أم تكافح 8 سنوات لإثبات نسب ابنتها المولودة من اغتصاب.. وحكم قضائي مصري يفتح باباً جديداً لحماية حقوق الطفل
رام الله-نساء FM-بعد ثماني سنوات من المعاناة أمام المحاكم، حصلت المصرية أمل عبد الحميد على حكم قضائي يثبت نسب طفلتها إلى الرجل الذي أُدين باغتصابها، في سابقة قضائية وصفها محامون بأنها الأولى من نوعها في مصر، فيما تأمل الأم أن يفتح الحكم الطريق أمام حصول ابنتها على أوراقها الرسمية والالتحاق بالمدرسة.
وتعود القضية إلى عام 2018، عندما تعرضت أمل، وكانت تبلغ 18 عاماً، للاغتصاب، ما أدى إلى حملها وولادة طفلة. ومنذ ولادتها واجهت الطفلة صعوبات في الحصول على شهادة ميلاد تثبت نسبها إلى والدها، الأمر الذي حرمها من بعض الخدمات والحقوق الأساسية، بينها التعليم الرسمي.
وخاضت أمل على مدار سنوات معركة قانونية لإثبات نسب ابنتها، بعدما أظهرت تحاليل البصمة الوراثية أن الرجل المتهم هو والد الطفلة. وفي عام 2022، انتهت القضية الجنائية إلى إدانة الرجل والحكم عليه بالحبس سنة مع الشغل، بعد أن كانت محاكم أدنى قد قضت ببراءته، قبل أن تطعن النيابة العامة في الحكم أمام محكمة النقض.
لكن إثبات الأبوة عبر الفحص الجيني لم يكن كافياً لحسم مسألة النسب رسمياً، في ظل قانون الأحوال الشخصية المصري الذي يربط إثبات النسب بالزواج، لتنتقل القضية إلى مسار قضائي آخر لإثبات نسب الطفلة.
وفي مايو/أيار 2026، أصدرت محكمة استئناف المنصورة، الدائرة 21 شرعي، حكماً لصالح أمل في الاستئناف رقم 9829 لسنة 75 قضائية أسرة، يقضي بإثبات نسب الطفلة إلى والدها البيولوجي استناداً إلى البصمة الوراثية. ووصف محامون الحكم بأنه سابقة قضائية مهمة، خاصة أنه يتعلق بطفلة ولدت نتيجة جريمة اغتصاب.
وجاء الحكم بعد فتوى صدرت في فبراير/شباط 2026 عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أجازت، بحسب ما أوردته رويترز، الاستناد في قضية ابنة أمل إلى اختبار الحمض النووي وحكم الإدانة بالاغتصاب لإثبات الأبوة.
ويرى محامي أمل أن الفتوى والحكم القضائي قد يفتحان الباب أمام مراجعة بعض الأحكام المرتبطة بإثبات النسب في قانون الأحوال الشخصية، الذي يناقش البرلمان تعديلات عليه، لكنه أكد أن الحكم لا يعني تغيير القواعد القانونية لجميع الحالات المماثلة، لعدم وجود نص تشريعي صريح ومنظم لهذه الحالات.
وفي حديثه لـ"نساء إف إم"، قال الداعية والمفكر الإسلامي الدكتور ماجد صقر إن قضية إثبات النسب يجب أن تُقرأ من زاوية مصلحة الطفل، مشيراً إلى حديث النبي "الولد للفراش"، ومؤكداً أن هذا الحديث يتعلق بحالة وجود زواج، ولا ينطبق بالضرورة على حالة طفلة ولدت نتيجة اغتصاب لامرأة غير متزوجة.
وأوضح صقر أن العلماء اختلفوا بشأن نسب الطفل المولود خارج إطار الزواج، مشيراً إلى أن غالبية الفقهاء لا يؤيدون نسبته إلى الأب البيولوجي، لكنه لفت إلى وجود آراء فقهية، منها رأي ابن تيمية، تجيز في حالات معينة نسبة الطفل إلى والده البيولوجي، كما أشار إلى رأي عند أبي حنيفة في حال زواج الرجل بالمرأة قبل ولادة الطفل ونسبه إليه.
