
مصر-نساء:
السحور لا يكتمل دون صوت دلال في القاهرة، فمع اقتراب ساعات الفجر الأولى تستعد المصرية دلال عبدالقادر لمهمة يومية طوال شهر رمضان، تطوف خلالها الشوارع لإيقاظ النائمين وتذكيرهم بموعد تناول السحور، في تقليد رمضاني دأب على إحيائه الرجال ولم يألفه أحد من إمرأة.
و لجأت بعض الدول إلى تجربة السيدة المسحراتي رغبة في إعادة إحياء الروح الرمضانية المفقودة، مثل تركيا، حيث درّبت بلدية إحدى المدن هناك عدداً من الفتيات ليقمن بالتجوال في الشوارع في ليالي رمضان لأجل إيقاظ الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر.
وفي دول أخرى، اقتحمت السيدات تلك المهنة بحثا عن موردٍ للرزق في ظل أوضاعٍ اقتصادية خانقة، أو للحفاظ على مهنةٍ متوارثةٍ داخل العائلة التي لم تنجب ذكوراً يتسلمون الراية من الأجيال السابقة.
أما في مِصر، فقد اضطرت دلال عبدالقادر - أشهر سيدة تقوم بدور المسحراتي في القاهرة - إلى الدخول في شوارع ضيقة وطويلة لإحياء المهنة التي ورثتها عن شقيقها أحمد بعدما رحل عن الدنيا قبل سنوات.
المفارقة هنا، أن دلال مثل شقيقها الراحل ليست متفرغة للمهنة، حيث تعمل بقية شهور العام في كيِّ الملابس بأحد الأحياء الشعبية، كما كان شقيقها يعمل موظفاً بسيطاً في البلدية.
حزن دلال على فراق شقيقها جعلها تصمم على استكمال مشواره، فارتدت عباءتها السوداء وطرحتها الزرقاء و علقت طبلته المزخرفة حول عنقها، و مسكت عصا سوداء -لا تقل صلابة عن صوتها- في إحدى يديها. تقول دلال إن رغبتها في العمل قوبِلت بترحيب من زوجها، الذي اشترط عليها فقط أن تصطحب معها في جولاتها ابنهما محمود ليؤنسها في جولاتها اللّيلية.
ورغم أنّ عملها يبدأ في المعتاد بعد منتصف الليل، إلا أنّها لم تواجه مشاكل تثنيها عن أداء مهمتها.
ولم تتعرض المسحراتية للمضايقة خاصة في الوقت المتأخر من الليل بحكم أنها من منطقة شعبية والجميع يعرفها.و لكنّ الغريب أنها تتعرض للمضايقة من نساء يقللن من قيمة ما تقوم به ويلاحقنها بنظرات ساخرة ومؤذية!
وتحفظ دلال أسماء أطفال كل شارع و عندما تختلط في ذهنها الأسماء، يتنافسون بضحكاتهم البريئة لتصحيح الاسم، و يحبها الأطفال فيطلب منها البعض أن تناديهم بأسمائهم من النافذة و إلّا لن يتناولوا وجبات سحورهم فتستجيب بسهولة.
ويبدو الفارق بين دلال وشقيقها الراحل جوهريّا، حيث كان ينادي على الأشخاص بأسماء آبائهم ويقرنها بابتهالات دينية على إيقاع الطبلة، أما هي فتنادي على أطفال الحي الذين تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب فقط.
وترى دلال أن معايير النجاح في مهنة المسحراتي بسيطة، أبرزها أن تكون ذكية لتستطيع الفوز بحب الناس، فيشتاقون إليها وينتظرونها كل ليلة، وأن تكون عزيزة النفس لا تتسول من الناس لأنها تسيء لكل العاملات بالمهنة. بالإضافة إلى ذلك، هناك المقومات التقليدية مثل أن تمتلك شخصية مستقلة وصوتا قويا رنانا جميلاً وذاكرة قوية، ويجب عليها ألا تقلد الأخريات.
و في محاولة لرد الجميل لشقيقها وتكريماً لذكراه، قالت دلال أنها تخصص جزءاً مما تكسبه من عملها في المهنة الرمضانية لأولاد شقيقها الخمسة، وأحيانا تقيم مائدة إفطار خيرية صغيرة لتكون في ميزان حسناته.
وتعترف بأن المهنة رغم بساطتها شاقة، فهي تسير على قدميها عشرات الكيلومترات حتى قبل الفجر، وغالبًا ما تتناول سحورها في الشارع، كما أن صوتها يذهب تماماً مع نهاية رمضان، لكن هذا لا يساوي شيئا أمام السعادة والراحة النفسية اللتين تحظى بهما.
