وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
أين هي المرجعية النسوية الفلسطينية المستقلة؟

 

رام الله-نساء FM- تطرح بروفيسور نهاية داوود الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء مرجعية نسوية فلسطينية مستقلة، قادرة على الدفاع عن حقوق النساء بعيدًا عن الحسابات الحزبية والشخصية، وضمان التعامل المهني والعادل مع قضاياهن.

في عام 2000، بادرتُ مع أربع ناشطات نسويات فلسطينيات أخريات، من جمعيات وأطر مختلفة، إلى تأسيس المجلس القطري للنساء الفلسطينيات في الداخل. وانطلق المجلس بعقد مؤتمره الأول في الناصرة، بمشاركة أكثر من 150 امرأة من الناشطات النسويات والأكاديميات، جئن من مختلف أنحاء البلاد، من الشمال مرورًا بالمثلث وحتى النقب.

لم يكن المؤتمر مجرد لقاء نسائي واسع، بل كان محاولة جدية لوضع أسس مشروع نسوي فلسطيني قطري ومستقل. ناقشت المشاركات الرؤية العامة للمجلس ووثيقته التأسيسية، وتمحورت أعمال المؤتمر حول قضايا أساسية، شملت المشاركة السياسية وتمثيل النساء في مواقع صنع القرار، وحقوق المرأة في التعليم والعمل والصحة، والحماية من العنف والتمييز، وقضايا التشريع والأحوال الشخصية، بما فيها حقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث.

وكان الهدف تنظيم النساء في جسم قطري جامع، قادر على تحويل هذه القضايا من مطالب متفرقة إلى أجندة نسوية جماعية لها حضور وتأثير في الحياة السياسية والمجتمعية.

انطلق المجلس من رؤية تعتبر أن التقدم الذي تحققه النساء في التعليم والعمل والمجالات المهنية لا يكفي، ما دامت المرأة بعيدة عن مواقع صنع القرار، وما دامت حقوقها خاضعة لموازين القوى السياسية والاجتماعية. فالتمثيل العددي للنساء في الأحزاب والمؤسسات السياسية ومواقع صنع القرار مهم وضروري، وهو بحد ذاته مؤشر على مدى حضور النساء في المجال العام، لكنه لا يكفي وحده. فالمشاركة السياسية الحقيقية تعني أيضًا قدرة النساء على التأثير في تحديد الأولويات وصنع القرارات، وعلى إدخال قضايا النساء وحقوقهن إلى صلب الأجندة السياسية.

كما انطلقنا من فهم أن قضايا المرأة والقضايا القومية والمجتمعية مترابطة ولا يمكن الفصل بينها، وأن حقوق النساء ومكانتهن ليست قضايا جانبية أو منفصلة عن قضايا مجتمعنا. فالمشاركة السياسية، والحق في التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي والصحة، والحماية من العنف والتمييز، كلها جزء من مشروع مجتمعي أوسع يسعى إلى العدالة والمساواة وصون الحقوق والكرامة.

ومن هنا جاءت الحاجة إلى جسم نسوي قطري مستقل وجامع، يضع قضايا النساء الفلسطينيات وحقوقهن في صلب الأجندة السياسية والمجتمعية، ويتحدث باسم هذه القضايا بعيدًا عن الحسابات الحزبية والشخصية.

لماذا نعود إلى هذا النقاش اليوم؟

بعد أكثر من ربع قرن، تعيد الأحداث التي تشهدها ساحتنا السياسية والمجتمعية طرح الحاجة إلى مثل هذا الإطار بصورة أكثر إلحاحًا.

لقد حققت النساء الفلسطينيات في الداخل إنجازات كبيرة في التعليم والعمل والأكاديميا والمهن المختلفة والمجتمع المدني، إلا أن هذا التقدم لم يتحول بالقدر نفسه إلى حضور سياسي نسوي مستقل ومنظم وقادر على التأثير.

