الجزائر-نساء FM- لم تعد المرأة الجزائرية اليوم حاضرة داخل أسوار البيت فقط، بل أصبحت شريكا فاعلا في مختلف مجالات الحياة، من الجامعة إلى المؤسسة ومن الإدارة إلى الإعلام مساهمة في بناء مسارها المهني وفي استقرار أسرتها، غير أن هذا التحوّل الذي غيّر مكانتها في المجتمع لم يواكبه دائما تحوّل مماثل داخل الأسرة والمجتمع، إذ ما تزال بعض التصورات التقليدية حول أدوارها ومسؤولياتها قائمة رغم تغيّر واقعها الاقتصادي والاجتماعي.
فالمرأة التي تقضي ساعات طويلة في العمل، تعود في كثير من الأحيان إلى منزل ينتظر منها أن تستأنف مسؤوليات أخرى مرتبطة برعاية الأبناء وتسيير شؤون البيت، وكأن خروجها إلى سوق العمل لم يغيّر شيئا في الأدوار التقليدية المنوطة بها، وهكذا تجد نفسها أمام عبء مزدوج؛ فهي تتقاسم مع زوجها ضغوط الحياة المادية والمهنية لكنها لا تتقاسم معه دائمًا بالقدر نفسه أعباء الحياة اليومية.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل استطاعت الأسرة الجزائرية مواكبة التحولات التي عرفها دور المرأة، أم أنها ما تزال تنتظر منها أن تكون المرأة الناجحة في عملها، والزوجة المثالية، والأم المتفرغة، وربّة البيت في الوقت نفسه؟
من امرأة داخل البيت إلى شريكة معيلة للأسرة
لم يكن التحوّل الذي عرفته المرأة الجزائرية خلال العقود الأخيرة مجرد انتقال من البيت إلى سوق العمل، بل كان تغيرا اجتماعيا عميقا أعاد تشكيل طبيعة الأسرة نفسها، فالمرأة اليوم لم تعد تؤدي دورها التقليدي في رعاية البيت والأبناء فقط بل أصبحت أيضا شريكا في إعالة الأسرة، تواجه ضغوط العمل وتلاحق متطلبات الحياة المهنية وتساهم في تحقيق الاستقرار المادي للعائلة.

في هذا السياق، أفاد المختص في علم الاجتماع، الدكتور كمال عمتوت، في تصريح خص به جريدة “الأيام نيوز“، أن هذا التحوّل يمثل منعطفا جوهريا في إعادة إنتاج الرأسمال الرمزي للأسر،موضحا أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة للصعود الفردي، بل أصبح رهانا أسريا جماعيا يهدف إلى تحسين المكانة الاجتماعية للأسرة وإعادة تشكيل أدوار أفرادها، ويؤكد أن دخول المرأة إلى دوائر الإنتاج غيّر طبيعة العلاقة داخل الأسرة، فلم يعد نموذج المعيل الواحد هو النموذج السائد كما كان سابقا، بل بدأت تظهر أشكال جديدة من الشراكة الاقتصادية، حيث أصبحت القرارات المرتبطة بالإنفاق والادخار والسكن والتخطيط للمستقبل، تبنى بصورة أكثر تشاورا بين الزوجين.
غير أن هذا التحوّل، حسب الدكتور عمتوت، لم يكتمل بعد، لأن تطوّر مكانة المرأة في المجال العام لم يرافقه تطوّر مماثل داخل الفضاء الأسري، إذ ما تزال المرأة في كثير من الحالات تتحمل مسؤوليتين متوازيتين: مسؤولية العمل خارج المنزل ومسؤولية الرعاية داخله، وهو ما يعكس مرحلة انتقالية تعيشها الأسرة الجزائرية بين نموذج تقليدي وآخر جديد يقوم على الشراكة، كما يشير إلى أن ارتفاع المستوى التعليمي للمرأة لم يغيّر فقط مكانتها المهنية، بل أثر أيضا على أساليب التنشئة الأسرية، إذ أصبحت الأسر تستثمر أكثر في تعليم الأبناء وتوجيههم نحو تخصصات تتلاءم مع متطلبات سوق العمل،وهو ما يعكس تغيرًا في طريقة تفكير الأسرة الجزائرية وفي أولوياتها.
حين ينتهي الدوام الرسمي.. يبدأ الدوام الثاني
رغم التحولات التي عرفها دور المرأة، ما تزال كثير من النساء العاملات يعشن واقعا يجعل يوم العمل لا ينتهي عند مغادرة المؤسسة أو مكان العمل بل يبدأ بعد ذلك دوام آخر داخل المنزل.
