نحو نقاش مسؤول حول تمثيل النساء والمساءلة الأخلاقية في مجتمع مستعمَر
الناصرة-نساء FM- بقلم أريج صبّاغ-خوري -يواجه مجتمعنا الفلسطيني في الداخل تحديات سياسية واجتماعية ووطنية مركبة ومعقدة. فمن جهة، نحن نعيش تحت نظام كولونيالي استيطاني يسعى إلى محونا وتفكيك مجتمعنا وإضعاف بناه السياسية والاجتماعية والأخلاقية. ومن جهة أخرى، نواجه أزمات داخلية تتعلق بالعنف والجريمة، والتفكك الاجتماعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقيادات السياسية، وتآكل المجال العام. ويواجه شعبنا في غزة الإبادة، وفي الضفة الغربية والقدس الاقتلاع والتطهير العرقي. وفي قلب هذه التحديات تبرز مسألة مكانة النساء وتمثيلهن في الأحزاب السياسية ولجنة المتابعة والمجال السياسي العام، ليس بوصفها قضية "فئوية" أو هامشية، بل باعتبارها سؤالًا أساسيًا يتعلق بطبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، وشكل الحياة السياسية والأخلاقية التي نسعى إليها.
إن النقاش حول تمثيل النساء لا يمكن اختزاله في الأرقام أو نظام الحصص، "الكوتا"، فقط، رغم أهمية هذه الأدوات في تصحيح الاختلالات البنيوية التاريخية داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية. فوجود النساء في المواقع القيادية أو في القوائم الانتخابية، لا يعني بالضرورة أن المجال السياسي أصبح أكثر عدالة أو أمانًا أو ديمقراطية. إن القضية الأعمق تتعلق بطبيعة الثقافة السياسية نفسها، وبشكل الفضاء العام الذي ننتجه ونعيد إنتاجه يوميًا: هل هو فضاء يعترف بالنساء كفاعلات سياسيات كاملات، لا كرموز تجميلية أو إضافات شكلية؟ وهل يتيح لهن المشاركة والتأثير وصنع القرار دون خوف من الإقصاء أو التهميش أو العنف الرمزي والاجتماعي؟ وهل يؤخذ العمل السياسي والمجتمعي الذي راكمته النساء الفلسطينيات، وتجاربهن وشهاداتهن ومعاناتهن، على محمل الجد؟
والسؤال المركزي والعميق ليس: "هل تم اختيار النساء أم لا؟". فغالبًا ما نكون أمام حلقة مفرغة تُنتج فيها البيئة الأبوية عددًا أقل من النساء المرشحات منذ البداية، وبالتالي يكون هناك عدد أقل من النساء للاختيار من بينهن. وعليه، فإن حقيقة اختيار رجل في المراتب التي ترشحت لها النساء بدلًا من انتخاب امرأة، لا تعني بالضرورة أن التصويت كان مدفوعًا بدوافع أبوية مباشرة، بل قد تعكس أيضًا اختلالًا سابقًا في بنية الترشيح نفسها، حيث يكون عدد الرجال المرشحين أكبر من عدد النساء المرشحات. ومن هنا تبرز أهمية "الكوتا" بوصفها أداة تصحيحية بالغة الأهمية، ليس لأن النساء غير قادرات على الترشح بقواهن الذاتية، أو لأن من الواجب تفضيل امرأة أقل كفاءة على رجل أكثر موهبة، بل لأن ضمان وجود النساء حول طاولة صنع القرار يساهم في كسر الحلقة المفرغة، ويخلق شروطًا مؤسساتية وسياسية تُشجّع مزيدًا من النساء على خوض العمل العام والترشح، وبالتالي توسيع قاعدة الاختيار وإنتاج تمثيل أكثر عدالة وتنوعًا في المستقبل؛ وهي عملية لا يمكن أن تتحقق من تلقاء نفسها، بل تتطلب من الأحزاب السياسية العربية أن تضطلع بدور قيادي ومركزي في تفكيك العوائق البنيوية أمام مشاركة النساء، وإعادة إنتاج النخب السياسية على أسس أكثر مساواة وشمولًا.
