نسرين كتانة - نساء FM :- حيث الصراع الأشد على الأرض، ومن المدينة التي تشهد بشكل يومي انتهاكات بحق مقدساتها وأهلها، ولدت الأسيرة المحررة شيرين العيساوي التي لطالما كرست نشاطاتها لخدمة الإنسانية والمطالبة بحقوق الفلسطينيين التي ما زال يسلبها الاحتلال الإسرائيليّ ، لتشير لنا في أدوارها النضالية هذه.. أن المقاومة أنثى.
كانت للعيساوي سلسلة من الاعتقالات، انتهت بتحريرها في السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول هذا العام ، بعد أن أمضت 43 شهراً داخل الأسر، وعقدت المحكمة العليا للاحتلال في اليوم السابق جلسة للنظر في الحكم الصادر بحقها 4 سنوات ، فأصدرت قراراً بتخفيض الحكم من 48 شهراً ليصبح 45 شهراً، وبتخفيض أيام الاداري لتنهي شيرين حكمها في اليوم التالي، وتخرج لتعانق هواء الحرية.
لم تكن تجربتها هذه الاولى في السجن، اذ اعتقلت أكثر من مرة ومكثت رهن الحبس المنزلي عدة أشهر، و أدينت بعدة تهم أبرزها تقديم خدمات للحركة الأسيرة وتمرير رسائل وأموال، وتنقلت العيساوي في عدة سجون أخرها سجن الدامون حيث أفرج عنها منه.
حب الوطن كان حاضراً في كل لحظة من حياتها وهو شرط أيضاً للارتباط بشريك الحياة
تعي شيرين جيدا أحداث الانتفاضة الثانية، ورأت فيها كافة أنواع الانتهاكات بحق الفلسطيينين بشكل عام، وبحق أسرتها بشكل خاص، فهي شقيقة الأسير حكمت العيساوي المحكوم بالسجن لمدة 8 سنوات و شقيقها سامر صاحب أطول إضراب عن الطعام، الذي أفرج عنه في صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011، ولعل هذه الظروف هي من زرعت فيها حب الوطن والدفاع عنه لاسترجاع حريته المسلوبة، كما أن تخصصها الجامعي اختارته بناءً على ذلك اذ درست القانون في جامعة القدس أبو ديس، ومستمرة منذ 10 سنوات بدراسة الماجستير تخصص القانون الدولي الانساني، فظروف الاعتقال كانت دائماً المعرقل لإكمال دراسة الماجستير.
وتعتبر العيساوي "حب الوطن" الشرط الأساسي لارتباطها بشريك الحياة وبذلك لا تخشى أن يكون لديه تلك النظرة بأنها أسيرة محررة وما زالت تقوم بأدوار نضالية ولا متسع لديها من الوقت للاهتمام بالأسرة والأولاد، فالاشتراك بذات الاهتمامات ومبدأ حب الوطن والتضحية من أجله، عامل أساسي للتفاهم معه، كما أن تربية أولادها مستقبلاً ستكون على المبدأ نفسه.
لم تمنع اجراءات الاحتلال التعسفية بحق الأسيرات أن تؤدي شيرين رسالتها
تؤكد شيرين العيساوي أنه وبالرغم من مرارة تجربة الأسر و ظروف الاعتقالات والانتهاكات المستمرة بحقها الا أن ذلك لم يحول دون تأدية دورها بتوعية النساء وتثقيفهن داخل سجون الاحتلال، اذ كانت دائما تعقد جلسات مع الأسيرات لتعلمهن اللغات ومنها العبرية، و لتذكرهن بالقضية الفلسطينية وأهمية الدفاع عنها، كذلك ضرورة الصمود أمام جبروت السجان.
العزل الانفرادي
ليس مستغربا أن تنتهك حقوق الأسيرات الفلسطينيات داخل زنازين الاحتلال بشتى الطرق ،من خلال ممارسة التعذيب البدني والنفسي بحقهن، وكثيراً ما قرأنا وسمعنا عن وضعهن في ظروف معيشية لا ترقى الى مستوى الحياة البشرية، ولكن عندما أخبرتني شيرين في حديثها لإذاعتنا عن ظروف عزلها الانفرادي، استوقفني سؤال أردت أن اعرف اجابته بشدة، حين قالت لي أنها كانت دائما ما تعاني من نزيف بسبب الضرب المبرح الذي كانت تمارسه قوات الاحتلال بحقها، كما وكانت تعزل في سجون قذرة، والكاميرات موجودة في كل زاوية من زوايا الزنزانة وحتى (في دورة المياه)!
سألتها : ولكن كيف تتوضأين استعداداً للصلاة؟ فأجابتني أنها اجتهدت بنفسها في فتوى جواز التيمم بالحائط، وتابعت : " كنت أصلي في مكان نجس لا تجوز الصلاة فيه، الا أن الضرورات تبيح المحظورات في بعض الأحيان، وكنت أصلي جالسة في زاوية صغيرة بسبب التعب الشديد الذي كنت أعاني منه جراء التعذيب".
شيرين العيساوي أسم بات يلمع في سماء التضحية والنضال، لتسطر بتجربتها دوراً تنزع من خلاله الصورة النمطيّة للمرأة الضعيفة المُناشِدة، والانتقال بها إلى إبراز أدوارها، فهي المرأة المتعلمة و المناضلة في آن، كما غيرها العديد من الأسيرات اللواتي ما يزلن حتى هذه اللحظة يذقن ويلات الأسر في سجون الاحتلال الاسرائيلي، ومنهن أمهات تركن ورائهن ازواج وأولاد يعانون وجع الفراق.
يذكر أن شيرين العيساوي فازت بجائزة "الكرامة لحقوق الإنسان" لعام 2014 التي منحتها إياها منظمة الكرامة السويسرية لمساندة ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي والمهددين بالإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري في العالم، و تقرر منح العيساوي هذه الجائزة تقديراً لنشاطها الإنساني والحقوقي ضد الاحتلال والقمع الإسرائيلي، وسلمت المنظمة الجائزة لوالديها بالنيابة عنها عندما كانت أسيرة في سجون الاحتلال.
