات الناظمة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الشخصية، بما يضمن حماية الخصوصية وتعزيز الثقة بين المستخدمين ومقدمي الخدمات الرقمية.
وأضاف أن تحديد المسؤوليات القانونية والمؤسسية وتوضيح قواعد استخدام هذه الأدوات من شأنه أن يساعد في تطبيق مبادئ السيادة الرقمية عمليًا، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الرسمية والخبراء والجهات المختصة، ورفع الوعي المجتمعي بمخاطر مشاركة البيانات الشخصية.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل أيام العمل
وفيما يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف، قال الخطيب إن التحولات في أنماط العمل بدأت تظهر في بعض المؤسسات والشركات، من خلال اعتماد أنظمة أكثر مرونة تشمل تقليص أيام الحضور إلى المكاتب أو الجمع بين العمل الحضوري والعمل عن بُعد.
وأوضح أن قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على تسريع إنجاز المهام ورفع الإنتاجية تدفع بعض المؤسسات إلى إعادة النظر في تنظيم ساعات العمل وأيام الدوام، إذ أصبح بالإمكان إنجاز بعض الأعمال التي كانت تستغرق وقتًا طويلًا خلال فترة أقصر، بحسب طبيعة المهمة ومدى ملاءمة التقنية لها.
وأضاف أن هذه التحولات قد تتيح للشركات تحسين كفاءة التشغيل وتقليل الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام، فيما يمكن أن يستفيد الموظفون من وقت إضافي للراحة والحياة الشخصية والعائلية، إذا انعكست زيادة الإنتاجية على تنظيم العمل وظروف الموظفين.
وأشار إلى أن تخفيف الضغوط وتحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية قد ينعكسان إيجابًا على أداء الموظفين وقدرتهم على الإبداع وتقديم حلول جديدة، بما يعود بالنفع على المؤسسات أيضًا.
وأكد أن تقليص أيام العمل لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاجية، إذ يمكن تحقيق النتائج المطلوبة خلال أيام أقل عندما تساعد التكنولوجيا على إنجاز المهام بكفاءة أعلى، وتعيد المؤسسات تنظيم العمل على أساس النتائج بدلًا من الاقتصار على عدد ساعات الحضور.
هل تختفي الوظائف التقليدية؟
وفي المقابل، أوضح الخطيب أن تأثير الذكاء الاصطناعي يختلف من قطاع إلى آخر، وأن فرص تقليص ساعات العمل أو أيامه لن تكون متساوية بين جميع الموظفين، بل ترتبط بطبيعة المهام ومدى قابليتها للأتمتة.
وأشار إلى أن الأعمال الروتينية تعد من أكثر المجالات قابلية للاستفادة من الأتمتة، فيما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا مساعدًا أو جزئيًا في الأعمال التي تتطلب التحليل والتقييم. أما المهن التي تحتاج إلى تدخل بشري مباشر وخبرة مهنية ومسؤولية عالية، فيبقى الإنسان عنصرًا أساسيًا فيها.
وضرب مثالًا بالقطاع الطبي، موضحًا أن بعض المهام المرتبطة بالتشخيص واتخاذ القرارات التي تتطلب تقديرًا مهنيًا ومسؤولية مباشرة تظل بحاجة إلى تدخل بشري، رغم ما توفره تقنيات الذكاء الاصطناعي من أدوات مساعدة.
وشدد على أن تحديد أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف وساعات العمل يرتبط بنوع المهنة وطبيعة المهام التي يمكن للتقنيات تنفيذها، ومدى قدرة المؤسسات على إعادة تنظيم عملياتها والاستفادة من الوقت الذي توفره هذه الأدوات.
وبين بناء السيادة الرقمية وإعادة تشكيل بيئة العمل، أكد الخطيب أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي يتجاوز الجانب التقني، ليشمل حماية البيانات وتطوير التشريعات وتأهيل الكفاءات وإعادة تنظيم المؤسسات، بما يضمن الاستفادة من التكنولوجيا بصورة مسؤولة.
وفي الحالة الفلسطينية، شدد على أهمية البدء بحماية البيانات المحلية وتطويرها، ووضع أطر قانونية واضحة، وتطويع الأدوات المتاحة لخدمة الاحتياجات الوطنية، بالتوازي مع الاستثمار في المعرفة والمهارات اللازمة لمواكبة التحولات التكنولوجية.
أما مستقبل العمل، فيرتبط بمدى قدرة المؤسسات على تحويل الزيادة في الإنتاجية إلى تحسين فعلي في ظروف الموظفين وتنظيم ساعات العمل، مع مراعاة الاختلافات بين القطاعات والوظائف، بما يضمن ألا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تسريع الإنجاز، بل يمتد إلى تطوير بيئة العمل وتحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية.