الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

أجساد في مرمى الحرب: النساء السودانيات بين الانتهاكات والصمت الدولي
01 آذار 2026

 

الخرطوم ـنساء FM- منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف نيسان/ابريل 2023، لم تعد المعاناة حدثا استثنائيا في حياة النساء، بل تحولت إلى واقع يومي يعاد إنتاجه مع كل صباح جديد. حيث وجدت النساء أنفسهن في مواجهة حرب لا تُدار فقط بالمدافع والطائرات، بل تُخاض أيضا على الأجساد، وتدمير سبل العيش، ونزع الأمان من الفضائين العام والخاص.
لم تكن النساء السودانيات ضحايا عرضيات للحرب، بل أهدافا مباشرة وغير مرئية في آن واحد. فالعنف الجنسي، والقتل، والاختطاف، والنزوح القسري، والإفقار، وانهيار الخدمات الصحية، كلها تقاطعت لتصنع مشهدا معقدا من الانتهاكات الممنهجة. وبينما تتكدس التقارير غير المكتملة، وتتعثر جهود التوثيق، تبقى قصص النساء حبيسة الخوف والوصمة، في ظل صمت دولي يثير تساؤلات عميقة حول قيمة الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون الدولي للمدنيين في زمن الحرب.

النساء في قلب الانهيار

تصف وزيرة الشؤون الاجتماعية السودانية، سليمى إسحاق، لـ«القدس العربي» واقع النساء منذ اندلاع الحرب بأنه انتقال قسري إلى وضع جديد كليا، خارج كل الأطر التي كانت تنظم الحياة في الدولة. فالحرب، بحسبها، لم تُضعف فقط البنية التحتية، بل أزالت عمليا أي شكل من أشكال الحماية، تاركة النساء في مواجهة مباشرة مع الخطر.
وترى إسحاق أن اللافت في هذه الحرب هو اتساع نطاق الانتهاكات وعمقها. فغياب الأمن أعاق وصول النساء إلى الخدمات الأساسية، من صحة وتعليم ورعاية اجتماعية، في وقت تصاعدت فيه أشكال العنف الاقتصادي والاجتماعي. وأدى هذا الواقع إلى تآكل قدرة النساء على حماية أنفسهن وأسرهن، في ظل غياب شبكات أمان.

العنف الاقتصادي: إفقار ممنهج
وتدمير لسبل العيش

لم يكن الإفقار الذي طال النساء نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لممارسات عنيفة استهدفت مصادر رزقهن. فالنساء في السودان يشكّلن نسبة كبيرة من العاملات في القطاع غير الرسمي، وهو قطاع يعتمد على الحركة اليومية، والتجارة الصغيرة، والعمل المنزلي، وبيع الطعام والمشروبات. ومع اندلاع الحرب، نُهبت المدخرات، وأُغلقت الأسواق، وفُرضت قيود على التنقل، ما أدى إلى فقدان واسع النطاق لفرص العمل.
وتشير إسحاق إلى أن كثيرا من النساء كن يشكلن «العصب الاقتصادي» داخل الأسرة، لا لأن الرجال غائبون بالضرورة، بل لأن النساء طورن على مدى سنوات آليات للبقاء في ظل الفقر المزمن. ومع النزوح القسري، فقدت هؤلاء النساء كل ما بنينه، وانتقلن من حالة الكفاف النسبي إلى الفقر المدقع، في مشهد يعكس حجم الخسارة الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب.

النزوح ودور الإيواء:
طبقات اجتماعية تسقط دفعة واحدة

أعاد النزوح الجماعي رسم الخريطة الاجتماعية للنساء السودانيات. ففي دور الإيواء، تجتمع الطبيبة مع المعلمة، والمهندسة مع الطالبة الجامعية، وربة البيت مع العاملة اليومية. جميعهن يشتركن في فقدان المكان، والدخل، والإحساس بالأمان. هذا «النزوح العكسي» من المدن إلى القرى، ومن الاستقرار النسبي إلى الهشاشة المطلقة، كشف هشاشة المكتسبات التي حققتها النساء على مدار عقود.
وتضيف إسحاق أن هذا الواقع خلق أعباء مضاعفة، حيث وجدت آلاف النساء أنفسهن معيلات وحيدات لأطفالهن، في ظل غياب الأزواج بسبب القتل أو الاختفاء أو البقاء في مناطق القتال. ومع غياب الخدمات، تحولت دور الإيواء إلى مساحات مكتظة، تفتقر إلى الخصوصية والأمان، وتصبح فيها النساء أكثر عرضة للعنف والاستغلال.

العنف الجنسي:
سلاح حرب وجريمة صامتة

يُعد العنف الجنسي أحد أكثر أوجه الحرب قسوة ودمارا. وتشير عمليات الرصد الأولية إلى تسجيل مئات الحالات منذ اندلاع النزاع، مع التأكيد على أن الأرقام المعلنة لا تمثل سوى جزء صغير من الواقع. ففي مدن مثل الفاشر وبارا، تم توثيق حالات اغتصاب وقتل وانتهاكات متعددة، لكن حجم الجرائم يفوق بكثير ما يمكن الوصول إليه أو الإعلان عنه.
توضح سليمى إسحاق أن توثيق العنف الجنسي بات مهمة محفوفة بالمخاطر، إذ أدى الإعلان عن أرقام في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع إلى استهداف العاملين الصحيين والناشطين المدنيين. هذا الواقع فرض معادلة قاسية: حماية الأرواح مقابل الصمت المؤقت عن الأرقام، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية للسلامة.
وأوضحت: «رصدنا 1844 حالة اغتصاب قبل اجتياح قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر في تشرين الأول/اكتوبر الماضي. هذه العملية أدت إلى سلسلة من الانتهاكات الجسيمة في الفاشر ومدينة بارا. في بارا، أظهرت الأرقام الأولية تسجيل 20 حالة اغتصاب، بينما تشير التقارير إلى مقتل حوالي 300 امرأة في الفاشر والأرقام أكبر من ذلك بكثير. ومنذ دخول قوات الدعم السريع، توالت الانتهاكات بشكل كبير، ما زاد من حجم المعاناة الإنسانية للنساء والفتيات في المنطقة».
وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية: «تم استهداف عدد من النساء بشكل مباشر خلال اجتياح الدعم السريع لعدد من المدن، خاصة في الفاشر، خصوصا اللواتي كن يعملن في الشرطة أو في مؤسسات حكومية، حيث كانت الانتهاكات ترتبط بمكان عملهن أو مهامهن. وقد شمل الاستهداف النساء اللواتي يقدمن خدمات عامة، أو يعملن في القطاع الحكومي، ما جعلهن عرضة للتهديد والاعتداء». وأشارت إلى رصد وجود أكثر من 400 امرأة محتجزات مع أطفالهن في سجون قوات الدعم السريع في مدينة نيالا، في ظروف صعبة للغاية.
إلى جانب ذلك، تعرضت العديد من النساء لعمليات اختطاف وتهديد مستمر، وفرضت عليهن ضغوط اقتصادية من خلال ابتزاز أزواجهن أو مطالبتهم بدفع مبالغ مالية رغم عدم قدرتهم على ذلك، كما حدث في مناطق مثل الضعين. وغالبًا ما كان الاستهداف يتركز على إثنيات معينة، ما زاد من عمق الأزمة الإنسانية وأثقل معاناة النساء والفتيات في المنطقة».
وبينت أن أعدادا كبيرة من النساء المحتجزات في سجون الدعم السريع تم الاعتداء عليهن جنسيا وتعرضن للإغتصاب الجماعي بشكل متكرر مما أسفر عن حالات حمل غير مرغوب وإنجاب أطفال. ولفتت إلى تعرض النساء ذوات الإعاقة للاعتداء الجنسي والقتل.
وتابعت: «النساء في مناطق سيطرة الدعم السريع في سجن كبير.. الجميع هناك في سجن كبير».

