30 ألف دولار مقابل الحمل.. تحقيق يكشف شبكات تستغل النساء الفقيرات في تجارة الأرحام في دول اوروبية
رام الله-نساء FM-كشفت تحقيقات صحفية عن اتساع سوق تأجير الأرحام في أوروبا وتحوله، في بعض الحالات، إلى سوق سوداء عابرة للحدود تستغل نساء يعانين أوضاعًا اقتصادية هشة، عبر استدراجهن بوعود مالية، ونقلهن بين دول، وإخضاعهن لإجراءات طبية، قبل التخلي عنهن في ظروف قاسية بعد الولادة.
وتشير تقديرات إلى أن قيمة سوق تأجير الأرحام عالميًا قد ترتفع من نحو 22 مليار دولار إلى 129 مليار دولار بحلول عام 2032، في وقت صنف فيه البرلمان الأوروبي بعض ممارسات تأجير الأرحام ضمن صور الاتجار بالبشر، خصوصًا عندما تترافق مع الاستغلال والإكراه أو استغلال حالة الضعف.
ورغم اختلاف القوانين الأوروبية بشأن تأجير الأرحام، تسمح بريطانيا لمواطنيها بإتمام ترتيبات دولية لإنجاب أطفال عن طريق أمهات بديلات، وفق إجراءات قانونية تعرف باسم "الأمر الأبوي"، ما يفتح الباب أمام ترتيبات خارج الحدود تختلف فيها مستويات الحماية القانونية للنساء.
وقالت المحامية نينو أندرياشفيلي، التي مثلت عددًا من النساء اللواتي تعرضن لانتهاكات في قطاع تأجير الأرحام في جورجيا، إن اختلال موازين القوة بين الأمهات البديلات والوكالات يمثل مشكلة أساسية، مؤكدة أن وجود عقد بين الطرفين لا يعني بالضرورة حماية حقوق المرأة أو ضمان حصولها على الرعاية اللازمة.
وعود مالية
ومن أبرز القضايا التي كشفت حجم الانتهاكات قضية وكالة تأجير الأرحام الجورجية "كيندرلي"، التي استقطبت نساء من قيرغيزستان وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وأوكرانيا وروسيا، عبر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي وعدتهن بالحصول على مبالغ تصل إلى 30 ألف دولار.
ومن بين النساء اللواتي انجذبن إلى هذه الوعود امرأة من قيرغيزستان، تبلغ من العمر 30 عامًا وأم لطفلين، سافرت إلى جورجيا في 14 فبراير/شباط 2024، بعد انهيار زواجها وفقدانها عملها، ووقعت عقدًا مع الوكالة قبل أن تحمل بتوأم.
وخلال الحمل، أصيبت بمشكلات صحية اشتبهت بأنها سكري الحمل، دون أن تخضع، بحسب التحقيق، لفحص دم يؤكد التشخيص، فيما كانت تتلقى نحو 400 دولار شهريًا طوال فترة الحمل.
وفي 31 يناير/كانون الثاني 2025، خضعت المرأة لعملية ولادة قيصرية، قبل أن توضع في غرفة تخزين بسبب عدم وجود أسرّة كافية في جناح التعافي، ثم عادت بعد مغادرة المستشفى إلى شقة باردة في تبليسي تفتقر إلى التدفئة والكهرباء، فيما لم تحصل على دفعاتها المالية الأخيرة.
ولم تقتصر الأزمة على حالتها، إذ أوقفت الوكالة دفع مستحقات عدد من الأمهات البديلات في مواعيدها، وقطعت الدعم المخصص للاحتياجات اليومية، ونقلت 17 امرأة و10 أطفال إلى نزل متهالك في أحد الأحياء النائية من تبليسي، وفق مسؤولين.
وعانت نساء عدة من آلام وندوب بعد الولادة دون الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، قبل أن تعلن الشركة إفلاسها بعد شهر وتغلق أبوابها، تاركة عشرات الأمهات البديلات دون دعم، فيما وضعت نحو 100 امرأة أخرى أطفالهن في جورجيا خلال الأشهر الـ12 التالية.
وفي 30 يونيو/حزيران 2026، أدانت محكمة مدينة تبليسي مؤسسي الشركة بتهمة اختلاس أموال من الأمهات البديلات والآباء البيولوجيين، وحكمت عليهما بالسجن لمدة 10 سنوات لكل منهما.
واعتبرت المحامية نينو أندرياشفيلي القضية مهمة، لأنها كشفت أن مشكلات قطاع تأجير الأرحام لا تقتصر على الخلافات المالية أو التعاقدية، وإنما ترتبط بثغرات قانونية ونظامية تتيح فرصًا لاستغلال النساء وانتهاك حقوقهن.