ولا تكمن المشكلة فقط في عدد النساء داخل الأحزاب والهيئات السياسية ومواقع صنع القرار. زيادة تمثيل النساء ضرورة لا يمكن التقليل من أهميتها، لكن السؤال لا ينتهي عند العدد: ما مدى قدرة النساء داخل هذه الأطر على التأثير الفعلي وحمل أجندة نسوية مستقلة، خصوصًا عندما تتعارض قضايا النساء مع المصالح السياسية والحزبية، أو تصبح مصدرًا للإحراج داخل المؤسسة؟

كتبتُ قبل سنوات أن نساءنا، وتحت ضغط واقعنا السياسي والقومي المعقد، وضعن في أحيان كثيرة قضايا المجتمع وهمومه السياسية والقومية قبل قضايا المرأة ومساواتها الجندرية. وما زالت هذه المسألة تستوجب منا، نحن النساء، مراجعة جدية.

فالدفاع عن حقوق النساء لا يُختبر فقط عندما يكون الموقف سهلًا ولا تترتب عليه كلفة. الاختبار الحقيقي يأتي عندما تتصادم هذه الحقوق مع الولاء السياسي والحزبي، أو مع المكانة الاجتماعية والنفوذ، أو مع الرغبة في حماية صورة المؤسسة أو الجماعة.

 

عندما تصبح حقوق النساء غير مريحة سياسيًا

الأحداث التي تشهدها ساحتنا في هذه الأيام تكشف إشكالية أعمق في كيفية تعاملنا مع قضايا النساء، وخاصة مع وجود شهادات تتعلق بتجاوز الحدود الشخصية أو بالسلوك غير المرغوب فيه والتحرش.

ومن أصعب الاختبارات في مثل هذه الحالات أن يكون الشخص الذي تُثار حول سلوكه ادعاءات صديقًا أو زميلًا أو ناشطًا اجتماعيًا وسياسيًا معروفًا، له حضور عام ومبادرات ومواقف نقدّرها. فالعمل المجتمعي والسياسي الإيجابي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، كما أن معرفتنا الشخصية به أو تقديرنا لإسهاماته لا يشكلان دليلًا على أن سلوكًا متحرشًا لا يمكن أن يصدر عنه. علينا أن نكون قادرين على الفصل بين تقييمنا لإسهامات الإنسان في المجال العام وبين التعامل الجدي مع ما تقوله النساء عن تجاربهن معه.

وفي الوقت نفسه، فإن الاستماع إلى النساء وأخذ شهاداتهن بجدية لا يعني الإدانة المسبقة لأي شخص، تمامًا كما أن ضمان حق الشخص الذي تُوجَّه إليه ادعاءات في الدفاع عن نفسه لا يعني إسكات النساء أو التشكيك بهن تلقائيًا.

هناك فرق بين المسؤولية الجنائية التي تفصل فيها المحاكم وفق القانون وقواعد الإثبات، وبين المسؤولية الأخلاقية والسياسية والمؤسسية. وغياب شكوى رسمية أو حكم قضائي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإلغاء صوت المرأة أو تجربتها.

مؤسساتنا السياسية والأطر الحزبية ليست محاكم، لكنها ليست معفاة من المسؤولية. تقع عليها مسؤولية توفير بيئة آمنة للنساء، ووضع آليات واضحة ومستقلة ومهنية للتعامل مع شكاوى التحرش والعنف الجندري والسلوك غير اللائق، بما يحمي النساء ويضمن، في الوقت ذاته، حقوق جميع الأطراف وإجراءً عادلًا.

وما نشهده اليوم يكشف حجم النقص في هذه الآليات. ففي غيابها، تتحول قضايا النساء إلى سجالات سياسية وإعلامية، وينقسم النقاش سريعًا بين الدفاع والاتهام، والتصديق والتشكيك، بينما تتراجع القضية الأساسية إلى الخلف: حق النساء في الأمان والكرامة، وفي أن يُسمع صوتهن بجدية.