الصحة المنهارة..
النساء يدفعن الثمن الأكبر

تؤكد الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية والأوبئة، وعضو فرعية اختصاصي مدينة أمدرمان واللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان: «أن الحرب أدت إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي، انعكس بشكل مباشر على صحة النساء، خاصة في مجال الصحة الإنجابية. فبحسب تقارير اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، تعاني أكثر من مليون امرأة حامل من غياب الرعاية الصحية الأولية، وسوء التغذية، وانعدام خدمات ما قبل الولادة وبعدها».
وتشير أديبة إلى خروج نحو 80 في المئة من المرافق الصحية عن الخدمة، وتوقف عشرات المنظمات الطوعية والدولية، ما فاقم انتشار الأوبئة. وفي هذا السياق، أصبحت النساء الحوامل والمرضعات في دائرة خطر دائم، حيث تُسجل وفيات يمكن تجنبها لو توفرت الرعاية الأساسية.

الاغتصاب وآثاره طويلة الأمد

تصف أديبة الاغتصاب بأنه من أبشع الجرائم المرتكبة خلال الحرب، مؤكدة أنه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي. فإلى جانب الأذى الجسدي، يخلف الاغتصاب آثارا نفسية عميقة قد تمتد لسنوات، وتشمل الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، وقد تصل إلى الانتحار في حال غياب الدعم.
وتوضح أن مئات الحالات المسجلة شملت أطفالًا وقاصرات ونساء مسنات، مع تسجيل مضاعفات خطيرة مثل النزيف الحاد، والناسور البولي، والتمزقات، وحالات الإغماء والوفاة. كما أن كثيرًا من الناجيات لم يتمكنّ من استكمال البروتوكولات العلاجية بسبب نقص الأدوية، أو إغلاق المستشفيات، أو الخوف من الوصمة الاجتماعية.
وأضافت أن شهادات الضحايا والمؤشرات الميدانية تشير في الغالب إلى تورط ميليشيات الدعم السريع في عدد كبير من هذه الجرائم، رغم صدور إدانات أممية لا ترقى إلى حجم الألم الذي خلفته هذه الانتهاكات في أجساد وصدور النساء.
وأكدت أديبة أن حالات الاغتصاب تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً وفق بروتوكولات صحية واضحة تشمل علاج الإصابات، والوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً، ومنع الحمل غير المرغوب فيه، إضافة إلى المتابعة النفسية طويلة الأمد. غير أن انهيار النظام الصحي، وانعدام الأدوية المنقذة للحياة، وغياب البروتوكولات الطبية، وإغلاق المستشفيات أو قصفها واحتلالها من قبل أطراف النزاع، كلها عوامل أعاقت وصول الناجيات إلى العلاج، وأسهمت في تسجيل وفيات، خاصة وسط الأطفال.
تشير الدكتورة أديبة إلى أن العنف الجنسي ضد النساء في السودان قد ازداد بشكل كارثي منذ بداية الحرب، وفي تقارير للجنة في عام 2024 و2025 استطاعت توثيق 487 حالة اغتصاب مسجلة في المرافق الصحية المختلفة مرجحة أن تكون الأرقام الحقيقية أكثر بكثير. وشملت الحالات الموثقة العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة في مناطق ود مدني والقُرى المحيطة بها بالإضافة إلى ولاية سنار.
ورصدت كذلك انتهاكات جنسية وحالات إغتصاب في ولايات كردفان وإقليم دارفور.
وتشير الأرقام إلى انتشار العنف الجنسي بشكل واسع في معظم الولايات، مع تأكيد الدكتورة أديبة أن هناك العديد من الحالات لم تصل إلى المستشفيات بسبب وصمة العار الاجتماعية وخوف الضحايا من المجتمع.

اغتصبوا سيدة في الـ60 وتسببوا بإصابتها بالناسور

كما تسلط الدكتورة أديبة الضوء على التداعيات الصحية والنفسية لهذه الانتهاكات. فقد عانت العديد من النساء والفتيات من نزيف حاد، وتمزق أغشية المهبل، والتهابات شديدة، أحيانا وصلت إلى فقدان الوعي، كما سجلت 6 حالات ناسور بولي، من بينها امرأة تبلغ من العمر 60 عامًا، تم اغتصابها في الخرطوم، ما يظهر تنوع الخلفيات العمرية للناجيات. وقد أدى هذا العنف إلى مضاعفات خطيرة تشمل الإجهاض القسري، فقدان الحمل، وفشل الولادة الطبيعية، إلى جانب الصدمات النفسية التي تتراوح بين اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق المزمن، الأمر الذي يضاعف العبء الصحي على النساء والأطفال الذين كانوا برفقتهن وقت الاعتداء.