لم تكن المرأة الفلسطينية هامشية يومًا في تاريخنا الوطني والاجتماعي. فمنذ النكبة، وفي ظل التهجير والتفكك ومحاولات محو المجتمع الفلسطيني، لعبت النساء دورًا مركزيًا في الحفاظ على العائلة والمجتمع والذاكرة الجماعية. لقد حملن أعباء البقاء اليومي، وحافظن على شبكات الحياة الاجتماعية والتعليم والعمل الأهلي، وفي الوقت ذاته كنّ جزءًا فاعلًا من النشاط السياسي والتنظيمي والنقابي والطلابي. وفي الداخل الفلسطيني تحديدًا، ساهمت النساء في بناء المؤسسات المجتمعية، وفي النضال ضد الحكم العسكري، وفي الدفاع عن الأرض والهوية والتعليم والعمل، رغم القيود الاجتماعية والسياسية المركبة التي واجهنها وما زلنا نواجهها.
ومع ذلك، فإن هذا الحضور التاريخي لم ينعكس دائمًا بصورة عادلة داخل البنى السياسية الرسمية. ففي كثير من الأحيان، تم التعامل مع النساء بوصفهن داعمات للنضال الوطني، لا شريكات كاملات في تعريف أولوياته وصياغة خطابه واتخاذ قراراته. كما جرى أحيانًا اختزال دور المرأة في التضحية أو الصمود الاجتماعي، دون الاعتراف الكافي بكونها منتجة للمعرفة والسياسة والفعل الجماعي.
لذلك، فإن السؤال اليوم لا يتعلق فقط بكم امرأة توجد داخل هذا الحزب أو ذاك، أو داخل لجنة المتابعة أو السلطات المحلية، بل أيضًا: ما طبيعة البيئة السياسية التي تدخلها النساء؟ هل هي بيئة تصغي إليهن وتحترم خبراتهن ورؤيتهن؟ وهل تسمح لهن بالمشاركة الحرة دون الحاجة المستمرة لإثبات شرعيتهن السياسية أو المجتمعية؟ وهل تتعامل مع قضايا النوع الاجتماعي والعنف والتحرش بوصفها قضايا مجتمعية وسياسية حقيقية، لا "قضايا جانبية" يمكن تأجيلها باسم الأولويات الوطنية؟
تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عندما تظهر اتهامات اجتماعية تتعلق بالتحرش أو العنف الجنسي بحق شخصيات عامة أو مرشحين منتخبين، حتى في غياب إدانات قضائية. وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى العدالة والتحرر أن يتعامل مع هذه القضايا بحساسية ومسؤولية، دون الوقوع في منطق التشهير والمحاكمات الميدانية، ولكن أيضًا دون إعادة إنتاج ثقافة الإنكار والصمت التي طالما همّشت شهادات النساء، وقللت من خطورة العنف الجنسي أو التحرش؟
لقد علمتنا التجارب النسوية، بما فيها النسويات العربيات والفلسطينيات، أن الصمت ليس حيادًا. ففي كثير من الأحيان، كانت النساء تُجبر على الصمت خوفًا من الوصمة الاجتماعية، أو خوفًا على العائلة، أو خشية أن تُتهم بأنها "تسيء إلى القضية الوطنية"، أو خوفا من عدم تصديقها على ضوء القوة الاجتماعية والسياسية للمتحرشين. وفي مجتمعات مستعمَرة مثل مجتمعنا، تتضاعف هذه الإشكالية، لأن النساء يُطلب منهن باستمرار تأجيل قضاياهن "إلى ما بعد التحرر الوطني"، وكأن العدالة يمكن أن تكون مجزأة أو مؤجلة.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا التعامل مع الاتهامات الاجتماعية بمنطق الإدانة الفورية أو الإلغاء الاجتماعي الكامل، خاصة في ظل غياب آليات مهنية وعادلة وواضحة للمحاسبة داخل مؤسساتنا السياسية والمجتمعية. فالمجتمع الذي يريد بناء ثقافة عدالة، لا يمكن أن يستبدل غياب العدالة الرسمية بفوضى الاتهامات أو التشهير أو الاستقطاب الأخلاقي. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في إدانة العنف أو التحرش، بل في بناء مؤسسات وآليات قادرة على التعامل مع هذه القضايا بمهنية وحساسية وعدالة.
