هرباً من أحكام المجتمع... إيرانيات يرضخن للزواج القسري
طهران-نساء FM ـ أكدت إيرانيات أن بعض الأسر تلجأ إلى ممارسة الضغوط النفسية والإكراه الجسدي لفرض الزواج على الفتيات، وذلك في حال فشل محاولات الإقناع عبر الصور المثالية والوعود الوردية، مما يجعل تطلعاتهن المستقبلية تنحصر في الحصول على منزل وخاتم زفاف بفعل القيود المفروضة عليهن.
تظل عينا "ستايش"، بكل ما تحمله من أحلام وآمال الطفولة شاخصتين نحو الباب وكأن الرجل الذي يُوصف بأنه "حلم العمر" قد يطل فجأة من ذلك الإطار، حاملاً خاتماً ذهبياً يمنحها تذكرة العبور إلى العالم الذي لا يكفّ المحيطون بها عن الحديث عنه، إنها في الخامسة عشرة من عمرها فقط، ومع ذلك تخلو أحاديثها تماماً من أي ذكر للمسار المهني، أو التعليم، أو العمل الجاد، أو السعي وراء المعرفة، حيث ينصب جل تفكيرها على المقارنة بينها وبين فتيات في مثل سنها: "سارينا" (17 عاماً) خُطبت بالفعل، "مليكا" (15 عاماً) وُعدت لابن عمها؛ ويأسر "ستايش" تماماً رنينُ أساور "مليكا" وهي تنظف بوابة الفناء.
حلم الأساور الذهبية
تكرر "ستايش" باستمرار أنها إذا عثرت على خطيب قريباً، فإن أول ما ستفعله هو شراء أساور لتتباهى بها أمام جميع فتيات الحي، لا يعكس هذا الطرح مجرد عقلية بضع فتيات في قرية نائية، بل يجسد أنماطاً سائدة في أي مجتمع تغلب عليه الهيمنة الذكورية، مجتمع تُفرض فيه قواعد الحياة وضوابطها على الفتيات منذ الطفولة، بحيث لا يرين تحقق ذواتهن في الاستقلالية أو المعرفة أو الإبداع، بل في الزواج وخدمة الزوج، وهو دور لا يُكافأ إلا ببعض الذهب وبضعة أساور.
تقول "فرنغيس. ق" وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة في كرماشان "في المجتمعات الذكورية، يرتبط الزواج بطبيعته ارتباطاً وثيقاً بالتقييد الكامل للمرأة وحبسها داخل السجن المعروف بـ 'بيت الزوجية'، ومع ذلك يُصور النظام الأبوي هذا السجن ببراعة على أنه مثل أعلى ساحر يشبه الأحلام جاذباً الفتيات نحوه منذ نعومة أظفارهن، وتدرك البطريركية الأبوية تماماً أن المرأة غير المتزوجة تحظى بفرص للتعليم واكتساب الخبرة والسعي الشخصي والاستقلال، مما يحولها من شخصية خاضعة إلى امرأة مستقلة ذات إرادة وقدرة على اتخاذ القرار، ونتيجة لذلك تُهيأ الفتيات منذ الطفولة لترقب الزواج باستمرار، إذ تلعب وسائل الإعلام والأسر وحتى المنظومة التعليمية في المجتمع الذكوري دوراً في ترسيخ هذه الصورة التي لا تقدم الزواج كخيار حر، بل كمسار شرعي وحيد لتحقيق الذات بالنسبة للمرأة، وهكذا وبدلاً من السعي نحو المستقبل في مجالات المعرفة والعمل والإبداع، تختزل الفتيات أحلامهن في خاتم ذهبي ومنزل يُطلق عليه مسمى 'بيت الزوجية'".
الإكراه والإذلال والمأساة
إن تشجيع الفتيات على الزواج المبكر أو دفعهن إليه يمثل شكلاً من أشكال الضغط الاجتماعي الخفي الذي يعمل بمعزل عن الوعي أو الاختيار الشخصي، وحين تفشل الصور المثالية الجذابة في إقناع الفتاة المراهقة، يحل محلها الإصرار وأساليب الإكراه، وهو مسار يتصاعد في حال قاومت الفتاة ليتحول إلى ضغوط أشد وطأة لإجبارها على الخضوع.