غياب الصوت النسوي الفلسطيني الجامع

 

وسط هذا الجدل، يبرز غياب مرجعية نسوية فلسطينية قطرية ومستقلة، قادرة على التعامل مع قضايا النساء وفق معايير مهنية وثابتة، لا تتغير بحسب هوية الأشخاص أو مواقعهم أو انتماءاتهم السياسية.

 

فالحقوق لا يمكن أن تكون انتقائية. لا يمكن الدفاع عن حق امرأة في الكلام عندما يتعلق الأمر بخصم سياسي، ثم التردد عندما تصبح القضية مرتبطة بشخص قريب منا سياسيًا أو اجتماعيًا أو شخصيًا. فالقرابة السياسية أو الصداقة أو التاريخ النضالي والاجتماعي لا يمكن أن تكون معيارًا لتصديق النساء أو عدم تصديقهن، ولا مبررًا لتجاهل ما يقلنه. وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الدفاع عن النساء إلى إدانة مسبقة لأي إنسان من دون فحص مسؤول وعادل.

المعيار المطلوب واضح: الاستماع الجدي إلى النساء، وحمايتهن من الترهيب والتشهير، والتعامل المهني والمستقل مع ما يطرحنه، وضمان حقوق جميع الأطراف.

وهنا تقع علينا، نحن النساء، مسؤولية أيضًا. فالانتماءات الحزبية والمصالح الشخصية والتنافس على المواقع، وكذلك علاقات الصداقة والقرب، لا ينبغي أن تكون أقوى من قدرتنا على بناء موقف نسوي مشترك عندما يتعلق الأمر بحقوق النساء وكرامتهن وأمنهن.

نحو مرجعية نسوية فلسطينية مستقلة

الأحداث الحالية تعيد التأكيد على أهمية وجود جسم نسوي قطري مستقل وذي شرعية، يضم ناشطات نسويات وأكاديميات ومتخصصات في قضايا المرأة والمساواة الجندرية والقانون والعمل الاجتماعي وعلم النفس والصحة والتعليم والعمل، إلى جانب نساء من المجتمع المدني والعمل السياسي والحكم المحلي.

وجود مثل هذا الإطار يوفر للنساء عنوانًا واضحًا يمكن التوجه إليه، ويسمح بالتعامل مع قضايا التحرش والعنف الجندري بمهنية واستقلالية، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والشخصية، مع حماية النساء وضمان حقوق جميع الأطراف. وغيابه ليس مسألة تنظيمية هامشية، بل فراغ سياسي ونسوي حقيقي يظهر كلما واجه مجتمعنا قضية تمس حقوق النساء وكرامتهن.

بعد أكثر من ربع قرن على مؤتمر الناصرة، لم يعد السؤال الأساسي لماذا لم يستمر المجلس، وإنما كيف يمكن اليوم إعادة بناء إطار نسوي قطري مستقل يتلاءم مع واقع النساء الفلسطينيات الحالي. فقد تغير مجتمعنا، وتغيرت أوضاع النساء، وظهرت أجيال جديدة من الناشطات والأكاديميات والمهنيات والقياديات.

المطلوب ليس جسمًا يصدر بيانًا عند كل أزمة، بل إطار دائم يعمل على حماية حقوق النساء، ووضع معايير واضحة للمساءلة، وتعزيز مشاركتهن وتمثيلهن في مواقع صنع القرار، ومساءلة المؤسسات السياسية والمجتمعية عن سياساتها وممارساتها تجاه النساء.

قبل أكثر من ربع قرن، بدأنا محاولة لبناء هذا الإطار. واليوم تعيد الأحداث الراهنة هذه الحاجة إلى الواجهة. حقوق النساء لا ينبغي أن تخضع للحسابات السياسية أو للعلاقات الشخصية، وكرامتهن ليست موضع مساومة. وما نحتاجه اليوم هو مرجعية نسوية فلسطينية مستقلة ومنظمة، تجمع أجيالًا مختلفة من النساء الفلسطينيات، وتعمل على ترسيخ حقوقهن في صلب الأجندة السياسية والاجتماعية لمجتمعنا.

نهاية داوود