بالنظر الى الواقع القانوني في فلسطين نجد أنفسنا أمام مجموعة من القوانين والتشريعات المتناقضة والغير منسجمة مع بعضها البعض وبالتالي غير منسجمة مع الواقع ومكانة المرأة الفلسطينية، ولاتتوافق مع الشرعة الدولية لحقوق الانسان . حيث نخضع في فلسطين الى تشريعات وقوانين عثمانية وانتدابية بريطانية وأردنية ومصرية، بالاضافة الى ما شرع وسن من قوانين في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية من قبل المجلس التشريعي الأول الذي انتخب بتاريخ 20-1-1996، اذن نحن نخضع لمنظومة قوانين ليس فقط غير منسجمة مع بعضها البعض، بل أيضا عفا عليها الزمن ولاتتناسب والواقع والدور الذي تلعبه المرأة في المجال الخاص(الأسرة) وفي المجال العام(المجتمع)، ودورها المتميز في الحياة العامة والخاصة، حيث أثبتت جدارتها، كما المرأة عبر التاريخ في كافة المواقع والسلطات والادارة العامة وما الى ذلك من مواقع مختلفة، وداخل الأسرة وهذا جلي وواضح في الأسر التي تعيلها المرأة بسبب الفقدان أو السجن أو الابعاد ، ولقد صرحت السيدة علا عوض رئيس جهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني حيث بلغت نسبة مشاركة النساء الفلسطينيات في سوق العمل لعام 2010 نحو 15% فقط من إجمالي النساء 15 سنة فأكثر، اضافة الى دورها النضالي ومشاركة الرجل جنبا الى جنب في المسيرة النضالية ومازالت يوما بعد يوم تثبت جدارتها، الا أن العادات والتقاليد والأعراف والأنماط الاجتماعية البالية مازالت تتحكم بمصيرها ومصادرة حقوقها الانسانية من منظور النوع الاجتماعي وتقسيم الأدوار بين المرأة والرجل، وهذا ماعززته القوانين والتشريعات السارية في عدد من المواد والنصوص القانونية، هذه القوانين والتشريعات التي تصادرحق الحياة للمرأة، لالشيء الا لكونها خلقت أنثى، لذا نرى عجبا !!!!! كيف نقبل على أنفسنا أن نتعامل مع نصفنا الآخر بهذه الدونية والنظر الى الأنثى على أنها أقل مكانة وأهلية من الرجل ( الذكر)، كيف نفهم مفهوم المواطنة ؟؟؟ هل المواطنة لكل المواطنين ذكرا وأنثى ؟ أم المواطنة والأهلية القانونية حق للذكر وحرام على الأنثى؟ هل على المرأة ( الأنثى) أن تقدم كل الواجبات؟ وتحرم من كافة الحقوق التي شرعتها كافة الأديان والشرائع والشرعة الدولية لحقوق الانسان، من الذي شرع قانونا ؟ وأعطى للذكورة رخصة باسم القانون لمصادرة الحقوق الانسانية للمرأة الفلسطينية، وعلى سبيل المثال نورد ما جاء في
قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 والذي يحوي (476 مادة)
المطبق في الضفة الغربية
المادة 62-
الافعال التي تجيزها القانون :
1- لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة.
2- يجيز القانون:
أ- ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم على نحو ما يبيحه العرف العام.
وللآسف هذه المادة أستند اليها بعض القضاة وأصدروا أحكاما بتبرئة الجاني الذي قتل أبنته بحجة التربية والتأديب والعرف العام .
العذر المخفف :
المادة 98-
يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بسورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه.
هنا العذر المخفف عقوبته لاتتعدى الأشهر، ويتم تطبيقه ولو ارتكب الجاني الفعل الاجرامي بعد علمه بسنوات (بالعمل الغير محق )؟؟؟؟؟
المادة 292-
عقوبة الاغتصاب :
1- من واقع بالإكراه أنثى (غير زوجه) يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة خمس سنوات على الأقل.
2- ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليها لم تتم الخامسة عشرة من عمرها.
المادة 293-
اغتصاب أنثى لا تستطيع المقاومة :
يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من واقع أنثى (غير زوجه) لا تستطيع المقاومة بسبب عجز جسدي أو نقص نفسي أو بسبب ما استعمل نحوها من ضروب الخداع.
المادة 294-
عقوبة مواقعة أنثى دون سن الخامسة عشر او الثانية عشر :
1- من واقع أنثى لم تتم الخامسة عشرة من عمرها عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة.
2- ولا تنقص العقوبة عن خمس سنوات إذا كانت المعتدى عليها لم تتم الثانية عشرة من عمرها.
بقراءة لهذه المواد والفلسفة التي بنيت عليها العقوبة نجد أن المشرع قد خفف العقوبة على الجاني وانتهاكه لجسد وحياة المرأة والطفلة بالقانون بعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة (وعقوبتها من ثلاث سنوات الى خمسة عشر سنة ) ولكن وحسب الأعراف والذهنية والمفاهيم لدى بعض القضاة ، يصدرون أحكامهم في مثل هذه القضايا بالحد الأدنى من العقوبة !!!! مع العلم أنه يجب تشديد العقوبة في مثل هذه القضايا،
المادة 308-
ايقاف الملاحقة واستعادة الحق في الملاحقة :
1- إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض على المحكوم عليه.