اغتصبوا الممرضة لأنها صرخت

وفي سياق متصل، أشارت الدكتورة أديبة إلى أنه في مستشفى في ولاية الجزيرة، تعرضت فتيات مرافقات للمرضى في مستشفى الحصاحيصا للاغتصاب، عند دخول قوات الدعم السريع، كما تم اغتصاب إحدى الممرضات التي صرخت بعد سماع صرخات الضحايا. وفي مستشفى النو في مدينة أمدرمان، أجريت 12 عملية إجهاض و4 عمليات ولادة لضحايا العنف الجنسي وثقتها اللجنة. وتشير الدكتورة أديبة إلى أن هذه الاعتداءات تُعد جرائم حرب مستمرة، وأن الأثر النفسي والعاطفي يمتد ليشمل الأسر والمجتمع ككل، داعية المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لتقديم المساعدات الطبية والنفسية العاجلة، وحماية النساء من أن تصبح أجسادهن ساحة صراع في النزاع القائم.

حماية على الورق وانتهاك على الأرض

وفقا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، تُحظر جميع أشكال العنف الجنسي ضد المدنيين في النزاعات المسلحة، وتُعد جرائم الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما تلزم هذه القوانين أطراف الحرب بحماية النساء، وضمان وصولهن إلى الرعاية الصحية، وعدم استخدام أجسادهن كساحة للحرب.
غير أن ما يجري في السودان يكشف فجوة هائلة بين النصوص القانونية والواقع الميداني. فغياب آليات المحاسبة، واستمرار الإفلات من العقاب، جعلا من القانون الدولي إطارًا نظريا عاجزا عن توفير حماية فعلية للنساء، في ظل حرب لا تعترف بأي خطوط حمراء.

العدالة المؤجلة والوصمة الاجتماعية

من منظور حقوقي، تشير المحامية نون كشكوش، المتحدثة باسم «مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان»، إلى أن أوضاع النساء في العام الثالث من الحرب السودانية وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التدهور. فالعنف الجنسي تصاعد بشكل كبير، خاصة في دارفور، سواء داخل المدن أو على طرق النزوح، وما نتج عنه من حالات حمل غير مرغوب فيه، بعضها داخل السجون.
وأشارت كشكوش إلى تصاعد مقلق في حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، خاصة في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث تعرضت أعداد كبيرة من النساء للاغتصاب، سواء داخل المدينة نفسها أو أثناء محاولات النزوح هرباً من القتال.
وأضافت أن هذه الانتهاكات أسفرت عن حالات حمل غير مرغوب فيها، بعضها حدث داخل أماكن احتجاز كانت تُستخدم كسجون خلال حصار الفاشر، حيث جرى احتجاز النساء لفترات طويلة وإجبارهن على ممارسة الجنس، ما أدى إلى ولادة أطفال بعد مرور أكثر من عام على تلك الوقائع.
ولفتت إلى أن النساء ذوات الإعاقة كنّ من بين الفئات الأكثر هشاشة، إذ وثّق المرصد تعرض عدد منهن للقتل، بالإضافة إلى العنف الجنسي، خصوصاً في إقليم دارفور.
وأوضحت أنه جرى رصد تسع حالات لنساء من ذوات الإعاقة تعرضن لعنف جنسي واضطررن للنزوح إلى معسكر الدبة للنازحين.
وفي ما يتعلق بالأوضاع الإنسانية، أوضحت كشكوش أن سوء التغذية والأمراض انتشرت بشكل لافت في عدد من المناطق، مشيرة إلى أن ولاية جنوب كردفان كانت من أكثر المناطق تضرراً، خاصة خلال فترات الحصار على مدينتي الدلنج وكادوقلي، حيث سُجلت وفيات كبيرة بين النساء والأطفال نتيجة سوء التغذية الحاد.
كما تحدثت عن تراجع عام في أوضاع النساء فيما يخص العنف القائم على النوع الاجتماعي، مشيرة إلى تصاعد حالات العنف الأسري في عدد من الولايات، من بينها الولاية الشمالية، حيث قتلت طبيبة في حادثة تعكس حجم الانفلات والعنف. وبيّنت أن الضغوط الاقتصادية والخوف من الوصمة الاجتماعية، خاصة في ظل انتشار الاغتصاب، أسهما في زيادة العنف الأسري، إذ يلجأ بعض الرجال إلى فرض قيود عنيفة على النساء بدعوى «الحماية».
وأضافت أن المرصد رصد أيضاً حالات اغتصاب في ولاية الجزيرة، ارتُكبت على يد عناصر من المستنفرين، واُستخدم فيها العنف الجنسي كأداة للابتزاز والتهديد، بما في ذلك إجبار النساء على ممارسة الجنس مقابل الغذاء، أو تهديدهن باتهامات التعاون مع قوات الدعم السريع في حال رفضهن.

