هل تحولت حفلات الطلاق إلى موضة جديدة؟ وما الرسائل النفسية والاجتماعية خلفها؟
رام الله - نساء fm من مشاركة لحظة الارتباط وتوثيق بدايات الزواج، إلى تصوير لحظة الانفصال عبر قوالب الحلوى والبالونات والعبارات التذكارية، ظهرت خلال الفترة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تعرف بـ"حفلات الطلاق"، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول دوافعها وتأثيراتها النفسية والاجتماعية.
فبينما يرى البعض فيها تعبيرًا عن التحرر وبداية حياة جديدة بعد تجربة زواج مؤلمة، يرى آخرون أنها قد تكون انعكاسًا لتأثير السوشال ميديا التي حولت لحظات شخصية وحساسة إلى محتوى يبحث عن التفاعل والمشاهدات.
وأوضحت المحاضرة في الصحة النفسية بجامعة القدس، الدكتورة نجاح الخطيب خلال حديثها لنساء اف ام ، أن تفسير هذه الظاهرة يرتبط بعدة جوانب نفسية واجتماعية، مشيرة إلى أن بعض النساء قد ينظرن إلى الطلاق باعتباره نهاية لمرحلة مليئة بالألم والمعاناة والضغوط، خاصة عندما يكون الزواج قد حمل أعباء كبيرة من مسؤوليات منزلية واجتماعية ونفسية.
وتقول الخطيب إن بعض النساء قد يشعرن بعد الطلاق بأنهن استعدن جزءًا من حياتهن التي فقدنها، مثل القدرة على الخروج، أو التواصل مع الأهل والصديقات، وممارسة اهتماماتهن بحرية، لذلك قد يتحول الاحتفال إلى تعبير عن الشعور بالراحة بعد الخروج من علاقة كانت مرهقة.
لكنها تؤكد أن هذه الصورة لا تنطبق على جميع المطلقات، موضحة أن الطلاق تجربة مختلفة من شخص لآخر، وأن الحديث عن أن كل من ينفصل يحتفل هو مبالغة، إذ ترتبط هذه السلوكيات بفئات أو ظروف اجتماعية معينة، تكون فيها الأسرة والمحيط أكثر تقبلًا لفكرة الطلاق.
وترى الخطيب أن بعض حفلات الطلاق قد تكون رسالة موجهة للطرف الآخر أو لعائلته أو للمجتمع، بهدف إظهار أن المرأة أصبحت حرة وقادرة على مواصلة حياتها، وأنها تجاوزت الألم الذي تعرضت له. لكنها تشير إلى أن نشر هذه الرسائل عبر مواقع التواصل قد يحول التجربة الشخصية إلى محاولة لإثبات السعادة أمام الآخرين.
وحول الفرق بين التعافي الحقيقي بعد الطلاق وبين إظهار السعادة، توضح الخطيب أن الاحتفال لا يعني بالضرورة انتهاء الألم أو حدوث الشفاء النفسي، مشيرة إلى أن هذه اللحظات قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالفرح أو الارتياح، لكنها لا تعالج آثار تجربة طويلة قد تكون مليئة بالصعوبات.
وتضيف أن التعافي يحتاج إلى وقت، خصوصًا في حالات الزواج الطويلة أو التي تتضمن أطفالًا ومشكلات متعلقة بالحضانة والنفقة والحقوق والقضايا القانونية، مبينة أن كثيرًا من النساء قد يحصلن على أحكام قضائية لكن تبقى عملية تحصيل الحقوق مستمرة لسنوات.
وتشير إلى أن المرأة بعد الطلاق قد تجد نفسها أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، فبعد انتهاء العلاقة الزوجية تبدأ مواجهة ملفات أخرى مرتبطة بالأبناء والحقوق والالتزامات، ما يجعل التعافي عملية متدرجة وليست قرارًا يحدث بمجرد إعلان الانفصال.
كما لفتت الخطيب إلى أن بعض النساء يخرجن من زيجات صعبة محملات بصدمات نفسية نتيجة التعرض للألم أو الحرمان أو العنف أو القيود الاجتماعية، مثل عدم القدرة على التعلم أو العمل أو ممارسة حياتهن الطبيعية، مؤكدة أن تجاوز هذه التجارب يحتاج إلى معالجة نفسية ودعم حقيقي.
وحول تأثير حفلات الطلاق على الأبناء، حذرت الخطيب من أن نشر مظاهر الفرح بالانفصال قد يكون مربكًا للأطفال، خاصة في أعمار السابعة والثامنة وما فوق، والمراهقين بشكل خاص، لأن الطفل قد يفسر الأمر على أنه تقليل من قيمة سنوات الحياة المشتركة أو من مشاعر الأسرة التي عاش معها.
وأوضحت أن المراهقين في مرحلة بناء الهوية قد يشعرون بالإحراج أو الحيرة عند رؤية أحد الوالدين يحتفل بالطلاق، في الوقت الذي يكون فيه الطلاق بالنسبة لهم فقدانًا للاستقرار وتغيرًا كبيرًا في حياتهم.
وأكدت الخطيب أن الطلاق ليس انتصارًا لطرف وهزيمة للطرف الآخر، حتى عندما يكون أحد الطرفين أكثر تسببًا في المشكلة، لأن العلاقات الزوجية غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل بين طرفين، وأن التعامل مع نهايتها يحتاج إلى مسؤولية ووعي، خاصة تجاه الأبناء.
وترى الخطيب أن حفلات الطلاق لا يمكن اعتبارها ظاهرة واسعة بالضرورة، لكنها أصبحت أكثر ظهورًا بسبب انتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي، داعية إلى التمييز بين التعبير عن بداية جديدة وبين تحويل تجربة إنسانية مؤلمة إلى مجرد محتوى للعرض.
وتخلص إلى أن الحرية بعد الطلاق لا تقاس بحفلة أو صورة منشورة، وإنما بقدرة الشخص على تجاوز الماضي، واستعادة توازنه النفسي، وبناء حياة مستقرة بعيدًا عن الألم والتجارب السابقة.