الرئيسية » نساء في العالم العربي »  

منى الحديدي: تمكين النساء يبدأ بإعدادهن علمياً
21 تشرين الأول 2025

 

القاهرة-نساء FM- أكدت د. منى الحديدي أن تمكين المرأة يتطلب وعياً ومسؤولية، وأن الإعلام يحتاج تطويراً شاملاً قائماً على الجودة والصدق بعيداً عن اللهاث وراء الأرقام، كما أشارت إلى مشاركة المرأة الكردية في الحرب ضد وإحساسها بالمسؤولية تجاه المجتمع.

في حوار خاص مع وكالة فرات للأنباء (ANF)، استعرضت الأستاذة الدكتورة منى الحديدي، عضو مجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، عضو لجنة تطوير الإعلام، محطات حياتها العلمية والمهنية، متحدثة عن بداياتها التعليمية في مدارس الراهبات، ودخولها كلية الآداب ثم انطلاقها في دراسة الصحافة والإعلام حتى حصولها على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة.

وخلال الحوار، تحدثت أستاذة الإعلام عن صورة المرأة في السينما الروائية كموضوع لرسالتها للدكتوراه، مؤكدة أن تلك الدراسة كانت الأولى من نوعها داخل جامعة القاهرة. كما تناولت رؤيتها لواقع المرأة في المجتمع العربي، وتجربة المرأة الكردية، إضافة إلى آرائها حول تطوير المحتوى الإعلامي ودور الإعلام في دعم الدولة دون أن يتحول إلى وسيلة دعائية.

وإلى نص الحوار:

بداية، حدثينا عن مسيرتك منذ الطفولة وأهم المحطات التي شكلتها؟

- محطات حياتي متعددة، بدأت من سنوات الطفولة، والتعليم ما قبل الجامعي ودراستي في مدارس الراهبات، وهي مدارس لديها نظام يهتم بالتربية والتعليم معاً، ويركز على بناء الشخصية إلى جانب التحصيل العلمي. مرحلة التعليم الثانوي كانت بالنسبة لي نقلة كبيرة، لأنني لم أمر بمرحلة التعليم الإعدادي كاملة، فقد أجريت معادلة بكلية البنات كانت متاحة وقتها، وانتقلت بعدها إلى الصف الأول الثانوي بعد اجتياز اختبار خاص، فكان هذا التغيير مؤثراً جداً في حياتي. فقد حصلت على شهادة معادلة للثانوية العامة لا تؤهلني إلا للكليات الأدبية فقط، رغم أن ميولي في طفولتي – بتأثير من والدي – كانت تتجه إلى دراسة الطب. هذا التحول كان نقطة تحول في مسيرتي، وبعدها التحقت بكلية الآداب قسم الصحافة، وتخرجت منها بتفوق، ثم عُينت معيدة بالقسم، وبعدها بدأت أُحضّر لدرجة الماجستير.

 

وكيف كانت بدايتك مع كلية الإعلام الجديدة آنذاك؟

 

- في ذلك الوقت، كان قد أُعلن عن إنشاء كلية الإعلام باعتبارها تطويراً لقسم الصحافة في كلية الآداب. كنت حينها قد أنهيت الماجستير وبدأت أفكر في موضوع الدكتوراه. وكانت الرسالة نقطة تحول في مسيرتي وتقديمي للمؤسسات الثقافية والفنية الأخرى، فقد قررت أن تكون رسالتي عن صورة المرأة في السينما الروائية. كان هذا الموضوع جديداً وغير مطروق في جامعة القاهرة، فكانت رسالتي أول رسالة عن السينما داخل جامعة القاهرة كلها بجميع التخصصات.

