وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الإعلام.. والباحث مريم شومان: الموثوقية أصبحت أهم من السبق الصحفي

 

رام الله – نساء FM – آية عبد الرحمن: فرض التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا على صناعة الإعلام والمحتوى الرقمي، مع اتساع قدرة الأدوات الحديثة على إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو، بدرجات متزايدة من التشابه مع المحتوى الحقيقي، الأمر الذي يضع الصحفيين والجمهور أمام تحديات متصاعدة في التحقق من المعلومات والتمييز بين الحقيقة والتضليل.

وقالت الباحثة في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي مريم شومان، في حديث لإذاعة "نساء إف إم"، إن التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على توفير أدوات مساعدة لإنتاج المحتوى، بل أصبح جزءًا من الآلية والبنية التي يتم من خلالها إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه، بما في ذلك المحتوى الإعلامي والإخباري.

من سؤال "من كتب الخبر؟" إلى "هل المحتوى حقيقي؟"

وأوضحت شومان أن الأسئلة التي كانت تحكم عملية إنتاج المحتوى الإعلامي في السابق تمحورت حول هوية كاتب الخبر ومعد التقرير ومنتجه ومخرجه، ومن التقط الصورة ونشرها، وأي وسيلة إعلامية حققت السبق الصحفي.

لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى عملية الإنتاج، بحسب شومان، نقل النقاش إلى أسئلة جديدة، من بينها: هل المحتوى بشري أم مولد بالذكاء الاصطناعي؟ وإذا كان المحتوى بشريًا، إلى أي مدى جرى التدخل فيه باستخدام هذه التقنيات؟

وأضافت أن سهولة إنتاج المحتوى وسرعة انتشاره أدتا إلى زيادة هائلة في حجم المعلومات المتداولة، إلا أن ذلك لم يلغِ الحاجة إلى التحقق، بل جعل سؤال الموثوقية أكثر إلحاحًا.

وأكدت أن المنافسة في البيئة الإعلامية الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بمن ينتج المحتوى أولًا أو يحقق السبق الصحفي، وإنما أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بالقدرة على إنتاج محتوى يحظى بالثقة والموثوقية وسط التدفق المتسارع للمعلومات.

الذكاء الاصطناعي يصعّب كشف التزييف

وحول صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، قالت شومان إن الذكاء الاصطناعي أصبح يوفر بيئة متكاملة لإنتاج محتوى قريب جدًا من الحقيقة، سواء تعلق الأمر بالنصوص أو الصور أو الأصوات أو مقاطع الفيديو.

وأشارت إلى أن الأدوات الحديثة باتت قادرة على إنتاج أصوات تبدو حقيقية، وصور تشبه الأشخاص والأماكن بدرجة عالية من الدقة، ما يطرح تساؤلات حول الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها لتحديد ما إذا كان المحتوى حقيقيًا أو مزيفًا أو مضللًا.

وبيّنت أن التحدي لا يقتصر على إنتاج محتوى مزيف بالكامل، وإنما يمتد إلى إمكانية إدخال تعديلات على محتوى حقيقي.

وأوضحت أن الصورة قد تكون حقيقية، والصوت حقيقيًا، والمكان حقيقيًا، وربما يكون الحدث قد وقع بالفعل، لكن وضع هذه العناصر في سياق مختلف أو غير صحيح يمكن أن ينتج محتوى مضللًا، رغم أن بعض عناصره الأصلية أو جميعها قد تكون حقيقية.

ولفتت إلى أن التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي يزيد من تعقيد عملية الكشف عن التزييف، إذ أصبحت الأدوات التي كانت تنتج محتوى بمستوى معين من الجودة قادرة خلال فترات قصيرة على إنتاج محتوى أكثر دقة وكفاءة، ما يجعل اكتشاف التزييف العميق والمحتوى المركب أكثر صعوبة.

وأكدت أن هذا الواقع يضع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أمام تحدٍ متزايد، خصوصًا أن التلاعب بالمحتوى لم يعد بالضرورة واضحًا أو سهل الاكتشاف، بل يمكن أن يكون مركبًا ويؤثر في معنى المادة وسياقها.

الثقافة الرقمية.. مسؤولية لا تقتصر على الصحفيين

وفيما يتعلق بالتربية والوعي الإعلامي والرقمي، قالت شومان إن الثقافة الإعلامية والرقمية لم تعد رفاهية أو مسؤولية تقتصر على الصحفيين والإعلاميين وصناع المحتوى، وإنما أصبحت مهارة ضرورية لجميع مستخدمي التكنولوجيا.

