وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
"محققات": تمثيل النساء في الإعلام.. "الحضور" لا يكفي إذا غابت المساواة !


رام الله – نساء FM-  لا يكفي أن تحضر النساء في وسائل الإعلام حتى يكون تمثيلهن عادلاً؛ فطبيعة الأدوار التي تمنح لهن، ونوعية الأسئلة التي تطرح عليهن، والمساحات التي يحصلن عليها، تكشف استمرار أنماط نمطية تحصر المرأة في أدوار محددة، فيما تُمنح للرجال مساحات أوسع للتحليل وصناعة الرأي وقراءة المشهد السياسي والمستقبلي.

جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامج "محققات" الذي تقدمه إذاعة نساء إف إم، ضمن مشروع "محققات" الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم وحاضنة نساء الإعلامية، بدعم وتمويل من CFI تطوير وسائل الإعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية، والتي ناقشت تمثيل النساء في المحتوى الإعلامي، بمشاركة الناشطة النسوية رتيبة النتشة، والمحاضرة في كلية الإعلام بالجامعة العربية الأمريكية د. سبأ عليان.

وانتقدت النتشة استمرار الصورة النمطية للنساء في التغطيات الإعلامية، مشيرة إلى أن المرأة غالباً ما تظهر بوصفها ضحية أو متحدثة عن المعاناة والوضع الإنساني، بينما يُنظر إلى الرجل باعتباره مصدراً للتحليل السياسي والاستراتيجي وقراءة المستقبل.

وقالت النتشة: "أنا عانيت كتير على فكرة وقاطعت كتير من حتى المحطات الفضائية"، موضحة أن بعض البرامج تستضيف عدداً من الرجال إلى جانب امرأة واحدة، ثم توجه للرجال أسئلة تتعلق بـ"الرؤية السياسية، والتحليل السياسي، والتحليل المستقبلي بشكل أساسي وقراءة المستقبل"، فيما يقتصر السؤال الموجه للمرأة على: «كيف الوضع الإنساني؟".

وأضافت أن هذا النمط من التغطية يوحي وكأن النساء "فقط مختصين في الوضع الإنساني"، أو أن دورهن يقتصر على الحديث عن المعاناة، في حين يُمنح الرجال دور تفسير الأحداث وتحليلها واستشراف ما يمكن أن يحدث مستقبلاً.

وترى النتشة أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد النساء اللواتي تستضيفهن وسائل الإعلام، وإنما بالصورة التي تقدم بها المرأة وبالمساحة المعرفية والسياسية التي تمنح لها، مؤكدة أهمية التعامل مع النساء باعتبارهن صاحبات خبرة ورأي وقدرة على التحليل وصناعة القرار.

من جهتها، أكدت د. سبأ عليان أن قياس التمثيل النسائي في الإعلام لا يمكن أن يعتمد على الأرقام وحدها، موضحة أن السؤال الأهم هو: كيف تظهر النساء؟ وما الأدوار التي يمنحنها؟ وفي أي سياق يتم تقديمهن؟

وقالت إن وجود عدد كبير من النساء في المحتوى الإعلامي لا يعني بالضرورة تحقيق تمثيل عادل، إذا ظل حضورهن محصوراً في أدوار مثل الأم أو الزوجة أو الضحية، بينما تُمنح الأدوار القيادية والتحليلية والخبرات المتخصصة للرجال.

وشددت عليان على ضرورة أن تظهر النساء في الإعلام بوصفهن خبيرات، وصاحبات قرار، وباحثات، وأكاديميات، وصحفيات، وطبيبات، وقياديات وصاحبات مشاريع، إلى جانب أدوارهن الاجتماعية والعائلية.

وأشارت إلى أن مسؤولية معالجة هذه الإشكالية تبدأ من المؤسسات الإعلامية، وتمتد إلى كليات الإعلام، التي يتعين عليها تدريب الطلبة على مراعاة قضايا النوع الاجتماعي في مختلف مراحل العمل الصحفي، بدءاً من اختيار المصادر والضيوف، مروراً بصياغة الأسئلة واللغة والصورة، وصولاً إلى إنتاج المحتوى الرقمي.

وأكدت أن الوعي بالنوع الاجتماعي لا ينبغي أن يطرح باعتباره موضوعاً منفصلاً في التعليم الإعلامي، بل يجب أن يكون جزءاً من مختلف المساقات والممارسات الصحفية.

وفي جانب آخر من الحلقة، ناقشت النتشة تغطية قضايا العنف ضد النساء، محذرة من أن بعض التغطيات قد تتحول من نقل القضية إلى إعادة إنتاج الأذى الواقع على الضحية، خصوصاً عندما تركز على سلوك المرأة أو تبحث عن مبررات لتصرف المعتدي، بدلاً من مساءلته والبحث في الظروف التي سمحت بوقوع العنف.

وأشارت إلى أن التغطية الإعلامية غالباً ما تركز على النتائج النهائية للعنف، مثل قتل النساء، بينما لا تحظى أشكال أخرى من العنف، كالعنف الاقتصادي والنفسي والجسدي والابتزاز والضرب المتكرر، بالاهتمام نفسه، رغم إمكانية أن تشكل مراحل متقدمة في مسار العنف.

ويخلص النقاش إلى أن التمثيل العادل للنساء في الإعلام لا يرتبط بمجرد زيادة عددهن أمام الكاميرا أو في صفحات الأخبار، بل بإعادة النظر في من يتم اختياره مصدراً، وما الأسئلة التي تطرح عليه، وما المساحة التي تمنح له، والدور الذي يُسند إليه في صناعة المحتوى.

فالمرأة في الإعلام ليست فقط ضحية تروي معاناتها، ولا قصة إنسانية تستدعي التعاطف؛ بل هي أيضاً خبيرة ومحللة وصاحبة قرار وباحثة وصانعة تغيير، ومن حقها أن تحصل على مساحة حقيقية للتعبير عن رؤيتها وتحليل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقراءة المستقبل.