المؤتمر الدولي الثالث للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يبحث مستقبل التعليم في فلسطين
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن: تستضيف الجامعة العربية الأمريكية اليوم المؤتمر الدولي الثالث للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (14-15 أكتوبر)، تحت عنوان "من الرؤية إلى التنفيذ: تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في التعليم بفلسطين"، لمناقشة مستقبل التعليم في ظل التوسع المتسارع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوظيفها في تطوير أساليب التدريس والتقييم، ورفع جاهزية المعلمين والطلبة، إلى جانب بحث قضايا حوكمة البيانات والأطر الأخلاقية والتنظيمية، وكيفية انتقال فلسطين من وضع الاستراتيجيات إلى تنفيذها فعلياً داخل المدارس والجامعات.
وفي حديثها لإذاعة "نساء إف إم"، قالت معدة استراتيجية الذكاء الاصطناعي في فلسطين، الدكتورة منى ضميدي، إن المؤتمر الدولي الثالث للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتميز هذا العام بكونه مؤتمراً فلسطينياً يجمع خبراء محليين ودوليين، إلى جانب القطاع المانح داخل فلسطين وخارجها، موضحة أن محور المؤتمر يركز بشكل أساسي على التعليم والتعليم العالي.
وأضافت أن فلسطين تمتلك استراتيجية وسياسة للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى سياسة واستراتيجية واضحة على مستوى المدارس والتعليم العام، مشيرة إلى أن المؤتمر يجمع خبرات من مؤسسات ومنظمات دولية، من بينها اليونسكو، إلى جانب مشاركة ممثلين عن الهند وفنلندا وكوريا وبلجيكا وخبراء من مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن حضور قطاع غزة في جلسات المؤتمر التي تمتد على مدار يومين.
تأهيل الكوادر أولوية في تبني الذكاء الاصطناعي
وحول الأولويات التي يجب أن تبدأ بها فلسطين في تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، أوضحت ضميدي أن من أهم الأولويات في المرحلة الحالية تأهيل الكادر الأكاديمي والإداري داخل المؤسسات التعليمية بمختلف أشكالها، وتمكينهم من التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها وتبنيها بطريقة مسؤولة وأخلاقية.
وأكدت أن العمل في هذا المجال لا يزال في بدايته، معربة عن أملها في أن يكون من أبرز مخرجات المؤتمر التركيز على هذا الجانب.
وأشارت إلى أولوية أخرى تتمثل في إعادة النظر في شكل مهارات الطلبة في عصر الذكاء الاصطناعي المتسارع، وفهم كيفية تغير هذه المهارات، وكيفية دمجها داخل المدارس والجامعات، إضافة إلى مدى جاهزية القطاع الخاص لاستقبال الطلبة والخريجين الذين يمتلكون هذه المهارات.
الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في التقييم
وفيما يتعلق بالتقييم والامتحانات، قالت ضميدي إن الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في الطريقة التي يتم من خلالها قياس تعلم الطلبة، وكيف يمكن استخدام هذه التقنيات لتحسين العملية التعليمية، وليس فقط باعتبارها أدوات تساعد الطالب على إنجاز الواجبات والمهام.
وأوضحت أن المؤتمر سيتناول منذ بدايته موضوع الذكاء الإنساني والتفكير النقدي، باعتبارهما من المحاور المهمة في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي في التعليم والتقييم، مشيرة إلى أن المهارات التي يحتاجها الطلبة اليوم تختلف عما كانت عليه قبل خمس أو ست سنوات، وهو ما يستدعي إعادة النظر في طرق التعليم والتقييم ومخرجات العملية التعليمية.
وحذرت ضميدي من أن التطور الحالي للذكاء الاصطناعي جعله قادراً على القيام بالكثير من المهام المرتبطة بالتعليم، بما في ذلك التقييم والتحليل وإعداد الدروس وحتى تقديمها، لكنها أكدت أن هذا ليس هو الاتجاه الصحيح، مشددة على ضرورة وضع حوكمة سليمة تضمن بقاء المعلم والطالب في مركز العملية التعليمية، وأن يكونا الركيزة الأساسية في تطبيق وتبني أدوات الذكاء الاصطناعي في فلسطين.