 

كيف بدأتِ مسيرتك المهنية بعد التخرج؟

 

- هذه كانت نقطة ومحطة أخرى مهمة في مسيرتي؛ فبعد تخرجي من كلية الآداب قسم الصحافة، كنت الثانية على دفعتي، فدخلت امتحانات الإذاعة بالبرنامج العام، وفي أثناء الامتحان جاءني قرار تكليفي معيدة في الكلية. كنت أمام خيارين: إما الالتحاق بالإذاعة وتحقيق حلم الشباب بأن أصبح مذيعة معروفة، أو الدخول إلى السلك الأكاديمي. ناقشت الأمر مع والدي، ونصحني بالاتجاه الأكاديمي، وقال لي: "يمكنك لاحقاً أن تجمعي بين العمل الأكاديمي والإعلامي". وفعلاً، مع الوقت كنت معدة برامج إذاعية منها الجامعة والمجتمع والناس، وكنت مشرفة علمية على برنامج حوار مع الكبار في القناة الأولى المصرية الذي كانت تقدمه الراحلة سامية شرابي، وكذلك أول برنامج للأطفال يُذاع على الهواء مباشرة لمدة 45 دقيقة يوم الجمعة، وكان يقوم على حوار بين الأطفال وبعض قيادات المجتمع.

 

لماذا اخترتِ تحديداً موضوع "المرأة في السينما الروائية" في رسالة الدكتوراه؟

 

- اختياري لهذا الموضوع جاء متزامناً مع "العقد العالمي للمرأة" الذي أعلنته الأمم المتحدة، وكان يهدف إلى الربط بين الفنون ووسائل الإعلام وقضايا المرأة. تأثرت كثيراً بهذه المبادرة الأممية، وأحببت أن أخرج عن النطاق الأكاديمي التقليدي الذي كان يركّز على الدراما أو الإذاعة. اخترت مجال السينما لأنه كان جديداً، وربما بحكم سنوات الشباب كان عندي شغف بالتجديد والانفتاح وعدم السير في طريق مكرر.

 

*وما النتائج التي توصلتِ إليها في دراستك للدكتوراه، ماذا عن المقارنة بما توصلتي إليه وما عليه وضع المرأة حالياً في السينما؟

 

- النتائج التي خرجت بها لم تكن في صالح المرأة للأسف. فقد كشفت الدراسة أن المرأة تُقدَّم في السينما المصرية غالباً كإنسانة ضعيفة، تُعتدى عليها، أو تُستغل. كنت أعتبر هذه النتائج بمثابة "جرس إنذار" ينبه لأهمية تحسين صورة المرأة في الفنون ومساندة وضعها. لكن السينما في السنوات الأخيرة اتجهت للأسوأ في بعض الأحيان، إذ صارت تُظهر المرأة كأنها "شريرة" أو "جاسوسة"، وإذا كانت سكرتيرة تُظهرها كمن تخون رئيسها أو تحاول الاستيلاء عليه. هذا التناول أحدث ما أسميه رد فعل عكسياً لدى الجمهور، الذي صار يقول: "أنتم تطالبون بحقوق المرأة وهي تفعل كذا وكذا"، مما يضر بقضيتها ويشوه صورتها بدل دعمها. وتجربتي تلك جعلتني أهتم بمجال آخر وهو السينما التسجيلية، إذ شعرت أن السينما الروائية لا تعكس الحقيقة بقدر ما تخدم الخيال والمبالغة. وهذا الاهتمام كان أيضاً نوعاً من الانفتاح والتجديد في اهتمامي الأكاديمي، وعبر عن ميلي للانفتاح نحو مجالات أخرى.

 

من خلال خبرتك، ما الذي تحتاجه المرأة العربية اليوم؟

 

- نحن بحاجة إلى تمكين المرأة تمكيناً حقيقياً، لا شكلياً. وهذا يبدأ أولاً بإعدادها علمياً وثقافياً، وتوعيتها بأهمية القيام بواجباتها ومسؤولياتها، لا أن تكتفي بالمطالبة بحقوقها فقط، بل تدريبها وتعليمها وتجهيزها لممارسة دورها وواجباتها. أيضاً، إذا كنا نقول إن المرأة نصف المجتمع، فعليها أيضاً مسؤوليات تجاه الأسرة والمجتمع سواء كانت تعمل أو لا تعمل. المرأة الواعية تستطيع أن تؤثر إيجابياً حتى من داخل بيتها، مثل ترشيد الإنفاق أو نشر الوعي الأسري.

