الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

أمهات يلدن الخوف.. واقع 500 حامل في مراكز إيواء البقاع
15 آذار 2026

 

لبنان-نساء FM- في ممر مكتظ داخل أحد مراكز الإيواء في البقاع شرقي لبنان، تقف النازحة زهراء مصطفى على أعتاب الولادة، تحاول تأجيل لحظة المخاض إلى حين انتهاء معاناة النزوح، كأنها تسعى إلى إيقاف الزمن بانتظار قليل من الأمان.

تضع زهراء يدها على بطنها المثقلة في شهرها التاسع، وتقول للجزيرة نت: "كان من المفترض أن أولد منذ أيام، لكنني أؤجل الذهاب إلى المستشفى لأنني لا أعرف إلى أين سأذهب بعد الولادة، نحن في مركز إيواء ولا يوجد مكان نعود إليه".

زهراء التي أوشكت على الولادة ينتابها الخوف والقلق من الأيام القادمة، إذ تستعيد أولى لحظات النزوح: "خرجنا من البيت بما علينا من ثياب، من دون أي أغراض. لا أملك ثيابا لمولودي القادم ولا أي مستلزمات أساسية".

وتضيف بمرارة: "نفسيتي تعبت جدا، لا أملك أي مكان أتوجه إليه بعد المستشفى، حتى الوصول إلى المستشفى بحد ذاته صعب للغاية"، إذ لا توجد مستشفيات في بلدة دير الأحمر (قضاء بعلبك الهرمل)، بل مستوصف صغير فقط، ما يفرض عليها التوجه إلى مدينة بعلبك للبحث عن مستشفى يستقبلها.

وعن غياب المتابعة الصحية تروي زهراء مأساتها في مدرسة دير الأحمر الرسمية: "لم يتابع وضعي أي طبيب منذ وصولي إلى هنا، لا توجد فحوصات دورية ولا مراقبة طبية للحوامل في هذا المركز".

قصص نساء يصارعن الولادة في مراكز الإيواء

قصص نساء يصارعن الولادة في مراكز الإيواء (الجزيرة)

أجساد متعبة وخصوصية مفقودة

"تشردنا من بيوتنا، وأنا بحاجة لأكل صحي وفيتامينات"، بهذه العبارة تختصر أميرة الديراني مأساتها داخل مدرسة المعلقة للصبيان في زحلة، حيث تواجه البرد في مركز غير مهيأ لاستقبال الحوامل.

وبملامح متعبة تروي أميرة، النازحة من بلدة قصرنبا البقاعية، للجزيرة نت الصعوبات التي تمر بها خلال تجربة حملها الثالثة، وهي لا تزال في شهرها الرابع، في ظل نزوح قسري وظروف قاسية.

وتضيف: "الأكل يفتقر لأدنى مقومات الغذاء، لا فيتامينات، ولا نرى الفواكه أو الخضار في وجباتنا هنا"، ثم تتساءل بحسرة: "كيف لجسد حامل أن يصمد وأن يغذي طفلا في داخله؟".

ولا تختلف تجربة النازحة زينب الموسوي عن بقية النساء الحوامل، فقد خرجت من منزلها في اليوم الأول من الحرب وهي تحمل في أحشائها جنينا في شهره التاسع، لتجد نفسها في ثانوية دير الأحمر الرسمية.

نزوح من دون تجهيزات ومعاناة مضاعفة في البقاع

نزوح من دون تجهيزات ومعاناة مضاعفة في البقاع (الجزيرة)

ومن قلب مدينة الشمس بعلبك، تستذكر زينب لحظات النزوح: "كنت أجهز ثيابا لمولودي الصبي، لكن الحرب أقبلت مسرعة لتسرق مني متعة التحضير لصغيري الأول".

وتقول بحسرة للجزيرة نت: "خرجنا فجأة عند الثالثة فجرا، لم نستطع حمل أي شيء معنا. تركنا كل التحضيرات خلفنا ونجونا بأنفسنا لنصل إلى هنا".

وتضيف بقلق: "لا أعتقد أبدا أنني سأتمكن من الولادة هنا. الغرف تعاني من النش والرطوبة، وأنا مجبرة على النوم على الأرض وأنا في شهري الأخير. الماء غير كاف، والحمامات يدخلها أكثر من مئة شخص يوميا، أين النظافة؟ أين التعقيم الذي يحتاجه جسمي وتطلبه صحة طفلي القادم؟".

وتتساءل زينب عن مساحة الخصوصية التي تحتاجها في هذه الفترة الحساسة: "نسكن مع عدة عائلات في غرفة واحدة، لا توجد أي مساحة شخصية. حتى حين أفكر في الرضاعة الطبيعية، أتساءل: كيف سأقوم بذلك وسط هذا الازدحام؟".

وفي الغرف الضيقة بثانوية دير الأحمر الرسمية، حيث تضيق المساحات وتغيب الخصوصية، تجلس النازحة السورية روعة فرحان المصري مرهقة في واقع يفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية والنفسية.

وتقول روعة بحسرة للجزيرة نت: "كل ما نحتاجه هو طبيب نسائي يطمئننا على وضع الأجنة، لكن لا أحد يطرق بابنا. أعيش في غرفة واحدة مع 20 شخصا".

اكتظاظ داخل مراكز الإيواء في البقاع وافتقار إلى الاحتياجات الأساسية

اكتظاظ داخل مراكز الإيواء في البقاع وافتقار إلى الاحتياجات الأساسية (الجزيرة)

ومع دقات الساعة العاشرة ليلا، يحل الصمت في مركز الإيواء، ينطفئ النور ويتوقف ضجيج المولدات، لتجد روعة نفسها وحيدة في مواجهة صقيع الغرفة وظلامها.

وتضيف: "التدفئة غائبة تماما ولا يوجد مازوت لتشغيل المدافئ. المعاناة لا تتوقف عند البرد، فنحن ننقطع من المياه باستمرار، فكيف لحامل في شهرها الثامن أن تتعايش مع هذه الظروف؟".

واقع مرير

تواجه النساء الحوامل تحديات إضافية خلال النزوح القسري، في ظل غياب التجهيزات الطبية المناسبة داخل مراكز الإيواء في البقاع، وهي في الأصل مدارس غير مهيأة للتعامل مع الحالات الصحية الحساسة.

وتحاول جمعيات محلية ومنظمات دولية تأمين مساعدات غذائية للنازحين، غير أن هذه الحصص لا تراعي في كثير من الأحيان الاحتياجات الخاصة للحوامل، اللواتي يحتجن إلى عناصر أساسية كالبروتينات والفيتامينات لضمان نمو سليم للأجنة.

المصدر: الجزيرة