نساء داخل السجون..

وفي ما يخص أوضاع النساء في السجون، كشفت كشكوش أن سجن النساء في مدينة أمدرمان كان يضم أكثر من 650 سجينة، صدرت قرارات بالإفراج عن نحو 400 منهن، بينما ظلت قرابة 300 امرأة رهن الاحتجاز، إلى جانب سجون أخرى في كسلا وبورتسودان ومدن مختلفة. وأوضحت أن الغالبية العظمى من المحتجزات يُحاكمن بموجب المادتين 50 و51 من القانون الجنائي، بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، رغم أن كثيراً من هذه القضايا تستند إلى علاقات اجتماعية طبيعية، مثل كون الزوج أو الخطيب منتمياً لتلك القوات، كما هو الحال مع نازحات من مناطق سيطرة الدعم السريع، خاصة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، ما يعكس استخدام القانون كأداة إضافية لمعاقبة النساء.

خذلان دولي وصحوة متأخرة

لم يكن هذا الصمت العالمي محض تجاهل عابر، بل خذلانًا صريحًا اعترفت به إحدى أهم العواصم الغربية. فقد أقرت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عقب زيارتها لمعسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد، بأن المجتمع الدولي أخفق في حماية نساء وفتيات السودان على مدى نحو ثلاث سنوات من الحرب.
وقالت كوبر إن ما سمعته بأذنها من إفادات الناجيات يعكس «فشل العالم في الوفاء بمسؤوليته الأخلاقية»، مؤكدة أن العالم لا يجب أن يغض بصره عما يحدث.
وأضافت أن الحكايات التي رُويت لها عن اعتداءات وحشية، وتعذيب جنسي، واغتصاب علني يستخدم كسلاح حرب ضد النساء والأطفال الفارين من القتال، ليست مجرد شهادات فردية، بل دليل على حرب تشن على أجساد النساء وسط صمت دولي مريب.
واعتبرت أن هذه الجرائم تمثل جزءًا من أكبر أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، داعية إلى تحرك عالمي عاجل لتأمين وقف إطلاق النار، ومطالبة جميع الدول بممارسة ضغط حقيقي من أجل وقف إراقة الدماء، وحماية النساء والأطفال من الاغتصاب والعنف.

صمود بلا حماية

رغم هذا الواقع القاسي، تتحدث وزيرة الشؤون الاجتماعية السودانية سليمى إسحاق عن صمود استثنائي لدى النساء السودانيات، صمود يتجاوز المفهوم التقليدي للتحمل. فالكثير من الناجيات لا يملكن وقتا لمعالجة صدماتهن، إذ تُجبرهن مسؤوليات الحياة على الاستمرار. غير أن هذا الصمود، كما تؤكد، لا ينبغي أن يُستغل لتبرير التقاعس، بل يجب أن يكون حافزا لبناء سياسات حماية حقيقية، وتمكين اقتصادي قائم على الشراكة والعدالة.

مستقبل مجهول

تكشف الحرب في السودان عن حقيقة قاسية مفادها أن النزاعات المسلحة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل تُخاض أيضًا على أجساد النساء ومستقبلهن. وفي ظل استمرار العنف، وغياب المحاسبة، وتراخي الاستجابة الدولية، تبقى النساء السودانيات عالقات بين الصمت والصمود، في انتظار أن تتحول القوانين من نصوص جامدة إلى حماية فعلية، وأن يصبح السلام أكثر من مجرد وعد مؤجل.