الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية » صحتك »  

الأم حين تمرض.. مسؤوليات لا تتوقف ومرض بلا اعتراف
05 شباط 2026

 

رام الله-نساء FM- يفترض أن يشكل المرض لحظة طبيعية للتوقف المؤقت، والتعافي، وإعادة ترتيب أولويات الأسرة بما يضمن الراحة والرعاية للمصاب. غير أن هذا المنطق غالبا ما ينهار عندما تكون الأم هي المريضة؛ إذ نادرا ما يقترن مرضها بتوقف فعلي عن أداء المسؤوليات اليومية، بل يعامل في كثير من الأحيان كحالة عابرة يمكن تجاوزها دون إحداث أي تغيير حقيقي في إيقاع الحياة داخل المنزل.

هذا الواقع يكشف عن تصور اجتماعي متجذر يقلل من حق الأم في الراحة والرعاية، ويضعها باستمرار في موقع التضحية، على حساب صحتها الجسدية والنفسية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول نظرتنا إلى صحة الأم ودورها داخل الأسرة.

الأم المريضة بين الواجب والاستنزاف

في معظم الأسر، تبقى الأم محور الحياة اليومية، سواء كانت معافاة أو تعاني من المرض. فعندما يمرض الأطفال، تكون الحاضنة الأولى ومصدر الرعاية الأساسي، حتى وإن كانت تعاني من الحمى أو الإرهاق. وحين تتراكم شؤون المنزل أو يحين وقت إعداد الطعام، كثيرا ما تجد نفسها مجبرة على النهوض من فراش المرض لإنجاز مهام ينظر إليها على أنها لا تحتمل التأجيل. ويعكس هذا السلوك تصورا اجتماعيا راسخا يفترض أن المرأة قادرة دائما على التحمل، وأن قوتها تكمن في الاستمرار مهما كانت الظروف. لذلك لا ينظر إلى مرضها بوصفه سببا كافيا لإعادة توزيع الأدوار أو طلب الدعم، بل قد تشعر في كثير من الأحيان أن قبول المساعدة يعني التقصير في أداء واجبها.

ورغم شيوع الاعتقاد بأن المرأة أكثر قدرة على تحمل المرض مقارنة بالرجل، تشير الدراسات العلمية إلى أن الفروق بين الجنسين في هذا السياق ناتجة عن تداخل عوامل بيولوجية وسلوكية وثقافية، ولا يمكن الجزم بتفوق أحدهما على الآخر في تحمل المرض بصورة مطلقة.

الأم العاملة.. عبء يتضاعف

عندما تكون الأم عاملة، تتفاقم الضغوط الصحية والاجتماعية بشكل أكثر وضوحا. فهي لا تتحمل فقط مسؤوليات الرعاية اليومية داخل الأسرة، بل تجد نفسها في مواجهة متطلبات مهنية لا تتوقف غالبا عند حدود المرض، ما يضعها تحت عبء مزدوج يجمع بين إدارة شؤون المنزل والالتزام بواجبات العمل. وفي كثير من الحالات، تضطر الأمهات إلى مواصلة العمل من المنزل أو تأجيل فترات الراحة، إما خشية التأثير على مسارهن الوظيفي، أو بسبب محدودية الإجازات المرضية، وهو ما يحرمهن من التعافي الحقيقي، ويحوّل المرض من حالة عابرة إلى إرهاق مزمن.

وتعكس هذه الصورة نتائج دراسة بريطانية أُجريت بالتعاون مع جامعة مانشستر على أكثر من 6000 أم عاملة، إذ أظهرت أن الأمهات العاملات بدوام كامل ولديهن طفلان أو أكثر أكثر عرضة للتوتر بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالنساء العاملات دون أطفال، حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل مثل العمر والدخل والمستوى التعليمي. وتشير هذه النتائج إلى الأثر العميق لتداخل أدوار العمل والأسرة على الصحة النفسية والجسدية للأم.

 

لا يقتصر التحدي الذي تواجهه الأم المريضة على الألم الجسدي وحده، بل يمتد ليشمل عبئا نفسيا ثقيلا (فري بيك)

العبء النفسي وثقافة "أنا مقصرة"

لا يقتصر التحدي الذي تواجهه الأم المريضة على الألم الجسدي وحده، بل يمتد ليشمل عبئا نفسيا ثقيلا تغذيه ثقافة اجتماعية تمجد صورة الأم التي تضحي بصمت وتضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها في جميع الظروف. وفي ظل هذه الصورة النمطية، تشعر كثير من النساء بالذنب عند التفكير في الراحة أو طلب المساعدة، وكأن الاعتناء بالنفس فعل أناني أو تقصير في الواجبات الأسرية.

