من بينها الصدمات الصوتية.. خبير بيئي يوضح أسباب هروب القوارض الى المناطق المجاورة لغزة
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-لم تعد آثار الحرب في قطاع غزة تقتصر على الدمار الذي طال المباني والبنية التحتية، إذ بدأت تداعياتها البيئية تظهر أيضاً في تغير أنماط حياة الكائنات البرية وانتشار القوارض في مناطق مختلفة، بينها محيط الخيام ومناطق قريبة من القطاع.
ويثير انتشار الفئران والجرذان تساؤلات حول العوامل البيئية التي تقف وراء هذه الظاهرة، في ظل تراكم الركام والنفايات، وتضرر شبكات الصرف الصحي، وانتشار المياه الملوثة والمكشوفة، إلى جانب تدمير أجزاء واسعة من الموائل الطبيعية.
وقال المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية، عماد الأطرش، خلال لقاء مع نساء إف إم، إن ما يجري يمثل انتشاراً استثنائياً للقوارض، مستنداً إلى خبرته في متابعة البيئة الفلسطينية، ومشاركته في رصد منطقة وادي غزة وقطاع غزة منذ عام 1995، وقبل تأسيس الجمعية عام 2003 وبعده.
انهيار المنظومة البيئية
وأوضح الأطرش أن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، إلى جانب الكميات الكبيرة من الركام، أدى إلى اضطراب كبير في المنظومة البيئية في قطاع غزة.
وأشار إلى أن النظام البيئي يقوم على شبكة مترابطة من الكائنات الحية وعلاقات التغذية بينها، لكن تدمير أجزاء واسعة من هذه الشبكة أدى، وفق تقديره، إلى تغير الظروف التي كانت تنظم أعداد القوارض وحركتها.
وبيّن أن تراكم النفايات، وتعطل شبكات الصرف الصحي، ووجود المياه الملوثة ومياه المجاري المفتوحة، كلها عوامل ترافقت مع تغيرات في سلوك القوارض، ووفرت لها بيئة مناسبة للاختباء والتكاثر.
الركام يوفر ملاذاً للقوارض
وقال الأطرش إن القوارض تتحرك بطبيعتها لمسافات طويلة بحثاً عن الطعام والمياه والمأوى، فيما يوفر الركام المتراكم أماكن للاختباء، خصوصاً لحماية صغارها.
وأضاف أن تغير الظروف البيئية قد يدفعها إلى مغادرة المناطق التي اعتادت الوجود فيها، والبحث عن مصادر جديدة للغذاء والمياه ومواقع أكثر أمناً.
وأشار إلى أن المواد الكيميائية والصدمات الصوتية وتطاير الشظايا أثرت أيضاً في سلوك عدد من الكائنات البرية، ومنها القوارض والزواحف والطيور، ودفع بعضها إلى مغادرة موائله والانتقال إلى مناطق أخرى.
تأثير يتجاوز حدود القطاع
وحذر الأطرش من النظر إلى الظاهرة باعتبارها محصورة في قطاع غزة، موضحاً أن حركة الكائنات البرية لا تتوقف عند الحدود السياسية، وأن التغيرات التي تصيب النظام البيئي في منطقة ما يمكن أن تكون لها تداعيات على المناطق المحيطة بها.
وأشار إلى أن القوارض قادرة على الحركة لمسافات طويلة، وأن استمرار الظروف الحالية قد يدفعها إلى البحث عن مناطق جديدة، فيما تمتد المخاوف البيئية، بحسب تقديره، إلى المناطق المحيطة بقطاع غزة.
وأكد أن "التلوث لا يعرف حدوداً، وهجرة الطيور لا تعرف حدوداً، والقوارض لا تعرف حدوداً"، داعياً إلى التعامل مع الآثار البيئية للحرب باعتبارها قضية تتطلب التفكير في مرحلة التعافي البيئي أيضاً.
اختلال السلسلة الغذائية
وأوضح الأطرش أن انتشار القوارض لا يمكن فصله عن التغير الذي طرأ على بقية عناصر السلسلة الغذائية، مشيراً إلى أن القوارض كانت جزءاً من منظومة تتأثر بأعداد الحيوانات التي تتغذى عليها، ومن بينها الطيور الجارحة.
ولفت إلى أهمية منطقة وادي غزة، التي وصفها بأنها كانت منطقة رطبة ومحمية طبيعية وتضم مصادر للمياه، وكانت تستقبل أنواعاً من الطيور، قبل أن يتعرض الوادي لأضرار كبيرة نتيجة الحرب.
وقال إن تدمير الموائل الطبيعية وإزالة الغطاء النباتي يقللان من الأماكن التي كانت تستخدمها الكائنات البرية للتعشيش والاختباء، ما يغير العلاقات الطبيعية بين الأنواع.
مخاطر صحية محتملة
وفي ما يتعلق بالمخاطر الصحية، أوضح الأطرش أن القضية لا تقتصر على الأمراض الطفيلية، بل تشمل أيضاً الأمراض التي يمكن أن تنتقل بين الإنسان وبعض القوارض.
وأشار إلى أن القوارض من الثدييات، ويمكن أن تتشارك مع الإنسان في بعض مسببات الأمراض، محذراً من مخاطر الاحتكاك المباشر بها، بما في ذلك التعرض للعضات.
كما أشار إلى أن وجود الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة التي تتغذى على القوارض يمثل، ضمن النظام البيئي الطبيعي، أحد العوامل التي تساعد في ضبط أعدادها، بينما يمكن أن يؤدي اختلال هذا التوازن إلى زيادة انتشار بعض الأنواع.
الزواحف والعقارب داخل الخيام
ولا تقتصر التغيرات التي يتابعها الأطرش وزملاؤه في قطاع غزة على القوارض، إذ قال إن الزواحف والعقارب تظهر بشكل متكرر داخل الخيام وفي محيطها.
وأوضح أن ما يرصده زملاؤه يشير إلى دخول أعداد من الزواحف والعقارب إلى الخيام بصورة متكررة، في ظل الظروف البيئية الصعبة التي يعيش فيها السكان.
وأشار إلى أن الأفاعي بدأت تظهر في مناطق سكنية وتقترب من السكان، معتبراً أن بحث الحيوانات عن الغذاء والمأوى في ظل تغير موائلها الطبيعية يمثل أحد العوامل التي تفسر هذا السلوك.
نظافة محيط الخيام إجراء ممكن
وفي ظل محدودية الإمكانيات والظروف الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، قال الأطرش إنه لا يمكن مطالبة السكان بإجراءات تتجاوز قدرتهم، مشيراً إلى أن أبسط ما يمكن القيام به هو المحافظة قدر الإمكان على نظافة الخيام والمناطق المحيطة بها.
وأوضح أن التخلص من بقايا الطعام والنفايات والحفاظ على نظافة المحيط قد يساعد في الحد من عوامل جذب القوارض والزواحف والعقارب إلى أماكن إقامة السكان، رغم صعوبة تطبيق ذلك في ظل الظروف القائمة.
ويرى الأطرش أن انتشار القوارض يمثل مؤشراً على أزمة بيئية أوسع خلفتها الحرب، تشمل تدمير الموائل الطبيعية، وتضرر مصادر المياه وشبكات الصرف الصحي، وتراكم الركام والنفايات، واضطراب السلسلة الغذائية.