تايلنديات ضحايا شبكة لاستخلاص البويضات
وفي قضية أخرى، فتحت الشرطة في تايلاند تحقيقًا بشأن شبكة اتُهمت باستغلال نساء تايلنديات ونقلهن إلى الخارج لاستخلاص بويضاتهن، بعد استدراجهن بوعود بالعمل كأمهات بديلات مقابل نحو 500 جنيه إسترليني شهريًا وسكن مجاني.
وبحسب التحقيق، صودرت جوازات سفر النساء فور وصولهن، فيما أفادت إحدى الناجيات بأنه جرى احتجازها مع نساء أخريات داخل منازل جماعية، وإخضاعهن لحقن هرمونية لتحفيز إنتاج البويضات، وسط مزاعم ببيع تلك البويضات لاحقًا لاستخدامها في عمليات التلقيح الاصطناعي.
وتسلط القضية الضوء على الجانب الطبي من الاستغلال، إذ لا يقتصر الأمر في بعض شبكات التجارة غير القانونية على الحمل والولادة، بل يمتد إلى استغلال أجساد النساء وإخضاعهن لإجراءات هرمونية وطبية دون ضمانات كافية أو موافقة حرة ومستنيرة.
مسار عابر للحدود
وتشير التحقيقات إلى أن جورجيا أصبحت إحدى الحلقات في مسار عابر للحدود يرتبط بسوق تأجير الأرحام بين تركيا وقبرص الشمالية، في ظل اختلاف القوانين بين هذه المناطق.
وفي حين تحظر تركيا تأجير الأرحام، يبقى مسموحًا به في قبرص الشمالية وجورجيا وفق أطر قانونية مختلفة، وهو ما خلق، بحسب المحامية أندرياشفيلي، إمكانية لنقل عمليات أو ترتيبات مرتبطة بالتأجير من دولة إلى أخرى، بعيدًا عن الضمانات القانونية الكافية لحماية النساء.
وكشف تحقيق منفصل عن شبكة اتجار امتدت عبر البلدان الثلاثة، بعدما تلقت وزارة الصحة التركية في 3 سبتمبر/أيلول 2021 بلاغًا مجهولًا بشأن عيادة للخصوبة في منطقة بشيكتاش بإسطنبول، قيل إنها تستهدف شابات في أوضاع هشة، وبينهن قاصرات، بوعود بالحصول على مبالغ مالية كبيرة.
وبحسب التحقيق، أُعطيت النساء أدوية للخصوبة قبل نقلهن بشكل غير قانوني إلى جورجيا وقبرص الشمالية باستخدام وثائق مزورة، إلا أن السلطات التركية لم تحدد سوى مشتبه به واحد بعد تحقيق استمر عامًا، قبل أن تغلق النيابة العامة في إسطنبول القضية في يناير/كانون الثاني 2023.
مهات بديلات
وفي بريطانيا، أظهرت البيانات تقدم 130 رجلًا بريطانيًا عازبًا بطلبات للحصول على صفة الأب القانونية لأطفال ولدوا في الخارج عبر ترتيبات تأجير الأرحام خلال الفترة بين 2019 و2025، مقابل 23 طلبًا فقط لترتيبات مماثلة باستخدام أمهات بديلات داخل المملكة المتحدة.
ويمنع القانون البريطاني تأجير الأرحام التجاري الذي يمنح المرأة مقابلًا يتجاوز تعويض النفقات، لكنه يسمح بترتيبات دولية، شريطة استصدار "أمر أبوي" يثبت موافقة الأم البديلة وينظم الوضع القانوني للطفل.
وأثارت هذه الأرقام انتقادات من ناشطين يرون فيها مؤشرًا على اتساع سوق دولية تستفيد من الفقر والحاجة الاقتصادية للنساء في دول أخرى، وتحول اختلاف القوانين بين البلدان إلى وسيلة للبحث عن أمهات بديلات خارج الحدود.
وتقود هيلين جيبسون، مؤسسة منظمة "سروجيسي كونسرن"، حملة للمطالبة بتجريم السعي إلى ترتيبات تأجير الأرحام في الخارج، ووصفت هذه التجارة بأنها "وحشية" و"تسوق دولي للأطفال"، محذرة من أن النساء في الدول الأجنبية قد لا يمتلكن القدرة الفعلية على التراجع عن القرار أو ممارسة حقوقهن المتعلقة بالأطفال.
وتعيد هذه القضايا فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين تأجير الأرحام كترتيب قانوني للإنجاب وبين استغلال النساء الأكثر فقرًا وضعفًا، خصوصًا عندما تتحول الحاجة الاقتصادية إلى عامل يدفع المرأة إلى الخضوع لإجراءات طبية وحمل وولادة مقابل المال، في سوق تتجاوز حدود الدول وتستفيد من تفاوت التشريعات والرقابة.