قانون الأحوال الشخصية المطبق في قطاع غزة مقارنة باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة...
أولأ: الزواج
· تعريف الزواج:
قانون الأحوال الشخصية الساري في قطاع غزة جاء خالي من تعريف للزواج بل يتم الحديث عن عقد الزواج بلفظ عقد النكاح دون تعريف.
وعلى ذلك نرى ضرورة أن يشمل القانون تعريف للزواج قائم على أساس المساواة بين المرأة والرجل في إبرام عقد الزواج وتحمل مسؤولياته ونتائجه على قدر واحد من المساواة.
· أهليــــة الزواج (سن الزواج):
سن الزواج في اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة:
عززت اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20/11/1989م الرغبة الإنسانية التي حملها دعاة حقوق الإنسان في العالم في حماية أطفال العالم مما يتعرضون له من صور الاستغلال والحرمان وغير ذلك من الانتهاكات في بقاع شتى من العالم، وقد عرفت الاتفاقية في المادة (1) " الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره"
وقد كانت اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة في الفقرة 2 من المادة (16) قد قررت أن لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي اثر قانوني.
وبهذا يتضح أن المعايير الدولية تعتبر زواج الأطفال باطلا ولا يجب أن يترتب عليه أي اثر قانوني ملزم للطفل وهو الذي لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره.
سن الزواج في قانون حقوق العائلة:
ينص قانون حقوق العائلة في المادة (6) في أهلية الزواج أن يكون سن الخاطب ثماني عشر سنة فأكثر وسن المخطوبة سبع عشرة سنة فأكثر، ولكن القانون أورد استثناء خطيرا على هذه القاعدة وهو السماح للقاضي بتزويج الفتاة التي تتجاوز سن التاسعة من عمرها والفتى الذي تجاوز سن الثانية عشر من عمره وهو الأمر الذي تنص عليه المواد 6،7،8 من قانون حقوق العائلة، فالمادة (6) تنص على "إذا ادعى المراهق الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره البلوغ فللقاضي أن يأذن له بالزواج إذا كانت هيئته محتملة"، أما المادة (7) فتنص على "إذا ادعت المراهقة التي لم تتم السابعة عشرة من عمرها البلوغ فللقاضي أن يأذن لها بالزواج إذا كانت هيئتها محتملة"، أما المادة (8) فتنص على انه" لا يجوز لأحد أن يزوج الصغير الذي لم يتم الثانية عشرة من عمره ولا الصغيرة التي لم تتم التاسعة من عمرها".
وعليه نجد أن الاستثناءات التي يأذن بها القانون تسمح بتزويج من هم دون سن الثامنة عشر، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار ظاهرة الزواج المبكر مما سينعكس سلبا على المجتمع، فقد بينت العديد من الدراسات مخاطر الزواج المبكر وما يؤول إليه من طلاق وغيره من الآثار السلبية.
لذلك فإننا نرى أن يحدد القانون الجديد سن الزواج بثمانية عشر سنة على الأقل لكلا الزوجين واعتبار أي زواج لمن هم دون هذه السن باطلا لا يرتب أي اثر قانوني لهما وان لا يورد أي استثناء على ذلك.
وتحقيقاً لذلك فإننا نرى وجوب أن ينص القانون الجديد على ايقاع عقوبة رادعة لكل من يزوج طفلاً أو طفلةً.
· الوكالة في الزواج:-
الوكالة في الزواج كما وردت في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو):
نصت المادة (16) من الاتفاقية في الفقرة (1) بأن "تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية بوجه خاص تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة :
1 - نفس الحق في عقد الزواج
2- نفس الحق في حرية اختيار الزوج وفي عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.
الوكالة في الزواج في قانون الأحوال الشخصية
تنص المادة (58) من قانون الأحوال الشخصية على انه (يصح التوكيل بالنكاح شفاها وبالكتابة ولا يشترط عليه الإشهاد لصحته بل لخشية الجحود والنزاع).
وقد جرت العادة أن لا تقوم المرأة بإبرام عقد الزواج بنفسها بل تتم عقود الزواج بوكالة شفوية منها لوليها الشرعي دون أن يتحقق المكلف بتوثيق العقد من هذه الوكالة، ويتضح بعد ذلك في بعض الحالات وجود إكراه على الزوجة وعدم موافقة منها على هذا الزواج.
وعليه لابد أن تقوم الزوجة بنفسها بإجراء عقد الزواج تحقيقا لما تنص عليه اتفاقية السيداو، فالمرأة ليست ناقصة الأهلية لتعجز عن إجراء العقد بنفسها.
أما إذا كان هناك مبرر أو سبب قاهر يمنع الزوجة من إجراء عقد الزواج بنفسها يجب أن تكون وكالتها لمن يتولى عقد زواجها مكتوبة وموثقة، خاصة انه وفي المقابل عند غياب الخاطب لا تقبل الجهات المختصة بتوثيق عقود الزواج إجراء عقد زواج هذا الخاطب إلا بوجود وكالة موثقة منه.