 

أعتقد أنه لا بد من تغيير قناعات المرأة تجاه نفسها كذلك، فبعض السيدات تنظرن إلى أنفسهن كأنهن أقل من الرجل وأنهن خلقن هكذا، أليس ذلك صحيحاً؟

 

- لا أعتقد أن هذه رؤية الأجيال الموجودة حالياً. للأسف الثقافة المجتمعية وبعض العادات المورثة تجعل المرأة تتصور أنها في منافسة أو صراع مع الرجل، بينما الأصل أن تكون "شراكة"، وأن عليها أدوار يجب أن تقوم بها وأن تتحمل المسؤولية، وليس فقط أن تطالب بحقوقها.

 

*على ذكر الحديث عن المرأة، هل تابعت تجربة المرأة الكردية؟ شراكتها للرجل في كثير من المواقف منها خوض المواجهة ضد تنظيم "داعش"؟

 

- أنا أتعامل مع الأمر ليس من منطلق النوع، بل من منطلق الكفاءة. المهم هو الأداء وليس كون الشخص رجلاً أو امرأة. وصول "التاء المربوطة" إلى أعلى المراكز أو المناصب الكبيرة يجب التعامل معه وفق الأداء والكفاءة وليس مجرد الوصول والعدد، وأن يكون الأمر مرتبطاً بدرجة تأثيرها في المجتمع. المشاركة من قبل المرأة الكردية مثلاً في محاربة "داعش" تدل على ارتفاع مستوى الوعي لديها، كما تعكس إحساساً بالمسؤولية المجتمعية وخدمة المجتمع. وسبق في مصر أن كانت هناك نساءً يشاركن في الجمعيات الأهلية أو في حملات التوعية، ولهم تأثير على المستوى الشعبي حتى لو لم يكن لديهن مناصب رسمية؛ فالتأثير في النهاية ليس بالمناصب، بل بمدى الخدمة الحقيقية للمجتمع. ولدينا أيضاً في تاريخنا المصري نساء كثيرات شاركن في المقاومة الوطنية مثل سيدات الإسماعيلية وبورسعيد خلال العدوان الثلاثي عام 1956، فالمسألة دائماً تتعلق بالوعي والمسؤولية وليس بالمنصب أو الشهرة.

 

*بصفتك عضوة في لجنة تطوير الإعلام في مصر، كيف ترين واقع الإعلام الحالي؟

 

- نحن في اللجنة نعمل على تطوير المحتوى الإعلامي، ولكن يجب أن نوضح أن التطوير لا يتم بقرار أو دعوة، بل هو عملية مستمرة. التطوير يجب أن يشمل الجوانب القانونية والتنظيمية للمؤسسات الإعلامية، إلى جانب تطوير الشكل والأسلوب ووسائل الوصول إلى الجمهور. اليوم هناك أنواع جديدة من الإعلام مثل "إعلام المواطن" و"صحافة المواطن"، لذلك أصبح الإعلام متعدد القنوات والأساليب، ويجب أن يواكب ذلك تطوير شامل. والأهم هو الاهتمام بالكيف لا بالكم، أي بالجودة لا بعدد البرامج أو الأخبار. كما يجب أن يكون الإعلام مسانداً لسياسة الدولة، لكن هذا لا يعني أن يكون دعائياً، بل أن يقدم الصورة الحقيقية الصادقة من مصادرها الأصلية، ويعرض الإيجابيات والسلبيات معاً.

 

*للأسف كثير من المؤسسات الصحفية أصبحت تنظر إلى الأمر بشكل رقمي أي يحسب النجاح بعدد الإعجابات والمشاهدات والمشاركات وغيرها..

 

- للأسف نعم، أصبحت مؤسسات صحفية وإعلامية كثيرة تقيس النجاح بعدد المشاهدات أو القراءات أو الإعلانات التي تأتي لبرنامج ما، وليس بالقيمة أو المضمون. هذا المفهوم خطير، لأنه يحول الإعلام إلى سباق على "الأرقام" بدل أن يكون وسيلة تثقيف وتنوير. يجب أن نعيد الاعتبار للجودة والمصداقية، فالإعلام ليس سلعة وإنما مسؤولية تجاه المجتمع.