
رام الله-نساء FM- في واقعٍ فلسطيني يفرض تحديات مركّبة على النساء، ما بين ضغوط اجتماعية ومهنٍ محكومة بقوالب نمطية صارمة، تبرز قصص نساء اخترن السير عكس التيار، لا بدافع التحدي فقط، بل إيمانًا بقدرتهن على صناعة مسار مختلف.
في حلقة جديدة من برنامج "ملهمات الوطن"، ضمن برنامج "قريب" الذي تنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CF، وتبثه إذاعة نساء إف إم، نسلّط الضوء على تجارب نسائية ملهمة اقتحمت مجالات يُنظر إليها تقليديًا على أنها حكر على الرجال، ونجحن في ترسيخ حضور مهني قائم على الجدارة والإصرار.
من القدس إلى غزة، تتقاطع التجارب عند جوهر واحد: قوة الإرادة، الصبر، والاعتماد على الذات. هذا الأسبوع، نلتقي سارة جعبة، سائقة حافلة من القدس، وأمل عبيد، نجّارة من غزة، قصتان تعكسان كيف يمكن للإصرار أن يحوّل الشك إلى احترام، والعقبات إلى نقاط قوة.
سارة جعبة : سائقة حافلة من القدس
تروي سارة جعبة أن دخولها مهنة قيادة الحافلات لم يكن قرارًا سهلًا، إذ رافقته مخاوف وتساؤلات، خاصة في ظل مسؤولياتها كأم لبنتين، ورغبتها في إيجاد عمل يتيح لها التوازن بين الحياة الأسرية والمهنية.
تقول سارة: "البداية كانت صعبة، كنت مترددة، وكنت بدوّر على شغل يناسبني كأم لبنتين ويخليني أقضي وقتي معهم، وكنت أحب القيادة منذ الصغر."
وتضيف أن ردود فعل المجتمع لم تكن مرحِّبة في البداية، حيث قوبل وجودها في هذا المجال بدهشة واستغراب، كونها امرأة تعمل في مهنة غير مألوفة. "في البداية لم يكن الأمر سهلاً، الناس كانوا متفاجئين، خاصة أنني امرأة في هذا المجال."
ومع مرور الوقت، تغيّرت هذه النظرة تدريجيًا بفعل الالتزام وحب المهنة: "مع الوقت ومع حبي للقيادة وإصراري، أصبح الناس يحترمون عملي."
وترى سارة أن الاستمرار والنجاح يرتبطان بالقوة الداخلية قبل أي شيء آخر، قائلة: "حتى مع كل الدعم، اللي بيخليك تكمل هو قوة الإرادة الداخلية، الواحد ما بيقدر يعيش بس على دعم الآخرين."
أمل عبيد: نجّارة من غزة
أما أمل عبيد، فقد واجهت تحديات مضاعفة، كونها امرأة مطلقة وأم لابنة، اختارت العمل في مهنة النجارة، وهي من أكثر المهن ارتباطًا بالنظرة الذكورية في المجتمع.
تصف أمل قرارها بالقول: "كانت خطوة خطيرة جدًا، بالبداية كنت أتعرض للسخرية وحتى من داخل العائلة."
وتوضح أن التشكيك بقدرتها كان حاضرًا بشكل مباشر: "الرجال كانوا يشككون بقدرتي: 'هاي بتقدر تشيل؟ هاي بتقدر تتحمّل؟’."
ولم تتوقف الصعوبات عند النظرة الاجتماعية فقط، بل امتدت إلى بيئة العمل نفسها، حيث لم تجد تقبلًا في البداية حتى من أماكن شراء الأدوات والخشب: "حتى بالمنجرة التي أشتري منها الخشب والآلات، بالبداية لم يكن في تقبل إطلاقًا."
لكن الإصرار والعمل الدؤوب شكّلا نقطة التحوّل، كما تقول أمل: "مع الوقت، ومع إنجازاتي وشغلي الدؤوب، تغيرت نظرة الناس، وصرت ألقى احترام الجميع."
وتضيف: "حتى صاحب المنجرة صار يساعدني، والشباب صاروا ييجوا ويشتغلوا معي. الضربة اللي ما بتموت… بتقوي."
أثر التجربة وكسر القوالب النمطية
لم تقتصر تجربتا سارة وأمل على تحقيق إنجاز شخصي، بل تجاوزت ذلك لتصبح مصدر إلهام لنساء أخريات، خصوصًا في مجتمع ما زالت فيه الكثير من المهن محاطة بأحكام مسبقة.
تعبّر سارة عن هذا الأثر بقولها:"أنا أتمنى أن أكون قدوة لبناتي ولكل الفتيات، حتى يعرفوا أن المرأة قادرة على خوض مجالات غير تقليدية وتحقيق النجاح بنفسها."
أما أمل، فتؤكد أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر الاستمرار والإيمان بالذات: "كل امرأة تواجه صعوبات في مجالات يهيمن عليها الرجال، عليها أن تؤمن بنفسها وتستمر، لأن الإصرار والالتزام يغيران نظرة الناس تدريجيًا."
الإلهام المستمر والمستقبل
تجمع الضيفتان على أن تجاوز العقبات الأولى لا يعني نهاية التحديات، بل بداية مسار يتطلب صبرًا وعزيمة متجددة.
قصتاهما تقدّمان نموذجًا حيًا لنساء استطعن فرض حضورهن في مجالات غير تقليدية، مؤكدتين أن الثقة بالنفس والدافع الداخلي هما الأساس في أي تجربة نجاح.