وأوضحت أن الإنسان لم يعد مجرد مستهلك للمعلومات والأخبار، بل أصبح منتجًا للمحتوى ومشاركًا في نشره وإيصاله إلى الآخرين، ما يجعل مسؤولية التعامل مع المعلومات أوسع من المؤسسات الإعلامية والصحفيين.

وشددت على ضرورة امتلاك المستخدم القدرة على التفكير النقدي في البيئة الرقمية، والتمييز بين الخبر والرأي، ومعرفة مصدر المعلومة، والتدقيق في دقتها وموثوقيتها قبل التعامل معها أو إعادة نشرها.

وأضافت أن التداخل المتزايد بين الحقيقة والمحتوى المضلل، خصوصًا عندما يقدم الأخير بطريقة قريبة من الحقيقة، يجعل من الضروري التوقف أمام كل معلومة والتساؤل عن مصدرها ومدى دقتها وموثوقيتها.

خوارزميات المنصات وسرعة انتشار التضليل

وأشارت شومان إلى دور خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي في انتشار المحتوى، موضحة أن المنصات قد لا تجعل معيار انتشار المحتوى قائمًا بالضرورة على مدى دقته أو مصداقيته، بقدر ارتباطه بمستوى التفاعل الذي يحققه.

وقالت إن ذلك يمكن أن يساهم في انتشار مواد مضللة أو غير دقيقة، خصوصًا عندما تكون قادرة على جذب اهتمام المستخدمين وتحقيق معدلات مرتفعة من التفاعل.

وأضافت أن هناك حاجة إلى محددات دولية تلزم منصات التواصل الاجتماعي بالتعامل وفق مبادئ مهنية وأخلاقية واضحة، في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي والبيئة الرقمية.

"الحاجة رجب".. نموذج لتداعيات المعلومات غير المؤكدة

وفي سياق حديثها عن تداعيات نشر المعلومات غير الموثوقة، استشهدت شومان بما رافق قضية اختفاء الحاجة رجب خلال الفترة الأخيرة من انتشار واسع للأخبار والتحليلات والروايات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت إن القضية شهدت تداول منشورات ومقاطع فيديو و"ستوري" وتعليقات وتحليلات وروايات مختلفة على منصات، من بينها فيسبوك وإنستغرام، مشيرة إلى أن بعض ما تم تداوله لم يكن بالضرورة قائمًا على معلومات مؤكدة.

وأوضحت أن القضايا الحساسة، ومنها حالات الاختفاء، تتطلب درجة عالية من التحقق، لأن نشر معلومة غير دقيقة قد يؤدي إلى إرباك عائلة الشخص المعني، فضلًا عن إمكانية تأثيرها في سير التحقيقات والإجراءات المرتبطة بالقضية.

المعلومة غير الدقيقة قد تتجاوز الشخص إلى المجتمع

وأكدت شومان أن آثار الشائعات والمعلومات المضللة لا تقتصر على الشخص أو العائلة المعنية، وإنما قد تمتد إلى المجتمع، خصوصًا في المجتمعات الصغيرة، حيث يمكن لمعلومة غير دقيقة أن تثير البلبلة وتؤدي إلى مشكلات أكبر.

وشددت على أن التعامل مع أي خبر أو رواية يجب أن يبدأ بالسؤال عن مصدر المعلومة ومدى صحتها، إلى جانب التفكير في التداعيات المحتملة لنشرها، سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي.

التحقق قبل النشر.. مسؤولية الصحفي والمستخدم

وأكدت شومان أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات كبيرة لإنتاج محتوى سريع وسهل، وقد يصل في بعض الحالات إلى درجة عالية من التشابه مع المحتوى الحقيقي، إلا أن التشابه لا يعني بالضرورة صحة المحتوى أو موثوقيته.

وشددت على ضرورة أن يمنح الصحفي والمستخدم نفسيهما مساحة كافية للتحقق قبل نشر أي خبر أو رواية، وألا يتحولا إلى جزء من سلسلة نشر المعلومات الكاذبة أو المضللة، خاصة عندما تكون للمعلومة تداعيات مباشرة على أشخاص أو عائلات أو مجتمعات.

وفي ختام حديثها، دعت شومان الصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحمل مسؤوليتهم في التعامل مع المحتوى الرقمي، وعدم الاستعجال في إعادة نشر المعلومات، خصوصًا في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج محتوى يصعب أحيانًا تمييزه عن الحقيقة.