.jpg)
رام الله – نساء FM- يصادف اليوم، الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد القائد الرمز والرئيس الراحل ياسر عرفات "أبو عمار"، الذي رحل في مثل هذا اليوم من عام 2004، بعد حصار إسرائيلي دام أكثر من ثلاث سنوات في مقر المقاطعة بمدينة رام الله.
تحلّ هذه الذكرى في ظل حرب إبادة وتطهير عرقي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، حيث لا تتوقف آلة العدوان الإسرائيلية عن القتل والتدمير والتهجير والاعتقالات اليومية، فيما لا يزال الدم الفلسطيني ينزف في قطاع غزة، مخلفاً أكثر من 69 ألف شهيد و170 ألف مصاب، في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر.
رمز الثورة وباني الهوية الوطنية
ياسر عرفات، الذي وُلد في القدس عام 1929، واسمه الكامل محمد ياسر عبد الرؤوف داود سليمان عرفات القدوة الحسيني، تلقى تعليمه في القاهرة ودرس الهندسة في جامعة فؤاد الأول، وكان منذ شبابه المبكر ناشطاً في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث تولى لاحقاً رئاسة اتحاد طلبة فلسطين.
شارك عرفات كضابط احتياط في الجيش المصري أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، قبل أن يشارك مع عدد من رفاقه الوطنيين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في الخمسينيات، التي أصبحت لاحقاً العمود الفقري للثورة الفلسطينية.
وفي عام 1969 انتخب رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن كان ناطقاً باسم حركة فتح منذ عام 1968، ليصبح القائد العام للثورة الفلسطينية وواجهة النضال الوطني في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
وفي عام 1974، ألقى "أبو عمار" كلمته التاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً: "جئتكم حاملاً بندقية الثائر بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي."
قائد المقاومة والصمود
قاد عرفات معارك عدة دفاعاً عن الثورة الفلسطينية، أبرزها معركة بيروت عام 1982 ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث صمدت قوات الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية طوال 88 يوماً من الحصار، قبل أن يغادر بيروت قائلاً للصحفيين: أنا ذاهب إلى فلسطين."
وفي الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1988، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر قيام دولة فلسطين، ليطلق عرفات بعد ذلك مبادرته التاريخية للسلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، ما فتح الباب لحوار أميركي – فلسطيني للمرة الأولى في التاريخ.
وفي العشرين من كانون الثاني 1996، انتخب الشعب الفلسطيني ياسر عرفات أول رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية، فبدأ مسيرة بناء مؤسسات الدولة رغم صعوبة المرحلة وتعقيداتها السياسية.
لكن بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 بسبب التعنت الإسرائيلي، اندلعت انتفاضة الأقصى، فحاصر الاحتلال الرئيس عرفات في مقر المقاطعة، وفرض عليه عزلة قاسية لسنوات. وفي عام 2004، تدهورت حالته الصحية ونقل للعلاج في فرنسا حيث استشهد فجر الخميس 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، وسط شبهات قوية بتعرضه للتسمم.
حديث نساء إف إم – رسالة الذاكرة والوفاء
وفي حديث خاص لنساء إف إم، تحدث الدكتور عودة مشارقة، مدير مؤسسة ياسر عرفات، عن أهمية هذه الذكرى وما تحمله من رمزية وطنية عميقة، قائلاً: "الذكرى ليست مجرد مناسبة للوفاء، بل محطة لتجديد الالتزام بالمبادئ التي ناضل من أجلها القائد الرمز. نحن في مؤسسة ياسر عرفات نحرص كل عام على تنظيم برنامج شامل يمتد لأيام عدة، يجسد فكر الشهيد ويعرّف الأجيال الجديدة بإرثه الوطني."
وأوضح مشارقة أن الفعاليات انطلقت من مقر المقاطعة في رام الله بمراسم وضع أكاليل الزهور على ضريح الراحل، بمشاركة رسمية وشعبية واسعة، تلاها معرض صور ووثائق تاريخية من مقتنيات متحف ياسر عرفات، إضافة إلى ندوات فكرية وثقافية تناولت مسيرته السياسية وتجربته في القيادة والمقاومة.
وأضاف أن المؤسسة تولي اهتماماً خاصاً بالشباب والطلبة من خلال ورش عمل ومحاضرات في المدارس والجامعات، تهدف إلى ترسيخ القيم التي حملها عرفات، وتعزيز روح الانتماء الوطني والوعي بالتاريخ الفلسطيني الحديث.
واختتم حديثه قائلاً: "إرث ياسر عرفات ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل هو طاقة متجددة تمدّ الفلسطينيين بالأمل والعزيمة. ومؤسسة ياسر عرفات ستظلّ الحارس الأمين لتاريخه ومنارته للأجيال القادمة."
رحل ياسر عرفات بجسده، لكنه ترك إرثاً لا يموت — إرثاً من النضال والثبات والوحدة الوطنية.
إنه أبو عمار، الاسم الذي اقترن بتاريخ فلسطين الحديث، والرمز الذي سيبقى حاضراً في وجدان الشعب الفلسطيني ما بقيت فلسطين تناضل من أجل الحرية والاستقلال.
