
غزة – نساء FM- في قلب غزة، حيث تكتظ الخيام بالألم، تتكشف قصص نساء يواجهن الحياة بقوة رغم الصعاب. كثيرات منهن وحيدات، مريضات، أو من ذوات الإعاقة، ويجمعهن قاسم مشترك واحد هو حاجتهن الملحّة إلى غاز الطهي. بالنسبة لهن، لا يُعد الغاز رفاهية، بل ضرورة للحياة، إذ يخفف مشقة إعداد الطعام ويحمي صحتهن من أضرار دخان الحطب. كل يوم انتظار يشكل تحديًا جديدًا، معركة صامتة بين الاحتياج والغياب، وبين الألم والكرامة. قصصهن مرآة لمعاناة واسعة تكشف أن أبسط الحقوق الإنسانية، أي الطعام الساخن، قد يتحول إلى حلم بعيد المنال.
وجع صامت
مع غروب كل يوم، تجلس خديجة سالم أمام خيمتها الصغيرة، تراقب الدخان المتصاعد من نار الحطب كأنه شاهد صامت على معركة يومية تخوضها وحدها. خديجة، البالغة من العمر سبعة وثلاثين عامًا، غير متزوجة، ومصابة بالسرطان، وتعيش في خيمة لا تملك فيها سوى القليل من الأغراض والكثير من الصبر. منذ فقدت بيتها واستقرت في هذا المكان المؤقت، تحولت تفاصيل الحياة البسيطة إلى عبء ثقيل على جسد أنهكه المرض والعلاج.
أمجد الشوا : حرمان نساء من تسلّم حصصهن من غاز الطهي خلل خطير في آليات الاستجابة
لا تملك خديجة غاز الطهي، فتضطر إلى استخدام الحطب لإعداد طعامها القليل. تجمع ما تيسر من خشب وبقايا، وتشعل النار بيدين مرتجفتين، بينما يلف الدخان وجهها ويخنق أنفاسها.
تدرك أن هذا الدخان يضر بصحتها ويزيد من آلام صدرها المتعب، لكنها لا تملك خيارًا آخر. الجوع لا ينتظر، والمرض لا يمنح مهلة، والعيش وحيدة يجعل كل مهمة بسيطة معركة قائمة بذاتها.
داخل خيمتها، تتقاسم خديجة وقتها بين الصمت والتفكير، وبين محاولات الحفاظ على كرامتها رغم الحاجة. لا معيل لها، ولا زوج، ولا عائلة قريبة تسندها في يومياتها الثقيلة. حاجتها إلى غاز الطهي ليست طلبًا استثنائيًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة تخفف عنها مشقة الحياة وتحمي صحتها من أخطار لا تحتملها حالتها المرضية.
تشبه قصة خديجة سالم قصص كثيرات من نساء غزة اللواتي اجتمع عليهن المرض والفقر والوحدة. هي صورة لامرأة تحاول البقاء واقفة في وجه ظروف تفوق طاقتها. في خيمتها المتواضعة، لا تطلب خديجة سوى أبسط الحقوق: وسيلة آمنة للطهي، وحياة أقل قسوة، تتيح لها مواجهة مرضها بكرامة، لا بدخان الحطب وألم إضافي.
معاناة يومية
تعيش دعاء قشلان مع شقيقتها في غزة، وكلتاهما من ذوات الإعاقة الحركية، وسط ظروف حياتية صعبة تزيد من تحديات يومهما. الحرب والفقر وانقطاع الغاز جعلت كل مهمة بسيطة عبئًا ثقيلًا، حتى إعداد الطعام بات يعتمد على مساعدة الآخرين. كل يوم يمر يحمل معه ضغوطًا جديدة، ومع حلول الشتاء تتضاعف الاحتياجات من طعام وشراب وتدفئة، ويصبح البقاء بأمان وكرامة تحديًا أكبر.
تواجه دعاء وشقيقتها حياتهما بصبر وصمود، لكن حاجتهما إلى غاز الطهي ليست رفاهية، بل ضرورة أساسية لتخفيف المشقة اليومية وحماية صحتهما. كل نقص في أبسط مقومات الحياة يزيد من معاناتهما ويجعل التحديات أكثر قسوة.
تعكس قصتهما الواقع اليومي لآلاف النساء ذوات الإعاقة في غزة، اللواتي يواجهن الفقر والوحدة والظروف القاسية يومًا بعد يوم. حاجتهن إلى غاز الطهي وسواه من الضروريات الأساسية ليست مجرد طلب، بل حق إنساني عاجل يحتاج إلى استجابة فورية تخفف أعباء الحياة المتراكمة عنهن.
نداء إنساني
في موقف إنساني واضح، أكد أمجد الشوا، مدير «شبكة المنظمات الأهلية في غزة»، أن حرمان عدد من النساء من تسلّم حصصهن من غاز الطهي يعكس خللا خطيرًا في آليات الاستجابة للاحتياجات الأساسية، ويضاعف معاناة فئات تعيش أصلاٍ تحت ضغط إنساني قاسٍ. وقال الشوا لـ«القدس العربي» إنه يضم صوته إلى أصوات السيدات اللواتي وجدن أنفسهن خارج قوائم الاستحقاق، رغم أن ظروفهن الاجتماعية والصحية تجعلهن الأَولى بالحماية والدعم، خاصة النساء اللواتي يعشن بمفردهن دون أب أو زوج، أو اللواتي يعانين من أمراض مزمنة أو إعاقات، ولا يملكن أي معيل أو سند.
وأوضح أن هؤلاء النساء يواجهن تحديات يومية قاسية تتعلق بتأمين أبسط متطلبات الحياة، وأن غاز الطهي ليس رفاهية، بل حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. وأضاف أنه طالب مرارًا الجهات المعنية بإنصاف هذه الفئة، وسيواصل المطالبة حتى يتم إنفاذ هذا الحق بشكل عادل ومنظم، مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية تقتضي عدم استثناء الفئات الأكثر هشاشة من منظومة التوزيع.
ودعا الشوا الجهات المختصة إلى الاستماع بجدية لهذه النداءات والتعامل معها بمسؤولية عالية، بعيدًا عن أي إجراءات بيروقراطية تزيد الألم بدل أن تخففه. وشدد على أن النساء في غزة حملن أعباء هائلة خلال سنوات طويلة من الحصار والحرب والفقر، وأن استمرار تجاهل مطالبهن العادلة يزيد من شعورهن بالظلم والإقصاء. وختم بالتأكيد أن تلبية هذه المطالب تمثل واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وخطوة ضرورية للتخفيف من معاناة النساء وصون كرامتهن، مشيرًا إلى أن ما تعرضن له من وجع وألم يكفي، وأن إنصافهن لم يعد يحتمل أي تأجيل.
قصص هؤلاء النساء في غزة تذكر أن أبسط حقوق الإنسان قد تتحول أحيانًا إلى أبرز معارك البقاء. حاجتهن إلى غاز الطهي ليست ترفًا، بل ضرورة يومية تحمي صحتهن وتخفف معاناتهن، وتلبية هذه الحاجة تشكل خطوة أساسية نحو احترام كرامتهن وضمان حقهن في حياة أقل قسوة، وتؤكد أن التضامن والإنصاف واجب إنساني لا يقبل التأجيل.
المصدر : القدس العربي