تروي سميرة. م، وهي امرأة أُجبرت على الزواج من قبل عائلتها في سن السادسة عشرة، قصتها قائلة "في ذلك الوقت، لم أكن أرغب سوى في الدراسة والعمل لاحقاً كمصففة شعر، لكن عمي طلب يدي لابنه الذي كان يكبرني بعشرين عاماً، اعترضتُ على ذلك، إلا أن والدي ضربني بشدة ومزق كتبي وأحرقها جميعاً، ثم أخبرني بأنه إذا لم أتزوج فإن الناس سيظنون أنني ارتكبت فعلاً مشيناً بحق نفسي ملمحاً إلى أن هذا هو السبب وراء عزوف الآخرين عن الزواج مني، حينها تساءلتُ عما إذا كنتُ أسيء الأدب بمعارضة والدي وعما إذا كان هو المحق، في الواقع لقد دفعني ذلك الشعور بالذنب للموافقة على الزواج إذ رأيتُ أن جميع الفتيات من حولي متزوجات، فشعرتُ بأن من واجبي الزواج في سن مبكرة أيضاً، وهكذا ورغم رغبتي المعارضة وافقتُ على هذا الزواج".
وأوضحت أن الحياة التي تنتهي بالزواج فحسب هي المصير الذي رسمه النظام الأبوي للفتيات، ففي مجتمع كهذا تتعرض الشابات باستمرار لضغوط نفسية وعاطفية متمثلة في همسٍ دائم يُحذرهن من المصير الذي ينتظرهن ومن أحكام المجتمع التي ستطالهن إن بقين بلا زواج وهذا الخوف تحديداً من نظرة المجتمع هو ما يدفع الكثيرات منهن إلى الرضوخ للإكراه حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتهن الجسدية والنفسية، وفي بعض الأحيان لا يقتصر هذا الرضوخ على الحرمان والقيود فحسب، بل يفضي إلى تعرضهن لانتهاكات جسيمة، وينتهي بهن المطاف في نهاية المطاف إلى الموت.
تقول الصحفية شعله. ص "نشهد كل عام فتيات كثيرات يواجهن التحرش وضغوطاً عائلية للزواج، وفي حالات عديدة، تُجبر هؤلاء الفتيات على الزواج في سن مبكرة جداً، ولا يمكن التقليل من شأن دور العقليات الأبوية في هذا الإكراه؛ فهي عقليات ترسخ باستمرار في أذهان الفتيات فكرة أنهن ناقصات ما لم يتزوجن، وتتجذر هذه السردية المستمرة بعمق في عقول بعض الفتيات لدرجة أنهن يبدأن أيضاً في اعتبار الزواج الأولوية القصوى، وهذا الضغط الاجتماعي هو ما يدفعهن بمجرد تجاوزهن سناً معيناً دون زواج إلى الموافقة على الارتباط بأي شخص حتى دون معرفة كافية به، فهن لا يفعلن ذلك بدافع الرغبة بل هرباً من أحكام الآخرين والضغوط، ومجرد رغبة في الحصول على زوج".
أحدثت وفاة نيلوفر مجاور بعد أيام من التعرض للإساءة والتعذيب على يد رجل خدعها بوعود الزواج صدمة في المجتمع، وتثير ظروف هذه المأساة سؤالاً جوهرياً: لماذا قد تعلق فتاة مراهقة آمالاً كبيرة على عرض زواج لدرجة أنها تضع ثقتها في شخص غريب؟ إن التصوير المستمر لـ "وجود زوج" باعتباره المعيار الوحيد لقيمة الفتاة ومكانتها يجعلها عرضة للاستغلال، ففي بيئة كهذه يسهل خداع الفتيات الساعيات لنيل مكانة اجتماعية، حيث يمكن لحلم "الفارس المغوار" أن يتحول إلى ضرر لا يمكن إصلاحه أو حتى إلى مأساة مميتة".
المصدر : وكالة أنباء المرأة