منذ بداية هذا القرن الذي أوشك على الانتهاء والمرأة الفلسطينية تشارك في معركة الاستقلال الاجتماعي والسياسي عبر تشكيلات مختلفة، بدأتها بالجمعيات الخيرية التي شكلت النواة الأولى لانطلاقة المرأة الفلسطينية نحو الاندماج في قضايا مجتمعها .. الحياتية .. لتتبلور فيما بعد ونتيجة للظروف السياسية التي مرت بها فلسطين إلى بؤر سياسية، عبرت عن نفسها في شكل اعتصامات ومظاهرات وعرائض احتجاج، وتذكر المصادر في هذا السياق أن أول نشاط سياسي نسائي ملحوظ كان في العفولة عام 1893، حيث خرجت النساء الفلسطينيات في مظاهرة احتجاجاً على إنشاء أول مستوطنة يهودية في ذلك الوقت، وفي معركة البراق عام 1929، التي شكلت نقطة تحول مهمة في حياة المرأة الفلسطينية، إذ وقعت تسع نساء قتلى برصاص الجيش البريطاني، مما دعاها إلى تصعيد نضالها لتغيير الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي أحاطت بها خاصة بعد أن وجدت نفسها أمام المسؤولية الملقاة على عاتقها بعد عمليات الإعدام والاعتقال والمطاردة والسجن وهدم البيوت، التي قامت بها سلطات الانتداب البريطاني، فنظمت جهودها وجندت كل الإمكانات المتوفرة لديها لمواجهة الظروف المستجدة، فعقدت أول مؤتمر نسائي فلسطيني، في مدينة القدس عام 1929، وانبثقت عنه اللجنة التنفيذية لجمعية السيدات العربيات، ثم أنشئ في العام نفسه الاتحاد النسائي العربي في القدس وآخر في نابلس، حيث قاما إضافة إلى اللجنة التنفيذية لجمعية السيدات العربيات بأدوار متعددة اقتصادياً، اجتماعياً، ثقافياً ووطنياً، متمثلة في المظاهرات، وتقديم الاحتجاجات إلى المندوب السامي البريطاني، وإرسال الرسائل إلى الملوك والحكام العرب.
خلال الفترة من 48 وحتى 1967، نشطت المؤسسات النسائية الخيرية كدور الأيتام ومراكز المسنين وغيرها في إغاثة الأسر المنكوبة، واعداد المرأة وتأهيلها مهنياً، لتتوج نضالات المرأة في هذه الفترة بتأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965 ليكون تنظيماً شعبياً نسائياً يضطلع بدوره الاجتماعي والسياسي بين صفوف النساء في المناطق المحتلة وهذا يدلنا على أن الوعي السياسي النسائي نشأ في أحضان حركة النضال الفلسطيني، ونما من خلال مؤسسات مجتمعية أصلاً.
فيما وفر إنشاء م. ت. ف عام 1964، بديلاً سياسياً شكل مرجعية للحركة الوطنية الفلسطينية التي نمت في أحضانها الحركة النسوية مما جعلها تتقابل مع استراتيجية م. ت. ف الهادفة إلى تسيس الجماهير وزجها في النضال الوطني.
ويبرز هذا التوجه السياسي للمنظمات النسوية الفلسطينية يوماً بعد آخر وتتصاعد الحركة القومية النضالية .. لتنشأ أول حركة نسائية في الريف عام 1978، وبحلول عام 1982 كان هناك أربع تنظيمات نسائية تتبع الأحزاب السياسية الفلسطينية الأربعة. وقد اقتصر نشاط هذه المؤسسات ( التنظيمات ) فقط على تقديم الخدمات الاجتماعية غير أن تلك التجمعات النسائية التي خلقتها الحاجة إلى تقديم الخدمة الاجتماعية لفتت أنظار الأحزاب السياسية التي استخدمتها في حشد النساء للعمل السياسي وهكذا تدريجياً حملت المنظمات النسوية ملامح الأحزاب الني تولدت منها، حتى غلب عليها العمل السياسي.. دون الالتفات إلى أهمية إبراز قضيتها المجتمعية، ناهيك عن أن تلك الأحزاب لم تعط الحركة النسوية الفلسطينية حقها من الظهور وحمل قضاياها الذاتية مما انعكس سلباً على الحركة النسوية فشتت قدراتها ونقلت فئويتها إلى داخلها.. وهذا أدى في النهاية إلى غياب الأجندة النسوية التي تحمل هموم الحركة النسوية الفلسطينية.