مخاوف من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي
وحول المخاوف من الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، وكيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على مهارات التفكير النقدي والإبداع لدى الطلبة، قالت ضميدي إن هذه القضية من أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها، مشيرة إلى وجود العديد من الدراسات والمقالات العالمية التي تناولت تأثير الطريقة الحالية لتبني الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية على التفكير النقدي لدى الطلبة.
وأشارت إلى ما يعرف بـ"الحمل المعرفي"، موضحة أن أحد المخاوف الأساسية يتمثل في أن الطالب أصبح ينقل عملية التفكير والإدراك إلى نموذج الذكاء الاصطناعي، فيقدم له جميع المعلومات ثم يعتمد على المخرجات التي يحصل عليها من النموذج، بدلاً من بناء المعرفة وتحليل المعلومات بنفسه.
وأكدت أن هذه المخاوف تجعل وجود حوكمة صحيحة وسياسات واضحة أمراً ضرورياً، موضحة أن أحد المحاور الأساسية التي سيركز عليها المؤتمر هو كيفية وضع حوكمة سليمة وتبني سياسات صحيحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، مشيرة إلى مشاركة خبراء من مصر في هذا المحور للاستفادة من تجربتهم في هذا المجال.
ضمان العدالة في الوصول إلى التكنولوجيا
وفيما يتعلق بإمكانية أن يؤدي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى زيادة الفجوة التعليمية بين الطلبة الذين يمتلكون وصولاً جيداً إلى التكنولوجيا والطلبة الذين لا تتوفر لديهم هذه الإمكانات، أكدت ضميدي أن الاستخدام العادل والمتاح للتكنولوجيا داخل المؤسسات التعليمية يمثل قضية بالغة الأهمية، لأن الفجوة في الحصول على التقنيات واستخدامها يمكن أن تؤثر بشكل كبير على البيئة التعليمية.
وأوضحت أن فلسطين تعمل في هذا الإطار على توفير بنية تحتية تخدم المؤسسات التعليمية، مشيرة إلى تبرع "كويكا" بمركز يحمل اسم "المعهد الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنية الناشئة"، بهدف توفير بنية تحتية لمؤسسات التعليم المختلفة، سواء المدارس أو الجامعات.
وقالت إن فلسطين بحاجة اليوم إلى بنية تحتية تتيح نماذج الذكاء الاصطناعي للمستخدمين، خاصة أن هذه الأدوات قد تكون مكلفة، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق فقط بتوفيرها عبر الإنترنت، بل بضمان وصولها إلى مختلف المناطق والفئات، بما فيها قطاع غزة والمخيمات والمناطق المهمشة داخل فلسطين، وأن تكون هذه المناطق جزءاً من الحوار والجهود المتعلقة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
استراتيجية وطنية وحوكمة للاستخدام
وحول المخرجات التي تتطلع إلى تحقيقها من خلال المؤتمر، قالت ضميدي إن من أهم الأهداف الوصول إلى استراتيجية وطنية شاملة لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعليم العالي، إلى جانب وضع برنامج تدريبي لتأهيل جميع الكوادر الأكاديمية والإدارية على مستوى المدارس والجامعات الفلسطينية.
وأشادت بالدور الذي يؤديه المركز الوطني للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعة العربية الأمريكية، موضحة أنه ساهم في تدريب كوادر حكومية، وأن العمل جارٍ حالياً على تدريب كوادر من وزارة التربية والتعليم العالي، لكنها أكدت الحاجة إلى برنامج تدريبي أكثر شمولاً وأوسع من حيث الوصول إلى المشاركين.
وأضافت أن المخرج الثالث الذي تطمح إلى تحقيقه يتمثل في تطوير نظام حوكمة يراعي الوضع الفلسطيني الراهن، ويساعد المعلمين والطلبة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة صحيحة وعادلة وشاملة وأخلاقية، بما يحافظ على حقوقهم ويضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
ويأتي المؤتمر الدولي الثالث للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعة العربية الأمريكية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم عالمياً، والحاجة إلى الانتقال من مرحلة الحديث عن إمكانات الذكاء الاصطناعي ووضع الاستراتيجيات إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ الفعلي، بما يضمن الاستفادة من التكنولوجيا مع الحفاظ على دور المعلم والطالب، وتعزيز التفكير النقدي والإبداع، وضمان العدالة في الوصول إلى التقنيات، ووضع أطر حوكمة وأخلاقيات تتناسب مع الواقع الفلسطيني واحتياجات مؤسساته التعليمية.