وتسهم التوقعات الضمنية من الأسرة والمجتمع في ترسيخ هذا الشعور بالمسؤولية الدائمة، حتى دون وجود طلب مباشر، ما يدفع الأم إلى تجاهل إشارات جسدها والاستمرار في العطاء رغم المرض. ومع مرور الوقت، يتحول الإرهاق إلى حالة شبه دائمة، تتدهور معها الصحة النفسية والجسدية تدريجيا. وتشير دراسات إسبانية أُجريت عام 2025 في قسم علم النفس بجامعة ري خوان كارلوس إلى أن هذا الضغط المزمن لدى الوالدين، وخصوصا الأمهات، قد يؤدي إلى القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة حياة المرأة وقدرتها على الاستمرار في أداء أدوارها على المدى الطويل.

من إرهاق مؤقت إلى احتراق مزمن

إن تجاهل الاحتياجات الصحية للأم لا تتوقف آثاره عند حدود المرض العابر، بل قد يقود إلى إرهاق مزمن، وضعف في جهاز المناعة، وزيادة قابلية الإصابة بالعدوى، وقد يتطور في بعض الحالات إلى اكتئاب أو قلق مزمن يصعب التعافي منه. ولا يقتصر هذا الضرر على الأم وحدها، بل ينعكس على الأسرة بأكملها، إذ يقوم استقرار الحياة الأسرية في كثير من الأحيان على توازنها الجسدي والنفسي. ومع استمرار العمل والرعاية دون فترات راحة كافية، يتضاعف الضغط النفسي والجسدي، وتطول مدة التعافي، ليتحول المرض من حالة مؤقتة إلى معاناة مستمرة. من هنا، يصبح الاهتمام بصحة الأم والاستثمار في رفاهيتها استثمارا مباشرا في استقرار الأسرة وقدرتها على الاستمرار في أداء مهامها اليومية.

الأم تستحق الراحة

يبدأ الدعم الحقيقي للأم من وعيها بذاتها ومكانتها كفرد داخل الأسرة، ومن إدراكها أن إشراك بقية أفراد الأسرة في المسؤوليات اليومية وإعادة توزيع الأدوار بشكل عادل ليس تقصيرا، بل ضرورة صحية وإنسانية. فإهمال صحتها اليوم سينعكس مستقبلا على الجميع، بينما العناية بها تمثل استثمارا في مستقبل الأسرة بأكملها. كما يلعب التضامن بين النساء دورا مهما في كسر الصورة النمطية للأم التي تتحمل كل شيء بصمت، ورفض فكرة أن المرض أو الحاجة إلى الراحة دليل ضعف أو تقاعس.

وعلى مستوى الأسرة، تبرز الحاجة إلى إعادة توزيع المسؤوليات عند تعرض الأم لأي وعكة صحية، بحيث يشارك الزوج والأبناء في أعمال المنزل والرعاية اليومية. هذا الدعم لا يخفف العبء الجسدي فحسب، بل يمنح الأم شعورا بالتقدير والاهتمام، وهو عنصر أساسي في التعافي النفسي والجسدي. أما في بيئات العمل، فتظل الحاجة قائمة إلى سياسات أكثر مرونة وتفهما لواقع الأمهات العاملات، من خلال إجازات مرضية عادلة، وخيارات العمل عن بعد، ودعم حقيقي للتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تغييرات متداخلة على أكثر من مستوى، تبدأ بإعادة النظر في توزيع الأدوار داخل الأسرة لتصبح مسؤولية مشتركة لا عبئا حصريا على الأم، وتمتد إلى ترسيخ قيم المساواة منذ الطفولة، وصولا إلى إعادة تشكيل الخطاب المجتمعي والثقافي الذي يربط قيمة الأم بقدرتها على التحمل غير المحدود. فالقوة الحقيقية للأم لا تكمن فقط في التضحية بصحتها من أجل الآخرين، بل أيضا في قدرتها على الاعتناء بنفسها وحماية توازنها.

حين تمر الأم بتجربة المرض وسط مسؤوليات لا تعرف التوقف، وفي ظل غياب الاعتراف بحقها في الراحة، يصبح التعافي مهمة شبه مستحيلة. هذا الواقع يفرض ثمنا صحيا ونفسيا باهظا على الأمهات، ولا يتوقف أثره عند حدودهن الشخصية، بل يمتد ليطال الأسرة والمجتمع بأكمله. إن الاعتراف بمعاناة الأم المريضة، وتوفير الدعم العملي والمعنوي لها، إلى جانب إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، تمثل خطوات أساسية نحو بناء نموذج أسري أكثر إنسانية وتوازنا. فصحة الأم ليست ترفا أو خيارا مؤجلا، بل حجر الأساس لاستقرار الأسرة وسلامة المجتمع ككل.

المصدر: مواقع إلكترونية