وهنا يمكن الاستفادة من مقاربات نقدية حديثة، مثل نظريات الاعتراف والعدالة التصالحية، التي لا تركز فقط على العقاب، بل على إعادة بناء الثقة المجتمعية، وخلق فضاءات آمنة للاستماع والإنصاف والإصلاح. فالمجتمع المستعمَر لا يملك ترف تدمير ذاته من الداخل، لكنه أيضًا لا يستطيع الاستمرار بتجاهل أشكال العنف والتمييز التي تضعف نسيجه الاجتماعي والسياسي.
إن وجود منتخبين أو شخصيات عامة تواجههم اتهامات اجتماعية يضعنا أمام مسؤولية جماعية، لا فردية فقط. فالسؤال ليس فقط عن الشخص المتهم، بل عن طبيعة البنية السياسية والاجتماعية التي تسمح بتراكم الصمت، أو بغياب آليات المساءلة، أو بتهميش النساء داخل المؤسسات ومواقع صنع القرار.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بغياب آليات المساءلة، أو بقصور الإجراءات الداخلية للأحزاب والمؤسسات. فوجود شخصيات عامة متهمة بالتحرش أو العنف الجندري في مواقع القيادة، يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمن يملك الشرعية الأخلاقية في المجال العام. إن تنصيب شخص تحوم حوله اتهامات اجتماعية في موقع قيادي لا يُقرأ فقط بوصفه قرارًا تنظيميًا أو انتخابيًا، بل باعتباره رسالة اجتماعية ضمنية مفادها أن سلامة النساء وتجاربهن يمكن تأجيلها، أو التقليل من شأنها لصالح اعتبارات سياسية أخرى. وهو ما ينتج قبولًا عامًا، ولو ضمنيًا، بأنماط الهيمنة الذكورية والعنف الرمزي.
ومن هنا، يبرز مطلب نسوي أكثر جذرية: ليس فقط تعزيز تمثيل النساء داخل مؤسسة بعينها، بل بناء قيادة نسوية في المجال الاجتماعي العام تتمتع بشرعية أخلاقية، وقدرة على ترجيح المواقف العامة وإعادة تعريف معايير الثقة والقبول السياسي. فوجود هذه القيادة يخلق بصورة تلقائية فضاءات أكثر أمانًا للنساء، ويجعل من قضايا العنف والتحرش معيارًا لتقييم الشرعية السياسية ذاتها. وفي المقابل، فإن حجب الثقة عن المبادرات أو المؤسسات التي تتجاهل هذه القضايا، ودعم المبادرات التي تلتزم بمركزية العدالة الجندرية، يمثّلان شكلًا من أشكال الشحن الاجتماعي المضاد، والضغط الأخلاقي الضروري لإحداث تحول ثقافي وسياسي أوسع.
لذلك، فإن المطلوب لا يقتصر على ردود فعل آنية أو مواقف ظرفية تُتخذ تحت ضغط الرأي العام، بل يستدعي نقاشًا أعمق حول كيفية بناء مؤسسات سياسية أكثر عدالة وحساسية جندرية، قادرة على الوقاية والمساءلة والتعامل مع الأزمات بطريقة شفافة ومسؤولة.
وصحيح أن مسألة تطوير آليات داخلية للتعامل مع قضايا التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي، أو مع السلوكيات التي تمس الكرامة الإنسانية، ما تزال موضع نقاش وجدال واسع داخل الأحزاب، بما في ذلك الأحزاب الاشتراكية والتقدمية التي خاضت تجارب متفاوتة في هذا المجال، وأن هذه الآليات ليست وصفات جاهزة أو خالية من التحديات، بل تثير أسئلة تتعلق بالخصوصية، والعدالة الإجرائية، وافتراض البراءة، ومنع التسييس أو الاستغلال. إلا أن غياب هذه الآليات لا يعني حيادًا، بل غالبًا ما يفضي إلى إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة وإدامة الصمت والخوف والتهميش. ومن هنا، فإن تطوير أطر مؤسساتية واضحة وشفافة للمساءلة والحماية يصبح جزءًا لا يتجزأ من عملية بناء ثقافة سياسية ديمقراطية، تقوم على الثقة والمساواة والكرامة الإنسانية. وتشمل هذه الأطر:
-وضع مدونات سلوك أخلاقية واضحة.