2- تستعيد النيابة العامة حقها في ملاحقة الدعوى العمومية وفي تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية إذا انتهى الزواج بطلاق المرأة دون سبب مشروع.
هنا الضحية تصبح ضحية كل حياتها وذلك من خلال تبرئة الجاني " المغتصب" ومنحه مكافأة على فعلته الاجرامية باسم القانون ، حيث يتم تزويج الضحية من المجرم؟؟؟؟
المادة 305 -
المداعبة المنافية للحياء :
يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة، كل من داعب بصور منافية للحياء:
1- شخصاً لم يتم الخامسة عشرة من عمره ذكراً كان أو أنثى، أو
2- امرأة أو فتاة لها من العمر خمس عشرة سنة أو أكثر دون رضاهما
التطبيق لهذه المادة ، وفي أغلب الأحوال تكون العقوبة أسبوع أو شهر !! ومن الجدير ذكره أن القانون لم يذكر مصطلح " التحرش الجنسي" وانما اكتفى بما جاء في هذه المادة .
المادة 285-
عقوبة السفاح/ الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة :
" السفاح بين الأصول والفروع شرعيين كانوا أو غير شرعيين أو بين الأشقاء والشقيقات والأخوة والأخوات لأب أو لأم أو من هم بمنزلة هؤلاء جميعاً من الأصهرة أو إذا كان لأحد المجرمين على الآخر سلطة قانونية أو فعلية يعاقب عليه بالحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات " .
السفاح هو الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة ومن أقرب المقربين للضحية ( الأب ، الأخ الجد، الخال ، العم....) ومن المفروض أن يجد المرء في بيته الأمن والآمان والراحة والاستقرار والحب والحنان والحماية، الا أننا هنا نجد الحماية تحولت الى اعتداء آثم مرعب ومخيف، ويأتي المشرع ويتعاطف مع الجاني بعقوبة من سنتين الى ثلاث !!!! .
كل ما تقدم يتعارض مع :
المرجعيات الحلية:
وثيقة استقلال فلسطين:
الصادرة في الجزائر عن المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988، التي جاء فيها :
" إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا. فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل" .
القانون الأساسي الفلسطيني :
المادة ( 9 )
" الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة" .
وجاء في المادة (10)
1- حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام.
2- تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الإنضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان.
وبالرغم من صدور العديد من المراسيم الرئاسية والقرارات لمجلس الوزراء الفلسطيني التي تناهض العنف ضد المرأة، الا أننا مازلنا نراوح في نفس المكان، ونورد هنا بعضا من هذه المراسيم والقرارات:
صدرقرار سنة 2005 بشأن اقرار قانون " حماية الأسرة من العنف" ،
صدر قرار سنة 2008 بتشكيل وحدات النوع الاجتماعي في كافة الوزارات بشكل ملزم وتحديد رئيسة لكل وحدة برتبة مدير عام،
أنشئت اللجنة الوطنية سنة 2008 بقرار من مجلس الوزراء بتبني الهدف العام الداعي الى تعزيز مبدأ سيادة القانون المنصف للنساء وتحسين الآليات المؤسساتية في التعامل مع النساء المعنفات للوصول الى مجتمع مبني على أسس تكفل المساواة والعدالة لجميع الأفراد في المجتمع دون تمييز.
وتضم اللجنة الوطنية مؤسسات حكومية وأهلية.
صدرالمرسوم الرئاسي الخاص بالغاء المادة 340 وفقرتيها 1و2 التي تعطي عذرا محلا وعذرا مخففا للجاني ، وجزء من المادة 18 من قانون العقوبات الفلسطيني رقم 74 لسنة 1936 المطبق في قطاع غزة،حول نفس الموضوع ، الا أنه مازالت تتعرض الحقوق للمرأة الفلسطينية الى الانتهاكات الاجتماعية والقانونية المختلفة .
وعلى صعيد المرجعيات الدولية نلقي الضوء على بعض من المواد التي وردت بها للقضاء على التمييز والعنف المبني على النوع الاجتماعي
الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر سنة 1948
جاء في المادة الثانية بكل وضوح مايلي : " لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الاعلان , دون تمييز , كالتمييز بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين او الرأي السياسي او اي رأي أخر , او الاصل الوطني او الاجتماعي او الثروة او الميلاد او اي وضع أخر , دون تفرقة بين الرجال والنساء ".
وجاء في العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
جاء في الماد الثانية فقرة 2 منه:
" تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بأن تضمن جعل ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز بسبب العرق أو اللون، أو الجنس ، أو الدين، أو الرأي السياسي......" .
وجاء في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة الثالثة منه :-
" تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوى الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد" . يا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب" .
واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو)
• صدرت عام 1979 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1981، نصت بصورة لا لبس فيها على منع التمييز ضد المرأة لأنه يشكل انتهاكا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الانسان , لاسيما وإن المبادئ الاساسية للامم المتحدة تتضمن الايمان بالحقوق الاساسية للانسان وبالحقوق المتساوية للرجال والنساء على حد سواء .
• هذا الاختلاف في الأوضاع القانونية والاجتماعية لا يعني إلا التشرذم وهو بحد ذاته احد المشاكل والعقبات التي تواجه المرأة الفلسطينية على مدار قرون خلت ، حيث تأثرت ومازالت تتأثر سلبا بانعكاس الواقع المرير على حركتها ودورها في الأسرة والمجتمع
• النداء الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون قائلا:
"هناك حقيقة عالمية واحدة تنطبق على جميع البلدان والثقافات والمجتمعات وهي: أن العنف ضد المرأة لايمكن على الإطلاق القبول به أو التماس العذر له أو التهاون بشأنه " .
ونشير الى آخر إحصائيات نشرها جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني حول العنف الأسري اجري هذا العام 2011ليكون الثاني من نوعه الذي ينفذ على المستوى الوطني لدراسة العنف الذي يتعرض له الأفراد داخل وخارج الأسرة ،اجري على عينة أسرية قدرها 5,811 أسرة في الأراضي الفلسطينية خلال الربع الثالث من العام 2011، منها 3,891 أسرة في الضفة الغربية و1,920 أسرة في قطاع غزة،
و أشارت نتائجه أن حوالي 5% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن للعنف النفسي في الشارع ، و1.3% تعرضن لعنف جنسي "التحرشات الجنسية" فيما تعرضت 0.6% من النساء لعنف جسدي.
4.0% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن لعنف نفسي من قبل مقدمي الخدمات والأفراد الآخرين المتواجدين في هذه الأماكن أثناء تلقيهن خدمات صحية أو اجتماعية أو ثقافية في الأماكن التي تقدم مثل هذه الخدمات.
أما بالنسبة للعنف الأسري أفادت نتائج المسح حوالي 37% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن لأحد أشكال العنف من قبل أزواجهن؛ (29.9% في الضفة الغربية مقابل 51.1% في قطاع غزة). كما بلغت نسبة اللواتي تعرضن لعنف نفسي "لمرة واحده على الأقل" من هؤلاء السيدات 58.6%.فيما تعرضت 55.1% منهم لعنف اقتصادي، و54.8% لعنف اجتماعي، و23.5% لعنف جسدي، و11.8% لعنف جنسي.
30.2% من الزوجات اللواتي طالهن العنف الممارس من قبل ازواجهن التجأن إلى بيت الوالدين أو أحد الأخوة والأخوات، وفضلت 65.3% منهن السكوت إزاء العنف الذي تعرضن له من قبل أزواجهن في حين لم تزد نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف وتوجهن إلى مؤسسة أو مركز نسوي لطلب استشارة عن 0.7%.
الصمت القاتل
حقيقة ان هذه البيانات كافية لتكون مقياسا دقيقا لظاهرة العنف " وما خفي كان اعظم " فهي حقيقة لا تقاس بالكلام وانما تقاس بالظواهر التي تنتشر في أقسام الشرطة وعلى عتبات المنازل ودموع الأبناء وصمت الأمهات والبنات، فكثير من النساء المعنفات يفضلن الصمت والبقاء في أو على رأس عملهن ليبقى سرهن دفينا في قلوبهن، على ان يصرخن ويرفضن تعنيفهن لان الكثير من الأزواج والأسر وأرباب العمل يضعن امامهن خيارين : الصمت والبقاء او الفضيحة والتشرد.
وهناك مسببات وذرائع كثيرة تندرج تحتها مبررات العنف منها اجتماعية، أو اقتصادية كالفقر والبطالة، أو قانونية كالتمييز والقصور القانوني، والجهل والأمية القانونية، أو سياسي مثل
ضعف و انخفاض مشاركة المرأة في الأحزاب والمواقع القيادية السياسية ومواقع صنع القرار ،
النهوض بالمرأة ومناهضة تعنيفها وتمكينها سياسياَ واقتصادياً واجتماعيا من خلال ثلاثة مخرجات رئيسة هي، الحد من العنف المبني على أساس النوع الاجتماعي بكل أشكاله ضد المرأة
، ورفع مستوى تمثيل المرأة بين هيئات صنع القرار، تعزيز تكافؤ الفرص الاقتصادية وخاصةَ النساء.
وهذا يستدعي حراكا اجتماعيا وقانونيا من اجل الوقوف على أسباب ونتائج هذه الظاهرة من قبل الحركات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان وربطها بالقوانين والمواثيق الدولية التي تكفل
حقوق المرأة، انطلاقا من كونها حقوق إنسان دون تمييز مابين المرأة والرجل.
ونحن نقول لها أصرخي ، واكسري حاجز الصمت وطالبي بحقك في العيش بكرامة ودون أي تمييز .
