أجسادٌ تُمزق وعيونٌ تُفقأ... نساء الأردن بين الجريمة ومقصلة "اللوم"
الأردن ـ نساء FM- لم تعد أرقام جرائم قتل النساء في الأردن مجرد إحصائيات باردة تُتلى في النشرات، بل تحولت إلى صرخات مكتومة تخرج من تحت رماد واقعٍ يزداد قسوة وبشاعة. الموت وحده لم يعد النهاية؛ بل بات يسبقه تنكيل مروع يمارس بدم بارد، من فقع للعيون، وتمزيق للأجساد، وصولاً إلى الدفع نحو حافة الانتحار.
إنه تحول خطير في بنية الجريمة، تضعه مديرة راديو "البلد" والناشطة الحقوقية عطاف الروضان أمام مرآة الحقيقة، مؤكدة أن القصد لم يعد مجرد إنهاء حياة، بل سحق الكيان الإنساني للمرأة حتى الرمق الأخير.
قوانين تتقدم ووعيٌ ينتكس
ورغم أن التعديلات التشريعية الأخيرة في الأردن خطت خطوات متقدمة نحو حماية الأسرة، إلا أن المعضلة الحقيقية تقف خلف جدران الثقافة السائدة والردة الفكرية التي يغذيها الشارع ومنصات التواصل.
وتقول الناشطة الحقوقية عطاف الروضان "نشهد اليوم ردة مجتمعية مخيفة تجاه قضايا النساء؛ هناك محاولة ممنهجة لتشويه صورة المؤسسات الحقوقية، واتهام كل من يدافع عن كرامة المرأة بالتغريب وتنفيذ أجندات للوصم. لقد شُوهت الاتفاقيات الدولية مثل سيداو ورُبطت بتفتيت المجتمع، وتلاقت الضغوط الاقتصادية الخانقة مع تراجع الثقة بمنظومة حقوق الإنسان عالمياً، ليدفع الشارع باتجاه تيار محافظ يزداد حدة وشراسة على حساب حقوق النساء".
في البيوت المغلقة، تدفع النساء ثمن "السترة" و"الخوف من الفضيحة" من أجسادهن وأرواحهن. تصمت المرأة وتتجرع الإهانة تلو الأخرى، خشية لقب "مطلقة" أو تهمة "تخريب البيت"، حتى تفوت فرصة النجاة وتصل المرأة إلى المستشفى جثة هامدة أو بجسدٍ يحمل عاهة دائمة.
وتشير عطاف الروضان إلى أن "المرأة لا تقف دائماً في وجه العنف منذ الصفعة الأولى؛ فالمجتمع كثيراً ما يلقنها الصمت والتحمل والخوف من العواقب. ومع تراكم هذا الخوف، تتحول التبعية إلى قيد يقودها في النهاية إلى مصير أكثر قسوة. لذلك، فإن كسر دائرة العنف لا يبدأ فقط بمواجهة المعتدي، بل يبدأ من كسر التبعية واستعادة الاستقلال".
وتضيف "حين تمتلك المرأة حقها في الميراث، واستقلالها المالي، وحرية التصرف في أموالها وقراراتها، يصبح لصوتها قوة ولوجودها وزن. فالتمكين الاقتصادي ليس مجرد امتلاك للمال، بل هو أحد أهم مقومات الأمان والكرامة والقدرة على الاختيار، ودرع أساسي يحمي المرأة ويعزز مكانتها داخل الأسرة وخارجها".
محاكمة الضحية... 25 عاماً من التبرير القاتل
من واقع ربع قرن من العمل الميداني في الصحافة الاستقصائية ومناصرة قضايا النوع الاجتماعي، تستحضر عطاف الروضان تفاصيل قضايا حُفرت في الذاكرة لتكشف قصور الخطاب السائد الذي يفتش دوماً عن ذريعة للجاني ويُخضع المعتدى عليها للمحاكمة.
وتقول "أسوأ ما يمكن أن يمر على صحفي هو أن يرى الضحية تُحاكم مرتين: مرة من الجاني، ومرة من المجتمع. ما زلت أذكر قصة فاطمة التي فقع زوجها عينيها فقط لأنها حاولت حماية أطفالها، وتلك الفتاة اللاجئة التي قُتلت بذريعة الشبهة وأثبتت التحقيقات براءتها لاحقاً... في الحالتين، خرج المجتمع ليسأل: لماذا أغضبتِ زوجكِ؟، ولماذا وضعتِ نفسكِ في موضع الشبهات؟!".
معركة الوجود لا مجرد بنود قانون
حماية النساء لن تكتمل بنصوص تشريعية معزولة ولا بملاجئ إيواء محدودة، بل بوجود إعلام واعٍ تقوده النساء في غرف الأخبار ومواقع اتخاذ القرار، ليكون شريكاً حقيقياً في إعادة بناء الوعي العام والقضاء على ثقافة العنف من جذورها.
وفي ختام حديثها، تقول الناشطة الحقوقية عطاف الروضان "الأرقام لا تكذب، وهي تفضح حقيقة مؤلمة: معركتنا اليوم لم تعد تقتصر على مواجهة العنف، بل نواجه رفضاً مجتمعياً مبطناً للتعامل مع المرأة كإنسان كامل الحقوق والكرامة".
المصدر : وكالة أنباء المرأة