أين التمثيل والمسؤولية واللحمة الوطنية: تفكير نسوي فلسطيني في السياسة والتوقيت والقيادة ؟

25 كانون الثاني 2026
سخنين-نساء FM- أعادت الصورة التي انتشرت عقب المظاهرة في سخنين، والتي ظهر فيها رؤساء الأحزاب المحلية وهم يعلنون التزامهم بتشكيل قائمة مشتركة، من دون وجود امرأة واحدة، إلى الواجهة نقاشًا قديمًا، ومتجددًا في آن واحد. برز غضب حقيقيّ في التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، وخيبة أمل، وانتقادات حادّة؛ لغياب النساء عن المشهد السياسي، وخصوصًا عن لحظة الإعلان والقرار. هذا الغضب مفهوم، ومشروع، ويعكس وعيًا متزايدًا بحقيقة أنّ الإقصاء الجندري لم يعد أمرًا يمكن تجاهله أو تبريره.
لكن، كامرأة فلسطينية نسوية، تعمل وتفكّر داخل سياق وطني مركّب، ومفتوح على صراعات متداخلة، يصعب عليّ أن أتعامل مع هذه الصورة فقط بوصفها مثالًا على إقصاء النساء. ليس لأنّ الإقصاء أقل خطورة، بل لأنّه يحدث داخل حقل سياسي مثقل بتحديات جماعية، وبأسئلة تتعلق بالتمثيل، والتوقيت، والمسؤولية السياسية.
نضال النساء لا يحدث في فراغ
تُعلّمنا النظرية النسويّة، لا سيّما تلك التي طوّرتها نساء من جماعات مُهمَّشة، أنّ النضال الجندري لا يحدث في فراغ. مفهوم "تقاطع أشكال القمع" يوضّح أنّ النساء لا يواجهن التمييز فقط بسبب كونهن نساء، بل أيضًا بسبب انتمائهنّ القومي، والطبقي، والعرقي، والسياسي. بالنسبة للنساء الفلسطينيات، وتحديدًا داخل الخط الأخضر، فإنّ هذا يعني العيش في تقاطع دائم بين نضال نسوي، ونضال وطني داخل منظومة سياسية لا تتعامل معنا كمواطنات متساويات، ولا كجزء طبيعي من مراكز التأثير والقرار.
في هذا السياق، لم يتطوّر النضال النسوي الفلسطيني يومًا كنضال منفصل عن القضية الوطنية، بل كنضال يحاول أن يعمل داخلها، وأن يؤثّر فيها، وأحيانًا أن يصطدم معها. هو نضال لا يملك ترف الانفصال عن القضية الوطنية، ولا رفاهية الشعارات البسيطة، بل يُجبر على إدارة التعقيد، والتناقض، واتخاذ قرارات صعبة في كل مرحلة.
النساء في الفضاءات الوطنية: حضور مشروط
تجربة النساء الفلسطينيات في الفضاءات السياسية، والوطنية ليست جديدة. حتى في المساحات التي يُفترض أن تكون جامعة، وموحِّدة، ومُسخَّرة للنضال الجماعي، كالمظاهرات والاحتجاجات الوطنية، عانت النساء من الإقصاء، والتهميش، وأحيانًا من التحرش الجنسي الصريح. تصف الأدبيات النسوية هذا الواقع بأنّه "إقصاءٌ داخل النضال"؛ إذ يُطلب من النساء أن يكنّ حاضرات، وداعمات، ومجندات، من غير أن يكنّ شريكات كاملات في صياغة القرار، أو قيادة المسار.
ورغم ذلك، اختارت كثير من النساء الفلسطينيات، مرارًا، ألّا يحوّلن كل تجربة إقصاء، أو أذى إلى معركة علنية في لحظتها. ليس خوفًا من العواقب، ولا قبولًا بالأمر الواقع، بل قراءة سياسية واعية للحظة، والسياق. هذا النوع من الاختيارات يُعرَف في الفكر السياسي بوصفه خيارًا إستراتيجيًّا، يدلّ على إدراك أنّ النضال متعدّد المستويات، وأنّ التركيز على معركة واحدة في توقيت غير محسوب، قد يضرّ بمسار أوسع.
ومن المهم التأكيد أنّ هذا الخيار ليس مثاليًّا، وليس عدلًا، ولا ينبغي له أن يتحوّل إلى قاعدة مفروضة على النساء. هو خيار فُرض في كثير من الأحيان بحكم الواقع، وكلّف النساء أثمانًا نفسية، وسياسية باهظة، لكنّه يعكس حقيقة أنّ النساء لم يكنّ فقط مناضلات، بل أيضًا مديرات دائمات لشروط النضال نفسه.
