غزة-نساء FM-غسل الملابس عبء يفاقم معاناة نساء غزة، فلا تكاد سهام تنتهي من غسل ثياب أطفالها الأربعة ونشرها، حتى تتجمع كومة أخرى في انتظار دورها، لتتحول هذه المهمة إلى عمل شاق ومرهق يمتد لأكثر من ثلاث ساعات.
تغسل سهام الملابس بيديها، تفرك القطع واحدة تلو الأخرى ثم تعصرها قبل نشرها، وتقول "ما يرهقني ليس طول الوقت الذي أقضيه في الغسيل، وإنما اضطراري إلى تكرار المهمة نفسها كل يوم".
تعاني الأم سهام آلاماً في الظهر والمفاصل من الجلوس طويلاً والمجهود البدني، وفي حياة النزوح، لا تستطيع الأسرة ترك الملابس تتراكم طويلاً. الأطفال الأربعة يحتاجون إلى ملابس نظيفة باستمرار.
لكن فكرة غسل الملابس خارج المنزل ليست خياراً متاحاً دائماً لأسرة فقد فيها الزوج مصدر دخله، إذ تصل كلفة غسل ملابس الأطفال في المصابغ إلى نحو 10 دولارات، وهو مبلغ يصعب توفيره بصورة يومية، بحسب حديث سهام.
تلجأ سهام إلى الغسيل اليدوي، حتى عندما يكون جسدها دفع ثمن الساعات السابقة، ولا تتوقف المهمة عند الفرك والعصر، فبعد الانتهاء من الغسيل تبدأ مرحلة أخرى من العمل، نشر الملابس وانتظار جفافها ثم جمعها قبل أن تتكرر الدورة مع كومة جديدة في اليوم التالي.
وبالنسبة إلى سهام، فإن امتلاك غسالة لن يعني بالنسبة إليها مجرد امتلاك جهاز منزلي، بل استعادة ساعات من يومها يمكن أن تقضي جزءاً منها مع أطفالها أو تحصل خلالها على بعض الراحة.
حالتها ليست الوحيدة التي تكشف حجم الوقت الذي يمكن أن يبتلعه الغسيل اليدوي، خديجة تجلس أمام ملابسها وتتعامل مع كل قطعة على حدة، تنقعها ثم تفركها ثم تعصرها ثم تضعها جانباً لتنتقل إلى القطعة التالية.
تكرر خديجة الحركات نفسها عشرات المرات بحسب كمية الثياب التي تغسلها، وتقول "أغسل الملابس بهذه الطريقة، منذ نحو ثلاثة أعوام، انكسر ظهري وتعبت عضلاتي ومفاصلي تؤلمني".
الساعات التي تقضيها النساء أمام كومة الملابس لا تمثل كل الوقت الذي يحتاجه الغسيل في غزة، وهكذا لا يصبح السؤال فقط، كم قطعة تستطيع المرأة غسلها في يوم واحد، بل كم من وقت في يومها تنفقه على هذه المهمة قبل أن تبدأ أعمالاً منزلية أخرى تنتظرها؟
بالنسبة إلى سهام، الإجابة واضحة في الساعات التي تقضيها كل يوم أمام الملابس، أكثر من ثلاث ساعات لمهمة لا تنتهي بانتهاء اليوم، لأن كومة جديدة ستظهر في اليوم التالي.
الغسيل يبدأ قبل الملابس
في غزة، لا تبدأ مهمة غسل الملابس عندما تجلس المرأة خلف وعاء الغسيل، بل قبل ذلك بكثير، تبدأ عندما تبحث عن المياه، تنتظرها ثم تنقلها إلى مكان سكنها، ثم تقرر كم قطعة تستطيع أن تغسل وكم وقتاً تحتاج.
خديجة التي تغسل ملابس أسرتها يدوياً تعرف هذه الرحلة قطعة قطعة، لكن ما يبدو أمامها كغسيل يدوي متكرر هو في الحقيقة نهاية سلسلة بدأت قبل أن تضع أول قطعة في الماء.
لا تتعامل مع المياه بوصفها مادة متاحة بمجرد فتح الصنبور، تقول "من الأساس لا يوجد صنبور ولا مطبخ، أعيش في خيمة وبجانبها أغسل الملابس وأنا جالسة على الأرض".
على خديجة أولاً أن تؤمن المياه، تستيقظ الساعة السابعة في موعد وصول شاحنات تزويد النازحين بالماء، تحمل الغالونات بعد تعبئتها وتنقلها إلى الخيمة، وبعدها تبدأ في تقسيم ما حصلت عليه بين الشرب والطهي والتنظيف والغسيل.
تظهر تجربة خديجة حجم أزمة المياه التي تواجهها الأسر في غزة وكيفية تقسيمها.