-إنشاء لجان مهنية مستقلة للاستماع إلى الشكاوى ومعالجتها.
-تعزيز تمثيل النساء في مواقع اتخاذ القرار.
-تطوير ثقافة سياسية تحترم الكرامة الإنسانية والمساواة.
-خلق مساحات حوار مجتمعية بعيدة عن التخوين والاستقطاب.
إن شعبنا الفلسطيني يواجه اليوم لحظة سياسية مفصلية؛ فالنضال الوطني ضد الاستعمار لا ينفصل عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والجندرية والكرامة داخل المجتمع نفسه. ولا يمكن الحديث عن مشروع تحرري حقيقي دون إشراك النساء بصورة فعلية وآمنة وكريمة، ودون مواجهة البنى الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج الصمت، أو الإقصاء، أو العنف، أو التحرش الجنسي.
ومن هنا، فإن فتح هذا النقاش ليس تهديدًا لوحدتنا المجتمعية، بل لعلّه شرط أساسي لحمايتها وتعزيزها، لأن المجتمعات التي تملك الشجاعة لمواجهة أسئلتها الأخلاقية الداخلية هي وحدها القادرة على بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية وحرية.
وفي الختام، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى بناء مجتمع متماسك، عادل وديمقراطي، لا يمكنه الاكتفاء بإدراج النساء في مواقع التمثيل بوصف ذلك إنجازًا شكليًا، أو وسيلة لتحسين الصورة التقدمية للمؤسسات والأحزاب. فالقضية أعمق بكثير من مسألة الأرقام أو الحضور الرمزي؛ إنها تتعلق بإعادة التفكير في بنية المجال السياسي نفسه، وفي علاقات القوة التي تحكمه، وفي اللغة والسلوكيات وآليات اتخاذ القرار التي قد تستمر في إعادة إنتاج الإقصاء، والتهميش، والإساءة في ظل وجود تمثيل نسائي ظاهري.
إن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يجلس حول الطاولة؟ بل: من يملك القدرة الفعلية على الكلام، وعلى التأثير، وعلى المشاركة في صياغة القرار والمستقبل الجماعي؟ ومن يشعر، أو تشعر، أن هذا الفضاء السياسي والاجتماعي هو فضاء آمن وعادل، يعترف بكرامتها وإنسانيتها وكينونتها الكاملة بوصفها إنسانًا، لا مجرد رقم أو رمز أو تابعة؟
ومن هنا تأتي أهمية فتح مساحة جماعية مسؤولة للتفكير والحوار والإصغاء. مساحة نحاول من خلالها أن نسأل أنفسنا بصدق: أي حياة سياسية نريد؟ وأي مجتمع نطمح إلى بنائه في ظل كل التحديات الوطنية والسياسية والاجتماعية التي نواجهها؟ وكيف يمكن أن نطوّر ثقافة سياسية أكثر حساسية وعدالة ومسؤولية تُنصف النساء، وتحمي الكرامة الإنسانية، وتعزز قيم الاحترام والمساءلة والشراكة الحقيقية داخل مجتمعنا؟
لأن قوة مجتمعنا لا تُقاس فقط بقدرته على مواجهة السياسيات الكولونيالية الاستيطانية، بل أيضًا بقدرته على النظر إلى داخله بشجاعة، وعلى بناء فضاء سياسي وأخلاقي أكثر إنصافًا وأكثر إنسانية.
أريج صبّاغ-خوري
بروفيسور أريج صبّاغ-خوري هي محاضرة في قسم علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفي الجامعة العبرية في القدس، وعضو منتدى الكرمل.