
غزة-نساء FM- تراجع الاقتصاد في قطاع غزة بأكثر من 85% ليس رقمًا عابرًا يمكن التعامل معها إحصائية جافة ضمن تقارير دورية، بل هو مؤشر صادم على انهيار شامل أصاب المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في عمقها. هذا التراجع يعكس خروج اقتصاد كامل من دورة النمو الطبيعي ودخوله مرحلة إدارة البقاء، حيث لم تعد الأنشطة الاقتصادية تعمل وفق منطق الإنتاج والتوسع، وإنما وفق منطق الصمود والحد الأدنى من الاستمرار.
في ظل عدوان مستمر، وبنية تحتية مدمرة إلى حدٍّ غير مسبوق، وسوق عمل شبه مشلول، تتكشف صورة اقتصاد منهك فقد معظم قدرته على توليد الدخل وتشغيل الأيدي العاملة وتأمين مقومات الحياة الأساسية.
لفهم حجم هذه الكارثة الاقتصادية وتداعياتها على الحاضر والمستقبل، تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن تراجع الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بأكثر من 85% يعني عمليًا انهيارًا كاملًا في المنظومة الاقتصادية، وليس مجرد ركود أو انكماش دوري كما يحدث في الأزمات التقليدية.
وقال محمد قلالوة مدير عام الإحصاءات الاقتصادية في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال حديثه لنساء إف إم إن هذا الانهيار جاء نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من البنية التحتية في قطاع غزة تعرضت للتدمير الجزئي أو الكلي، ما أفقد الاقتصاد مقوماته الأساسية. فحين نتحدث عن اقتصاد منهار، فإننا نتحدث بالضرورة عن مؤشرات اجتماعية مرافقة، أبرزها الارتفاع الحاد في معدلات البطالة والفقر، وانخفاض مستويات الدخل إلى حدود غير مسبوقة. بل إن الوضع في غزة تجاوز مفهوم الفقر التقليدي، ليدخل مرحلة أكثر خطورة تتمثل في انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث تشير المعطيات إلى أن أكثر من 90% من السكان يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع اقتراب الواقع المعيشي من مفهوم المجاعة.
وتابع ان معدلات البطالة في قطاع غزة بلغت نحو 77% خلال عام 2024، مع تقديرات تشير إلى تجاوزها 80% في بعض الفترات، ما يعني أن غالبية القوى العاملة باتت خارج سوق العمل، وأن أكثر من 350 ألف شخص فقدوا مصادر دخلهم بشكل كامل. هذا الواقع يعكس ضربًا مباشرًا في القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، حيث تضررت جميع القطاعات الاقتصادية دون استثناء. فقد دُمّر قطاع الإنشاءات بشكل كامل تقريبًا، وتراجع النشاط الصناعي بنسبة تقارب 95%، بينما شهد قطاع الزراعة تراجعًا بنحو 92%، في حين انخفض نشاط قطاع الخدمات بأكثر من 80%. هذه الأرقام تؤكد أن ما يجري في غزة ليس تآكلًا تدريجيًا في النشاط الاقتصادي، بل انهيارًا متكاملًا في بنية الاقتصاد الهيكلية.
واضاف انه قبل العدوان، كان حجم الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة يقدّر بنحو ثلاثة مليارات دولار، أما اليوم فيتراجع هذا الرقم إلى أقل من 300 مليون دولار، ما يعني تقلص الاقتصاد إلى أقل من عُشر حجمه السابق. كما كان يدخل إلى القطاع يوميًا ما بين 500 إلى 600 شاحنة في الحد الأدنى لتلبية احتياجات السوق وسلاسل التوريد، في حين أدى الإغلاق والاستهداف إلى انهيار هذه السلاسل بشكل شبه كامل. ويُضاف إلى ذلك أن قطاع غزة كان يعاني أصلًا من حصار خانق استمر لأكثر من 18 عامًا قبل العدوان، ما فاقم من هشاشة الاقتصاد ورفع مستويات التضخم. وخلال عام 2024، تجاوز ارتفاع الأسعار نسبة 340% نتيجة النقص الحاد في السلع الأساسية وتعطل سلاسل التوريد، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستويات المعيشة وأدخل المجتمع في دائرة الجوع وسوء التغذية.
على مستوى الاقتصاد الفلسطيني ككل، كان وزن قطاع غزة يشكل نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي قبل العدوان، أما اليوم فقد تراجع إلى أقل من 4%، ما يعكس أثر الانهيار العميق في القطاع على الاقتصاد الوطني برمته. ورغم تسجيل ارتفاع هامشي في الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية، فإن ذلك لا يعوض الخسارة الهائلة الناتجة عن تدمير اقتصاد غزة، بل يشير إلى حالة ركود عميق وممتد تطال الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.
واكد قلالوة ان هذا الانهيار الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على مؤشرات التنمية البشرية، حيث تشير التقديرات إلى أن فلسطين عادت إلى الوراء نحو عشرين عامًا على صعيد الدخل والتعليم والصحة ومستوى المعيشة. فالحرب لم تقتصر على استهداف البشر والبنية التحتية، بل امتدت لتكون حربًا على الاقتصاد، وعلى مصادر الدخل، وعلى الأمن الغذائي، في سياق سياسة تجويع ممنهجة تركت آثارًا طويلة الأمد على المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.
فيما يتعلق بآفاق التعافي، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بتعافٍ قريب في ظل استمرار الأوضاع القائمة. فالتعافي الاقتصادي مرتبط بشكل أساسي بعوامل سياسية خارجية، وعلى رأسها وجود أفق سياسي وحل جذري يرافقه مسار اقتصادي متزامن، يتيح إدخال المساعدات، وإعادة إعمار البنية التحتية، واستعادة الحد الأدنى من النشاط الإنتاجي. وفي غياب ذلك، يبقى هامش السياسات الاقتصادية محدودًا للغاية، ولا يسمح بإحداث اختراق حقيقي في مسار الانهيار.
بحسب السيناريوهات التي وضعها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني استمرار التراجع الاقتصادي خلال عام 2025، مع مزيد من الانكماش في قطاع غزة. أما السيناريو المتفائل، فيبقى مشروطًا بتثبيت وقف إطلاق النار وبدء عملية إعادة الإعمار وإدخال المساعدات بشكل منتظم، وهو سيناريو قد يتيح تعافيًا محدودًا لا يعيد الاقتصاد إلى ما كان عليه قبل العدوان. في المقابل، فإن السيناريو المتشائم، في حال استمرار التصعيد ومنع دخول المساعدات، ينذر بوضع كارثي أعمق وأكثر خطورة على المستويين الاقتصادي والإنساني.
في المحصلة، فإن تراجع الاقتصاد في قطاع غزة بأكثر من 85% لا يمثل أزمة دورية أو مرحلة عابرة، بل نقطة كسر تاريخية تهدد بتفكيك القاعدة الاقتصادية والاجتماعية بالكامل. نحن أمام اقتصاد يعمل بأدنى مستوياته الممكنة، ويُدار بمنطق الصمود لا النمو. وخطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في حجم الخسائر الحالية، بل في آثارها التراكمية على الإنسان وعلى مستقبل الأجيال القادمة. وإذا لم يُترجم هذا الواقع إلى تدخلات جدية وقرارات سياسية واقتصادية جذرية، فإن كلفة التعافي في المستقبل ستكون أعلى بكثير من كلفة الإنقاذ اليوم.