ويطلق علماء الاجتماع على هذه الظاهرة مفهوم العبء المزدوج، وهو وضع يجمع بين العمل المأجور خارج البيت والعمل المنزلي غير المأجور داخله، ويفسر الدكتور كمال عمتوت هذا المفهوم بأن المرأة أصبحت مطالبة بأداء دورين متزامنين؛ فهي تنتج خارج المنزل لكنها تتحمل في الوقت نفسه مسؤولية الرعاية والتربية وإدارة تفاصيل الحياة الأسرية دون أن يرافق ذلك دائما تخفيف للأعباء أو إعادة توزيع حقيقية للمسؤوليات.
وينعكس هذا الواقع على حياتها اليومية من خلال ضغط الوقت والإرهاق المستمر، فهي تنتقل من متطلبات العمل إلى متطلبات الأسرة وتحاول التوفيق بين النجاح المهني والحضور العائلي، وهو ما يولّد لديها شعورا دائما بالتقصير تجاه أحد الجانبين، ولا يقتصر أثر هذا العبء على المرأة فقط، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، إذ يوضح الدكتور عمتوت أن الإرهاق المتواصل قد يؤثر على جودة العلاقة الزوجية وعلى مستوى التواصل داخل الأسرة، كما قد يؤدي إلى زيادة الخلافات المرتبطة بتوزيع المهام والمسؤوليات، ويؤكد أن خطورة هذا العبء تكمن في كونه غير مرئي اجتماعيًا؛ فالعمل المهني يحظى بالاعتراف لأنه مرتبط بالأجر، بينما ينظر إلى العمل المنزلي باعتباره واجبًا طبيعيًا للمرأة، رغم ما يتطلبه من وقت وجهد كبيرين.
لماذا بقيت مسؤوليات البيت مرتبطة بالمرأة؟
رغم أن المرأة الجزائرية أصبحت حاضرة بقوة في مختلف القطاعات وأسهمت في تغيير الصورة التقليدية لدورها داخل المجتمع، إلا أن مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء ما تزال في كثير من الأسر مرتبطة بها بدرجة أكبر من الرجل، فخروجها إلى سوق العمل لأسباب اقتصادية وظروف معيشية ما، لم يؤد دائما إلى إعادة توزيع الأدوار داخل البيت، بل أدى في أحيان كثيرة إلى إضافة مسؤوليات جديدة فوق مسؤولياتها السابقة.
ويفسر الدكتور كمال عمتوت استمرار هذا الواقع بوجود فجوة زمنية بين تطور التشريعات وبطء تغيّر الأعراف الاجتماعية، موضحا أن التقسيم التقليدي للأدوار داخل الأسرة لم يعد قائما بفعل القوانين، وإنما يستمر عبر التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الأفراد منذ الطفولة، فالفتاة، حسب الدكتور عمتوت، ما تزال تربى في العديد من البيئات على اعتبار رعاية الأسرة مسؤولية أخلاقية مرتبطة بهويتها،بينما ينشأ الذكر على أن دوره الأساسي يتمثل في الإعالة وتوفير الجانب المادي، ما يجعله أكثر استعدادا لتقديم الخدمة أو الدعم المادي من المشاركة اليومية في الأعمال المنزلية والرعاية.
ويشير إلى أن المفارقة تكمن في أن بعض النساء قد يجدن أنفسهن مضطرات إلى إعادة إنتاج هذا النموذج عندما يخترن وظائف أكثر مرونة أو دوامًا جزئيا، بهدف التوفيق بين العمل والأسرة، فيتحوّل ما يبدو خيارا فرديا إلى واقع اجتماعي يعزز استمرار الفجوة في توزيع المسؤوليات.
ويؤكد أن هذه الوضعية ليست مرتبطة بعامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، من بينها ارتفاع تكاليف خدمات الحضانة، وغياب آليات كافية لدعم الأبوة المشتركة، إضافة إلى الضغط النفسي الذي تعيشه بعض الأمهات بسبب شعورهن الدائم بالخوف من التقصير تجاه أبنائهن، لذلك فإن هذا الواقع يحتاج إلى تحوّل أعمق في التصورات الاجتماعية حول معنى المسؤولية الأسرية، والانتقال من فكرة أن رعاية الأسرة مسؤولية المرأة وحدها إلى اعتبارها مسؤولية مشتركة بين الزوجين.
هل واكبت الأسرة الجزائرية هذا التحول؟
لم تكن مشاركة المرأة الجزائرية في الحياة المهنية مجرد تغيّر في وضعها الفردي، بل كانت تحولا مس طبيعة الأسرة نفسها وطريقة تنظيمها لعلاقاتها الداخلية، وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور كمال عمتوت أن دخول المرأة إلى سوق العمل شكل محطة لإعادة تشكيل الكيان الأسري، بعدما انتقلت الأسرة تدريجيا من نموذج يقوم على المعيل الواحد إلى نموذج يقوم على الشراكة الاقتصادية بين الزوجين، هذا التحوّل فرض، بحسبه، إعادة تنظيم الحياة اليومية داخل الأسرة سواء في إدارة الوقت أو توزيع الموارد أو تحديد الأولويات، كما غيّر أنماط الاستهلاك والادخار وأصبح دخل الزوجين معًا عنصرًا أساسيًا في التخطيط لمستقبل الأسرة.