مع دخول الانتفاضة عادت الحركة النسوية إلى طابعها الخدماتي في ظل غياب الدولة لتسد العجز الذي فرضته الظروف السياسية في تلك المرحلة – نتيجة ازدياد الحاجة إلى الخدمات – وتم إزاحة العمل السياسي ليتوارى قليلاً خلف العمل الاجتماعي، فيما صعدت أعمال الإغاثة وخدمات رعاية الأطفال، وتعليم النساء المهارات التقليدية جنباً إلى جنب مع مقاومة الاحتلال من قبل المنظمات النسوية التابعة للفصائل السياسية، حتى أنه لا يمكن تفرقة نشاطها عن أية جمعية خيرية سوى تبعيتها وتركيزها على فكرة الحشد السياسي للنساء. وقد شكل هذا فيما بعد دعماً للأحزاب ووسيطاً مهماً بين الفصيل والجماهير العريضة فقد عملت النساء على توثيق العلاقة بين التنظيمات والجماهير من خلال النشاطات المجتمعية التي كانت تقوم بها.
وتشير الإحصاءات هنا إلى أن 7% من الشهداء الذين سقطوا خلال الفترة من 87 – 1997، كانوا من النساء، فيما شكلت النساء 9% فقط من الجرحى المبلّغ عنهم خلال الفترة نفسها ، وفي عام 1996 زاد عدد الأسيرات الفلسطينيات اللواتي بقين رهن الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي عن أربعين امرأة.
غير أنه في تلك الفترة اتسم عمل تلك المنظمات بعدم وجود استراتيجية عمل واحدة تجمع بينها حتى جاء العام 1990 أي بعد ثلاث سنوات من بدء الانتفاضة ليعقد مركز بيسان في القدس مؤتمراً بعنوان ( الانتفاضة وبعض القضايا الاجتماعية للمرأة ) شاركت فيه نساء من مختلف التوجهات السياسية حاولن فيه تقييم المنجزات التي حققتها النساء خلال المراحل السابقة ووضع تصور لمستقبل الحركة النسوية، وقد مثل هذا المؤتمر فاصلاً – في مسيرة الحركة النسوية الفلسطينية لأنه جاء مترافقاً مع بدء مفاوضات مدريد والتوجه نحو عملية السلام .. التي على إثرها .. عقد اتفاق غزة أريحا ودخلت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى البلاد، وعليه فقد بدأت مرحلة جديدة ليس في حياة النساء فقط بل في حياة الشعب الفلسطيني بأسره، إذ مع دخول السلطة وما صحب ذلك من تغيرات سياسية ومجتمعية، تزايد الاهتمام بترسيخ أسس مجتمع مدني، يضمن مشاركة كل من المرأة والرجل في عملية البناء، وكانت الآمال معقودة على توسيع قاعدة مشاركة المرأة من خلال توفير أجواء ديمقراطية تتيح لها طرح نفسها من منطلق معيار الكفاءة وأولوية التعبير عن احتياجاتها ومشكلاتها، غير أن هذه الصورة المشرقة، المتخيلة، تراوحت بين الصعود والهبوط، إذ لم يبرز لدى السلطة الوطنية أي توجه رسمي من أجل إدماج النساء في عملية التنمية والبناء، سوى إلحاق عدد غير قليل من قيادات العمل النسوي الأهلي في إطار العمل الحكومي، وهذا ترك أثره على المنظمات الأهلية التي استوعبت جل النساء الفلسطينيات خلال فترة الاحتلال، وقبل دخول السلطة الوطنية الفلسطينية، من ناحيتين:
أ?- الخسارة الفادحة التي لحقت بهذه المؤسسات من جراء فقدها لخبرات وكفاءات نسوية ( عامل سلبي).
ب?- دأبت هذه المؤسسات على خلق وإفراز قيادات بديلة بتوجهات ورؤى مختلفة ( عامل إيجابي ).
في الوقت الذي سعت فيه المؤسسات النسوية إلى الحصول على استقلال نسبي عن التنظيمات التي نمت في كنفها رافقه وعي نسوي نتيجة الخبرات السابقة خاصة بعد الانقسام الذي شهدته تلك التنظيمات إزاء العملية السلمية وعدم بلورة رؤية عمل واضحة لها تستند على المتغيرات التي جرت، ناهيك عن الهيمنة التي كان يفرضها الحزب على برامج وعمل تلك المؤسسات مما دعاها إلى النضال ضد هذه الهيمنة وتخفيفها إلى الحد الأدنى مع بلورة أهداف وبرامج جديدة بعد قناعة وصلت إليها الناشطات من النساء بأن الأساس التنظيمي القديم الذي قامت عليه المؤسسات النسوية لم يعد صالحاً في ظل المتغيرات الجديدة.