فبحسب تقييم مشترك لقطاع المياه والصرف الصحي والنظافة أجرته الأمم المتحدة، حصلت 34 في المئة من الأسر على أقل من تسعة ليترات من المياه المنزلية للفرد يومياً، وهي الكمية نفسها التي اضطرت العائلات إلى استخدامها للغسيل والتنظيف وسائر الاحتياجات المنزلية. كذلك أفاد التقييم بأن 74 في المئة من الأسر كانت تجمع المياه مباشرة من الشاحنات.
بالنسبة إلى خديجة، لا تعني هذه الأرقام مجرد نقص في المياه، وإنما تفسر لماذا يصبح غسل القطعة الواحدة سلسلة من القرارات والجهد، خصوصاً لجهة الكمية التي يحق لها استخدامها.
وعليه تسأل نفسها: ما الذي يجب غسله أولاً، وهل يمكن تأجيل الباقي، ثم كيف يمكن إتمام النقع والفرك والشطف والعصر بأقل كمية ممكنة؟
وهذا يجعل غسل الملابس سلسلة طويلة من الأعمال، لا مهمة واحدة، بعد جلب الماء، تبدأ خديجة في عملية النقع فالفرك والشطف ثم العصر اليدوي، قبل نشر الملابس وانتظار جفافها. وكل خطوة تستهلك ماء ووقتاً وجهداً يسبب آلاماً شديدة للنساء.
في ظل شح المياه، لا يتعلق الأمر فقط بالقدرة على غسل الملابس، وإنما بكمية المياه التي تستطيع خديجة توفيرها لهذه المهمة ومتى يمكنها استخدامها.
وتظهر المشكلة بصورة أوسع في تقييم المياه نفسها، 63 في المئة من الأسر التي شملها التقييم كانت تحصل على أقل من ستة ليترات من مياه الشرب للفرد يومياً.
وتشير مقابلات أجرتها منظمة "أوكسفام" مع 21 امرأة وفتاة نازحة في غزة إلى جانب آخر من القصة، إذ تحدثت النساء عن زيادة أعمال الرعاية المنزلية غير المدفوعة مع تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، بما يشمل جمع المياه والتنظيف وغسل الملابس.
ما يفعله الغسيل بالجسد
لم تعد المشكلة بالنسبة إلى سهام في عدد قطع الملابس التي تنتظرها، وإنما في جسدها الذي يظل ساعات في المهمة نفسها، تقول "الجلوس طويلاً والمجهود البدني تركا لدي آلاماً في الظهر والمفاصل".
لا تتطلب عملية الغسيل اليدوي قوة عضلية كبيرة في لحظة واحدة بقدر ما تتطلب تكرار الحركة نفسها مرات كثيرة، تنقع سهام الملابس تفركها تعصرها تعيد شطفها، ثم تعود إلى قطعة أخرى، في وضعية قد تستمر فترات طويلة.
وهذه التفاصيل تحديداً تجعل الغسيل اليدوي مختلفاً عن مجرد عمل منزلي، فهو بالنسبة لسهام عبء بدني تراكمي يغير تفاصيل يومها وجسدها معاً.
تقول "الانحناء المتواصل فوق وعاء الغسيل، والضغط المباشر على مفاصل اليدين أثناء العصر، لا ينتجان تعباً عابراً يزول مع ساعات النوم، بل يتراكمان ليتداخلا مع تفاصيل حياتها اليومية في صورة آلام مزمنة في الظهر والمفاصل".
ولا تقف المعاناة عند حدود الجهد البدني، إذ يزداد الأمر تعقيداً مع تقلب الفصول، في الصيف، توضح سهام أن الحر وتطاير الأتربة يجبرانها على تكرار غسل الملابس بصورة أسرع، بينما يحمل الشتاء نوعاً آخر من المشقة، مياه قارسة البرودة تزيد من التهاب المفاصل أثناء الفرك والعصر، وصعوبة بالغة في جفاف القطع داخل الخيمة أو على حبالها، مما يعني بقاء الثياب رطبة لأيام عدة.
ومع طول فترة الاستخدام واستعمال مساحيق الغسيل يدوياً، في ظل شح المياه اللازمة لشطف اليدين جيداً بعد الانتهاء، تترك هذه العملية أثراً واضحاً على أيدي النساء، من جفاف وتشققات جلدية ترافقهن طوال الوقت.
بالنسبة لسهام، لم تعد المسألة تتصل فقط بالوقت الذي يلتهمه الغسيل، وإنما بالقدرة على العطاء بقية اليوم، فالساعات التي تضيع أمام وعاء الغسيل هي استنزاف متواصل لقدرتها، لتجد نفسها في نهاية المطاف تتعامل مع مهمة تحرمها من الراحة وتستنزف جسدها قبل أن يبدأ اليوم التالي.