غير أن هذه الديناميكية اصطدمت بواقع مؤسساتي لم يواكب التحولات الاجتماعية بالسرعة نفسها، خاصة فيما يتعلق بخدمات الرعاية والحضانات ومرونة ساعات العمل، وهو ما دفع العديد من الأسر إلى الاعتماد على حلول بديلة مثل الاستعانة بالأجداد أو الأقارب لرعاية الأطفال، ويرى الدكتور عمتوت أن الأسرة الجزائرية لم تكن مجرد متلقية لهذه التحولات، بل حاولت ابتكار آليات للتكيف معها، غير أن هذه الحلول بقيت في كثير من الأحيان مؤقتة وهشة، لأنها تعالج صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة بدل معالجة الأسباب العميقة المرتبطة بإعادة توزيع المسؤوليات، كما يوضح أن قدرة الأسر على التكيف تختلف حسب السياق الاجتماعي والثقافي، فبعض الأسر الحضرية أظهرت مرونة أكبر في تقاسم الأدوار، بينما بقيت التصورات التقليدية أكثر حضورًا في بعض البيئات التي ما تزال تحافظ على نموذج أبوي واضح في تنظيم العلاقات داخل الأسرة.
وعليه، فإن مواكبة الأسرة الجزائرية لهذه التحولات كانت، حسب الدكتور عمتوت، جزئية ومتفاوتة، فالواقع الاقتصادي تغيّر بسرعة،لكن التحوّل في الذهنيات وفي طريقة فهم الأدوار الأسرية ما يزال يسير بوتيرة أبطأ، ما يجعل الكثير من الأسر تعيش مرحلة انتقالية بين قيم الماضي ومتطلبات الحاضر.
المشكلة ليست في عمل المرأة.. بل في صعوبة التكيف مع واقع جديد
في خضم النقاش حول عمل المرأة وتأثيره على الأسرة، يرفض الدكتور كمال عمتوت اختزال الإشكالية في خروج المرأة إلى سوق العمل، مؤكدا أن المشكلة لا تكمن في العمل نفسه، وإنما في صعوبة تكيّف الأسرة والمجتمع مع التحولات الجديدة، فالتوترات التي تظهر داخل بعض الأسر، حسبه، لا تنتج عن ممارسة المرأة لعملها، بل عن استمرار تصورات تقليدية تفترض أن مسؤوليات المنزل ثابتة لا تتغيّر، حتى وإن تغيّرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح الزوجان يساهمان معا في تحمّل أعباء الحياة، ويبرز هنا تناقض اجتماعي واضح، فالمجتمع أصبح أكثر قبولا بوجود المرأة في الجامعة والمؤسسة والإدارة ومختلف مجالات العمل، لكنه ما يزال في بعض الحالات يجد صعوبة في تقبل مشاركة الرجل في تفاصيل الحياة المنزلية، مثل رعاية الأطفال أو تحمّل جزء من الأعمال اليومية.
ويرى الدكتور عمتوت أن هذا التفاوت يعكس اختلاف سرعة التغيير بين المجال العام والمجال الخاص، فالمجال المهني تأثر بسرعة بالتحولات الاقتصادية والتعليمية، بينما بقي المجال الأسري أكثر ارتباطًا بعادات وتمثلات اجتماعية متوارثة، ومن هذا المنطلق فإن مستقبل الأسرة الجزائرية لا يرتبط بإقصاء المرأة من العمل ولا بإبقاء الرجل أسيرا لدور تقليدي، وإنما بقدرة الزوجين على بناء نموذج جديد يقوم على التفاهم وتقاسم المسؤوليات.
فالزوج الذي يشارك زوجته أعباء المنزل لا يفقد مكانته، والمرأة التي تعمل لا تتخلى عن دورها الأسري، بل إن العلاقة الزوجية تصبح أكثر توازنا عندما يعترف كل طرف بجهد الآخر ويدرك أن استقرار الأسرة مسؤولية مشتركة، وتؤكد هذه الرؤية أن جوهر الإشكال ليس وجود امرأة عاملة، بل وجود أسرة تعيش تحوّلا اجتماعيا كبيرا دون أن تعيد بعد تنظيم قواعد الشراكة داخلها، فالاقتصاد تغيّر وأدوار المرأة تغيرت، لكن التحدي الحقيقي يبقى في تغيير العقلية التي تنظر إلى المسؤولية الأسرية باعتبارها عبئًا يقع على طرف واحد.
