الرئيسية » نساء حول العالم »  

"رحمة" ضحية الغدر وازدواجية المعايير في الإعلام الأوروبي
16 تموز 2025

 

 

برلين-نساء FM- لم تكد "رحمة"، الشابة الجزائرية المسلمة التي تعيش في المانيا، تنتهي من تكوينها المهني وتتهيأ للانطلاق في حياتها العملية، حتى باغتتها يد الغدر والخيانة! فرحتها بالنجاح لم تدم طويلًا، إذ وُئدت أحلامها على عتبة بيتها في مشهد دموي مفجع، لتسقط قتيلة دون أن تدري بأي ذنبٍ قتلت.

تشير تقارير إعلامية إلى أن الجريمة ارتُكبت بدوافع عنصرية، تغذيها كراهية دينية تجاه الإسلام، لكون الضحية محجبة وملتزمة. ومع أن التحقيقات لا تزال جارية، إلا أن ما يُلفت الانتباه -بل يُثير الاستغراب- هو الطريقة الإعلامية المحتشمة -بل الباردة- التي تم بها تناول هذه الجريمة.

تستقطب أوروبا المهاجرين باسم الاقتصاد، ثم تحاربهم في ثقافتهم ومعتقداتهم! ترفع شعارات الحريات، لكنها تتردد أمام حرية ارتداء الحجاب أو بناء المساجد! تُشيد بالتنوع، لكنها لا توفّر مناخًا آمنًا لهذا التنوع أن يُزهِر

لو انعكست الأدوار، وكان الجاني مسلمًا جزائريًا والضحية فتاة ألمانية، لتحولت الحادثة إلى زلزال إعلامي؛ وسائل الإعلام كانت ستتنافس في ربط الجريمة بالتطرف الإسلامي، وستفتش حياة الجاني بحثًا عن أي مؤشر على التدين، وستحمَّل الجالية المسلمة مسؤولية جماعية، ويطالَب الجميع بإدانة واضحة لا لبس فيها.

في المقابل، عندما يكون القاتل غير مسلم، فإن العنوان الإعلامي يتبدل فجأة: "مختل عقلي"، "يعاني من اضطرابات نفسية"، أو "تحت تأثير المخدرات".

ويصبح الضحية مجرد سطر في صفحة الحوادث، ولا تُطرح أسئلة كبرى عن العنصرية، ولا يُفتح نقاش واسع عن أسباب كراهية الإسلام في أوروبا، بل يستغرق البحث عن الإسلام الكاره للآخرين.

شهدت ألمانيا في السنوات الأخيرة عشرات الحوادث العنصرية، أبرزها:

  • حرق منازل اللاجئين في مولن وزولينغن في التسعينيات، ما أدى إلى مقتل عائلات بأكملها.
  • هجوم "رأس السنة" في بوتروب، حيث دهس رجل مجموعات من الأجانب بدافع كراهية صريح.
  • تفكيك خلايا نازية جديدة تخطط لاعتداءات على مهاجرين ومساجد.
  • الاعتداءات المتكررة على النساء المحجبات في الفضاء العام.

ومع ذلك، لم تحظَ هذه الأحداث إلا بتغطية هامشية، وغابت عنها العناوين العريضة، وحملات الاستنكار الكبرى، التي عادة ما تُشنّ عندما يكون الجاني مسلمًا.

لقد آن الأوان لمراجعة شجاعة وشفافة للخطاب الإعلامي والمؤسساتي في الغرب، خاصة تجاه المسلمين؛ فإما أن نؤمن جميعًا بحق الإنسان في الكرامة والعدالة -أيًّا كانت عقيدته أو خلفيته- أو نكون بصدد تعميق الشرخ، وزرع بذور الغضب واليأس

أوروبا اليوم تواجه أزمة ديمغرافية حادة، وتعاني من نقص خطير في اليد العاملة المختصة. ولهذا، تكثّف حملاتها لجذب الكفاءات من خارج القارة، خصوصًا من العالمين العربي والإسلامي.

لكن التناقض صارخ؛ فهي تستقطب المهاجرين باسم الاقتصاد، ثم تحاربهم في ثقافتهم ومعتقداتهم! ترفع شعارات الحريات، لكنها تتردد أمام حرية ارتداء الحجاب أو بناء المساجد! تُشيد بالتنوع، لكنها لا توفّر مناخًا آمنًا لهذا التنوع أن يُزهِر! يحذون بذلك طريق الأنجلوسكسون في استعبادهم للأفارقة المسلمين حتى يقيموا دولتهم، لكن بمسخ عقيدة العبيد.

إن استمرار هذا التمييز، إعلاميًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا، لا يهدد المهاجرين فقط، بل يقوّض أسس العدالة في المجتمعات الأوروبية. وإذا استشرى الظلم، وساد الكيل بمكيالين، فإن الحضارة تسير نحو التراجع، مهما بلغت من رخاء أو تطور.

يقول الشاعر الثائر البحري العرفاوي: "إنما التاريخ نهر.. لا يسيل للوراء".

لقد آن الأوان لمراجعة شجاعة وشفافة للخطاب الإعلامي والمؤسساتي في الغرب، خاصة تجاه المسلمين؛ فإما أن نؤمن جميعًا بحق الإنسان في الكرامة والعدالة -أيًّا كانت عقيدته أو خلفيته- أو نكون بصدد تعميق الشرخ، وزرع بذور الغضب واليأس.

اسمك يا "رحمة" لم يكن صدفة.. أنت رحلتِ ضحية الكراهية، لكن صوتك ما زال يدوّي: لا تقتلوا الإنسان في الإنسان.

رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته، وجعل من دمك الطاهر ضوءًا ينير دروب العدالة، ويوقظ الضمائر الغافلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.