وقال صقر إنه يؤيد إثبات نسب الطفل إلى والده البيولوجي في حالات الاغتصاب، حتى إن لم تكن هناك علاقة زوجية، انطلاقاً من مصلحة الطفل، معتبراً أن نسبته إلى أبيه قد توفر له بيئة أسرية وحقوقاً مادية واجتماعية، مثل النفقة والرعاية والاستقرار، بدلاً من تحميله تبعات جريمة لم يرتكبها.
وأضاف أن المجتمع، خصوصاً في البيئات العربية، قد ينظر إلى الطفل من زاوية ظروف ولادته، الأمر الذي قد يؤدي إلى أضرار نفسية واجتماعية، مؤكداً أن الأصل هو حماية الطرف الأضعف، وهو الطفل، وكذلك المرأة التي تعرضت للاغتصاب.
وأشار صقر إلى أن مسألة النسب تحتاج إلى دراسة جماعية من المجامع الفقهية والجهات القضائية والتشريعية، معتبراً أن عدم وجود نص شرعي صريح يمنع إثبات النسب في هذه الحالة يتيح مجالاً للاجتهاد بما يحقق مصلحة الطفل، داعياً في الوقت ذاته إلى تطوير القوانين التي تعود في بعض جوانبها إلى عقود سابقة.
وأكد أن تطور المجتمع يفرض مراجعة التشريعات، مشيراً إلى أن الدين صالح لكل زمان ومكان، وأن الآراء الفقهية قابلة للاجتهاد والتطوير عندما لا يوجد نص قطعي يمنع ذلك. كما شدد على ضرورة وجود مجلس تشريعي ومجالس قضائية قادرة على دراسة مثل هذه القضايا وإيجاد حلول قانونية تخفف عن الضحايا.
وشدد صقر على ضرورة الجمع بين حماية الطفل ومعاقبة مرتكب الجريمة، داعياً إلى فرض عقوبات رادعة على المغتصبين وعدم اعتبار إثبات نسب الطفل نوعاً من التكريم لمرتكب الجريمة، وإنما إجراءً هدفه حماية الطفل وضمان حقوقه.
كما دعا إلى تنظيم ندوات وبرامج توعوية تسبق أي تغيير تشريعي، مؤكداً أن تعديل القوانين يحتاج إلى تهيئة مجتمعية وفهم واضح لأهدافه وآثاره.
ولم تقتصر معركة أمل على أروقة المحاكم، إذ لجأت إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للحديث عن قضيتها، رغم الانتقادات التي تعرضت لها، معتبرة أن الظهور الإعلامي ساهم في إعادة قضيتها إلى دائرة الاهتمام العام. وكانت القضية قد حظيت بتغطية إعلامية مصرية منذ سنوات، خصوصاً بعد إثبات البصمة الوراثية عام 2020 أن الطفلة ابنة الرجل الذي اتهمته أمل باغتصابها.
أما اليوم، وبعد صدور الحكم، فتأمل أمل أن يتحول القرار القضائي إلى أوراق رسمية تتيح لابنتها ممارسة حياتها بشكل طبيعي، خاصة مع اقتراب العام الدراسي. فالطفلة، التي تبلغ نحو ثماني سنوات، كانت تذهب إلى المدرسة، لكنها لم تكن قادرة على دخول الامتحانات بصورة رسمية، وفق ما نقلته رويترز.
وتقول الهيئة العامة للاستعلامات، بحسب رويترز، إن الدولة تولي أهمية لحماية حقوق الطفل، بما في ذلك حقه في إثبات هويته ونسبه، وألا يتحمل الطفل تبعات قانونية أو اجتماعية لجريمة ارتكبها شخص آخر.
وبذلك، لا تختصر قضية أمل في إثبات علاقة بيولوجية بين طفلة ووالدها، بل تفتح نقاشاً أوسع حول حدود القانون والفقه، ودور الدولة والمجتمع في حماية الأطفال والنساء ضحايا الاغتصاب، وما إذا كان الحكم القضائي والفتوى الدينية سيمهدان لتغيير تشريعي يضمن ألا يدفع الطفل ثمن جريمة لم يرتكبها.
الاستماع الى اللقاء :