سياسة التوقيت: بين الصوت والمسؤولية
أحد المفاهيم الأساسية، الأقل تداولًا، في النسوية السياسية هو مفهوم "التوقيت". متى نرفع الصوت؟ ومتى نُصعّد؟ ومتى نختار تأجيل المواجهة، لا إلغائها؟
بالنسبة للنساء الفلسطينيات، التوقيت ليس مجرد حساب تكتيكي، بل قرار وجودي، مرتبط بالسؤال: كيف نحافظ على اللحمة الوطنية من دون أن ندفع ثمنها إسكاتًا دائمًا لقضايانا؟
تميل السياسة الشعبوية إلى اختزال الواقع في ثنائيات حادة: إما نضال وطني وإما نضال نسوي؛ إما وحدة وإما نقد؛ إما الآن وإما أبدا، لكنّ الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات. النسوية المسؤولة لا تسعى إلى تفكيك الجماعة، بل إلى تعميقها. لا تتجاهل السياق، بل تعمل داخله، أحيانًا بهدوء، وأحيانًا بمواجهة مباشرة.
الصورة كعَرَض لا كسبب
من هنا، فإنّ الصورة التي التُقطت في سخنين ليست المشكلة بحد ذاتها، بل هي عَرَض لبنية سياسية أوسع، لا تزال ترى القيادة، واتخاذ القرار مساحة ذكورية في الأساس. في هذا المعنى، يكتسب الغضب الذي أثارته الصورة مبرّرًا، بل يصبح ضروريًّا. ويبقى السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذا الغضب؟
هل نكتفي بردّ فعل لحظي على وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم نحاول استثمار اللحظة لفتح نقاش أعمق حول بنى السلطة، ومعايير القيادة، وشروط التمثيل؟ هل نوجّه النقد فقط إلى من ظهروا في الصورة، أم أيضًا إلى النظام السياسي، والاجتماعي الذي جعل هذا المشهد يبدو طبيعيًّا للبعض؟
القيادة والتمثيل من منظور نسوي سياسي
تشير الأدبيات المتعلقة بالقيادة النسوية إلى أنّ التمثيل ليس مسألة عددية فحسب، بل مسألة نوعية. وجود النساء في مواقع اتخاذ القرار لا يغيّر شكل القيادة فقط، بل مضمونها؛ طبيعة النقاش، وترتيب الأولويات، وطريقة التعامل مع الأزمات. في السياق الفلسطيني، يعني ذلك أيضًا توسيع تعريف "القضية الوطنية" ليشمل تجارب النساء، وأعباءهنّ، وأسئلة العدالة داخل النضال نفسه.
تُدرك النسوية السياسية، خصوصًا في سياق جماعي مأزوم، أنّ المطالبة بالتمثيل لا يمكن أن تكون معزولة عن السياق العام. التحدّي الحقيقي هو صياغة هذه المطالبة بطريقة لا تُقدَّم في صورة تهديد للوحدة، بل في صورة شرط لتعزيزها. هذا تحدٍّ صعب، وأحيانًا مُحبِط، لا مفرّ منه إذا أردنا وحدة حقيقية ومستدامة.
بين التمثيل واللحمة الوطنية
الصورة من سخنين ليست فقط توثيقًا لغياب النساء، بل انعكاسٌ لسؤال أعمق: أي نوع من الوحدة نريد أن نبني؟
نحن، كنساء فلسطينيات، تعلّمنا أن ندير نضالاتنا بوعي وتعقيد، لا بالشعارات. تعلّمنا أنّ المسؤولية، أحيانًا تعني رفع الصوت بوضوح، وأحيانًا تعني اختيار توقيت آخر، لكن من دون التخلّي أبدًا عن حقنا في أن نكون جزءًا من الحيّز السياسي.
وحدة لا تشمل النساء ليست وحدة مكتملة. وفي المقابل، نضال من أجل المساواة يتجاهل السياق الوطني والسياسي الذي يعمل داخله، قد يفقد الكثير من قوّته. بين هذين القطبين، نحن بحاجة اليوم إلى نقاش سياسي حقيقي، وشجاع، وغير دفاعي، نقاش يعترف بالتعقيد كنقطة انطلاق، لا كمشكلة يجب إخفاؤها، أو القفز فوقها.
المصدر : عرب 48