· مسكن الزوجيــــــة:-
مسكن الزوجية كما ورد في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة:
نصت اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) في الفقرة 4 من المادة (15) على أن تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم.
من ذلك يتضح أن الرجل والمرأة سواء فيما يخص اختيار محل السكن فلا يجوز للزوج أن يجبر زوجته على السكن في مكان لا ترضاه ربما يعود عليها بالضرر لو أنها سكنت في هذا المكان رغماً عنها.
مسكن الزوجية كما ورد في قانون الأحوال الشخصية:
تنص المادة (39) من قانون حقوق العائلة على أن (يجبر الزوج على تهيئة مسكن شرعي مع جميع لوازمه لزوجته في المحل الذي يختاره)، وقد نصت المادة (40) من نفس القانون على أن (تجبر الزوجة بعد قبض المهر المعجل على الإقامة في دار زوجها التي هي مسكن شرعي والسفر معه إن أراد إلى بلدة أخرى إذا لم يكن ثمة مانع. وعلى الزوج أن يحسن المعاشرة مع زوجته وعلى المرأة أن تطيع زوجها في الأمور المباحة).
ويلاحظ أن هاتين المادتين تنصان على أن تجبر المرأة على الإقامة في بيت زوجها الذي يختاره هو بعد أن تقبض المعجل من مهرها، إلا أن المادة (219) من قانون أصول المحاكمات الشرعية قد نصت على أن تنفيذ أحكام المحاكم الشرعية يكون قهرا إلا انه استثني من ذلك حكم الطاعة، ففي حالة امتناع الزوجة عن تنفيذه تصبح ناشزا والناشز بحسب القانون لا تستحق النفقة من زوجها.
وبالتالي نجد أن هذه المواد تتعارض مع ما نصت عليه اتفاقية(السيداو) في نفس الحق للزوجين في اختيار السكن، إذ وفقا للقانون تجبر الزوجة على الانتقال مع زوجها وفي حال رفضها تصبح بحكم القانون ناشزا الأمر الذي يعطي الحق للزوج بالتحكم في مصير الزوجة بطريق شرعي كما لو كانت تابع له وليس شريك وهذا جميعه يتناقض مع روح وجوهر اتفاقية السيداو وعليه لابد أن ينص القانون على أن تخير الزوجة ولا تجبر.
· بيت الطاعة:-
يتناقض مفهوم بيت الطاعة مع جوهر وروح اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فهو يتناقض مع حرية اختيار الزوجة وإرادتها، ويراد به إجبار الزوجة على العودة إلى بيت الزوجية في حال تركها له، وفي حال تمنعها تصبح ناشزا الأمر الذي يحرمها من طلب النفقة أو حتى طلب الطلاق عن طريق القضاء، ويلجأ إليه الأزواج عادة لإذلال الزوجة، إذ انه من الملاحظ في معظم قضايا الطاعة لدى المحاكم الشرعية هي بالأساس دعاوى كيدية القصد منها الأضرار بالزوجة ماديا ومعنويا.
وتستند دعوى بيت الطاعة على المادة (207) من قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني التي تبيح للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من بيته بلا إذنه إذا كان قد أوفاها مهرها المعجل و إذا كان مسكنه (شرعيا)، وكذلك المادة (212) من نفس القانون التي تنص على أن (من الحقوق على المرأة لزوجها أن تكون مطيعة له فيما يأمرها به من حقوق الزوجية ويكون مباحا شرعا وان تتقيد بملازمة بيته بعد إيفائها معجل صداقها ولا تخرج إلا بإذنه) على أن الحكم الذي يصدر ضد الزوجة لا يجوز تنفيذه جبرا بل تؤمر الزوجة ولا تجبر على دخول الزوجية وذلك استنادا لنص المادة (219) من قانون أصول المحاكمات الشرعية التي تنص على أن تنفيذ الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية يكون قهرا عدا حكم الطاعة ففي حالة امتناع الزوجة عن تنفيذه تعتبر ناشزاً.
والنشوز بحسب القانون هو صفة تطلق على المرأة التي تترك بيت الزوجية بدون سبب شرعي والمقصود بالسبب الشرعي هو عدم دفع الزوج لزوجتها مهرها المعجل، أما الأسباب الأخرى التي تدفع الزوجة في نظر القانون لترك بيت الزوجية كسوء المعاملة أو سوء خلق الزوج فليست من الأسباب التي يعول عليها في القضاء.
كما تنص المادة (66) من قانون حقوق العائلة على انه (إذا نشزت الزوجة وتركت بيت الزوجية وذهبت أو كانت الدار لها فمنعت زوجها من الدخول قبل أن تطلب نقلها إلى دار أخرى تسقط نفقتها مدة هذا النشوز).
وبهذا يكرس القانون الساري تبعية المرأة للرجل، ولا يكون بذلك عقد الزواج قائم على مبدأ المساواة بين الطرفين مما يتناقض مع أوردته اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في المادة (16) وبالتالي لابد من العمل على إلغاء بيت الطاعة لما ينطوي عليه من إجحاف وإهانة تجاه المرأة.