في حديثه لـ"الأيام نيوز"، أوضح الخبير القانوني الحبيب عشي أنّ سيداو وُضعت لضمان المساواة الكاملة بين الجنسين على مختلف الأصعدة، لكن الجزائر، رغم تقدمها النسبي في مجالات العمل والتعليم والمشاركة السياسية، ما تزال تواجه عوائق عميقة تحول دون التطبيق الكامل لبنود الاتفاقية، خصوصاً في ما يتعلق بقانون الأسرة. وأشار إلى أنّ التحفظات الجزائرية على بعض مواد سيداو تعود أساساً لتعارضها مع المرجعية الدينية والشريعة الإسلامية، ما يجعل التوفيق بين النصوص الدولية والقوانين الوطنية جزئياً فقط. وأضاف أنّ العقبات لا تنحصر في الجانب القانوني، بل تشمل أيضاً الذهنيات الاجتماعية التقليدية التي تحصر دور المرأة داخل الأسرة، إلى جانب ضعف الرقابة وآليات التنفيذ، وارتفاع نسب بطالة النساء. وشدد على أنّ تجاوز هذه التحديات يتطلب إرادة سياسية واضحة، ووعياً مجتمعياً واسعاً، مع دور فعّال للمجتمع المدني والإعلام في كسر الصور النمطية وإبراز النماذج النسائية الناجحة، بما يحوّل الاتفاقية من نصوص دولية إلى واقع ملموس.
من جانبه، قدم الدكتور صديق بن عبدالكريم بونعامة للأيام نيوز مقاربة معمّقة حول العلاقة بين سيداو والتشريع الوطني، متسائلاً: أيهما أولى بالمرأة الجزائرية، المرجعية الدولية أم القوانين الوطنية؟ أم أن الرهان الحقيقي يكمن في فاعلية المنظومة المؤسساتية؟ وأوضح أنّ الاتفاقية جاءت كتتويج لمسار طويل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، غير أنّ تطبيقها في الجزائر ظلّ محفوفاً بالصعوبات، خاصة في مجال الأحوال الشخصية، حيث اصطدمت نصوصها مع المرجعية الدينية والاجتماعية للمجتمع الجزائري.
وأشار بونعامة إلى أنّ الجزائر خطت خطوات مهمة في مواءمة تشريعاتها مع سيداو، مثل تعديل قانون الجنسية عام 2005 لمنح الأم حق تمرير جنسيتها لأبنائها، وتجريم العنف الأسري والتحرش الجنسي، فضلاً عن بعض التعديلات في قانون الأسرة. لكن هذه الخطوات، حسب قوله، لا تزال محدودة في ظل استمرار التحفظات على مواد أساسية تتعلق بالزواج والطلاق والميراث. كما لفت إلى أنّ التحديات تتجاوز النصوص لتشمل: ضعف آليات الإنفاذ، غياب قواعد بيانات دقيقة لرصد مظاهر التمييز، ومحدودية الوعي المجتمعي، مما يجعل فعالية المؤسسات القضائية والإدارية والأمنية في التطبيق عاملاً مركزياً.
وخلص بونعامة إلى أنّ التوفيق بين سيداو والتشريع الوطني ممكن من خلال اعتماد مقاربة "مقاصدية" تراعي الخصوصية الدينية والقيمية للمجتمع الجزائري، مع التدرّج في الإصلاحات وتفعيل بدائل مثل الوساطة الأسرية وأوامر الحماية. مؤكداً أنّ الإجابة عن سؤال "أيهما أولى بالمرأة الجزائرية: سيداو أم التشريع الوطني؟" لا يمكن أن تكون إقصائية، بل تكاملية؛ إذ تمنح الاتفاقيات الدولية المرجعية الحقوقية، بينما تترجم التشريعات الوطنية هذه المرجعية في نصوص ملائمة للخصوصية المحلية، لتبقى المؤسسات الضامن الفعلي لترجمتها إلى ممارسة عملية تحفظ للمرأة الجزائرية حقوقها المشروعة في إطار من التوازن والإنصاف.