ولا تعني هذه النتيجة أن كل امرأة تغسل ملابسها يدوياً ستصاب بمشكلة صحية محددة، لكنها تفسر لماذا يصبح تكرار هذه الحركات لساعات، وعلى مدى أيام وأسابيع، حملاً بدنياً يستحق النظر إليه.
يقول رئيس قسم العظام في المستشفى الإندونيسي محمود المدهون "المشكلة الرئيسة في الغسيل اليدوي لا تكمن في الجهد المباشر فقط، بل في ما يعرف بالإجهاد التكراري الميكانيكي".
ويضيف "الجلوس في وضعية الانحناء أو القرفصاء لساعات عدة يضع ضغطاً هائلاً ومتواصلاً على الفقرات القطنية أسفل الظهر، ويحرم الغضاريف من وضعية الاسترخاء الطبيعية، ومع تكرار عملية الفرك والعصر، تتحمل مفاصل اليدين والرسغين أعباء حركية تزيد على طاقتها اليومية، مما يؤدي مع الوقت إلى التهاب الأوتار وجفاف السائل المفصلي".
ويتابع المدهون "لا يعني هذا بالضرورة أن الغسيل اليدوي يتسبب وحده في أمراض مزمنة دائمة، لكنه يعد عامل إجهاد مسرعاً ومحفزاً للآلام العضلية والمفصلية، وبخاصة عندما يقترن بسوء التغذية وبرودة المياه وغياب فترات الراحة".
يضاف إلى جهد الغسيل إرهاق حمل المياه، وهذا يعني أن العبء البدني لا يبدأ عند فرك الملابس وينتهي عند نشرها. في غزة، وثقت دراسة أجرتها منظمة "أوكسفام" ظهور آثار جسدية ونفسية مرتبطة بأزمة المياه والصرف الصحي والنظافة، بما يعكس كيف يمكن لانهيار الخدمات الأساسية أن ينقل جزءاً أكبر من العمل اليومي إلى أجساد النساء والفتيات.
بالنسبة إلى سهام، تنتهي ساعات الغسيل في ذلك اليوم، لكن جسدها لا يحصل بالضرورة على نهاية مماثلة، فالملابس التي غسلت ستحتاج إلى غسل جديد، والإرهاق الذي أصاب جسدها لن يختفي مع انتهاء آخر قطعة من الحبل.
حين يصبح الوقت له سعر
في مكان لا يكفي فيه الدخل لتغطية الاحتياجات الأساسية، يصبح شراء خدمة غسيل الملابس بدل غسل المرأة على يديها نوعاً من الرفاهية التي لا تستطيع كل الأسر تحملها.
فالوقت الذي توفره المغسلة له ثمن، تعرف سهام هذا الخيار جيداً. أما عبير غراب، فتدفع أحياناً المال لاستعادة هذا الوقت، تقول "في بداية الحرب كنت أغسل ملابسي بنفسي، قبل أن آخذها إلى مغسلة قريبة من خيمتي".
لا تعد عبير المغسلة مجرد مكان لتنظيف الملابس، وإنما وسيلة لإنجاز المهمة في وقت وجهد أقل، تضيف "الخدمة وفرت علي جزءاً من الوقت الذي كنت أقضيه في الغسيل، لكن في الحقيقة هذا ليس خياراً بإمكاني اللجوء إليه يومياً بسبب محدودية الدخل".
في مغسلة يديرها فادي أبو شوارب يصل عدد حمولات الغسيل يومياً التي يرسلها الزبائن إلى نحو 30، في مؤشر إلى أن هناك أسراً مستعدة لدفع المال مقابل اختصار الوقت والجهد، فيما تبلغ كلفة حمولة الغسالة نحو ثلاثة دولارات عندما تتوافر الطاقة الشمسية، وترتفع إلى 10 دولارات عند تشغيل المولد.
حين تصبح الغسالة خدمة إغاثية
في أغسطس (آب) الماضي، وزع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 20 غسالة ميكانيكية منخفضة استهلاك المياه للاستخدام الجماعي في قطاع غزة، إلى جانب كميات من مسحوق الغسيل والصابون.
في مخيمات النزوح، صارت خدمة غسل الملابس بواسطة الغسالات الإغاثية تنتظرها عائلات كثيرة في طابور، في مشروع يخدم مخيمات مصعب بن عمير، حيث تعمل ست غسالات لخدمة نحو 1300 أسرة موزعة على تسعة مخيمات.
يقول منير حمودة (من إدارة المخيمات) "لكل مخيم يوم مخصص للاستفادة من الغسالات، الطلب المرتفع يؤدي أحياناً إلى تأجيل بعض الغسيل إلى اليوم التالي".
المصدر : 