
باريس-نساء FM- أقرت المحكمة الوطنية الفرنسية قرارا يمنح سكان في قطاع غزة حق التقدم بطلب اللجوء من السلطات الفرنسية وفقا لمعاهدة جنيف عام 1951، والذين لا تشملهم حماية الأمم المتحدة.
وبحسب المحكمة يرجع ذلك إلى أساليب يستخدمها الجيش الإسرائيلي "تمس بشكل مباشر وعشوائي بالسكان المدنيين في غزة منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني/يناير 2025، وتُعد خطيرة بما يكفي، من حيث طبيعتها وتكرارها، لأن تُعتبر اضطهادا".
تعتبر هذه هي المرة الأولى في فرنسا، التي يمنح بها حق التقدم بطلب اللجوء للفلسطينيين غير المشمولين بحماية الأمم المتحدة في قطاع غزة، إذ اعتبرت المحكمة الوطنية الفرنسية لحق اللجوء (CNDA) أنهم "معرضين للاضطهاد بسبب جنسيتهم". كما وصفت المحكمة الأساليب التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي بـ"الخطيرة" وأن ما يتعرض له الفلسطنيون المدنيون يعتبر "اضطهادا".
مُنحت مهاجرة من غزة وابنها المصاب صفة لاجئة في فرنسا لتعرضهما "للاضطهاد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي"، وذلك في حكم تاريخي صادر عن محكمة طالبي اللجوء، التي قضت بإمكانية حصول الفلسطينيين غير المسجلين لدى الأونروا على صفة لاجئ في فرنسا.
وحتى الآن، كان بإمكان الفلسطينيين من غزة الحصول على صفة "الحماية المؤقتة" في فرنسا بسبب الحرب بين "حماس والجيش الإسرائيلي".
ويُشكل القرار الجديد سابقة قانونية، سواء من حيث معايير الأهلية للحصول على صفة لاجئ أو فيما يتعلق بسلوك الجيش الإسرائيلي في غزة.
وفقًا للمحللين الفرنسيين، لن يكون جميع سكان غزة مؤهلين للحصول على وضع اللاجئ، بل حوالي 20% فقط من سكان غزة، أي ما يقارب نصف مليون فلسطيني.
أما باقي سكان غزة، فهم مصنفون بالفعل كلاجئين مستفيدين من حماية الأونروا، وبالتالي لن يتمكنوا من الاستفادة من وضع اللاجئ في فرنسا، بل من الحماية التكميلية فقط.
عمليًا، تُعالج فرنسا حاليًا عددًا محدودًا من طلبات اللجوء من الأراضي الفلسطينية: ففي عام 2023، تلقى المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية 204 طلبات أولية؛ ثم 230 طلبًا في عام 2024؛ و100 طلب بين يناير ومايو 2025.
وصلت مقدمة الالتماس، البالغة من العمر 47 عامًا، وابنها البالغ من العمر 11 عامًا، المصاب في ساقيه، إلى فرنسا مع بداية الحرب. كان ذلك بعد تدمير منزلهما في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. ووفقًا لهما، فقد تلقيا العلاج الطبي الأولي في البعثة الفرنسية بمدينة غزة، ومن هناك سافرا إلى معبر رفح، ثم هُرّبا إلى مصر، ليصلا أخيرًا إلى فرنسا في يناير/كانون الثاني 2024.
وفي الالتماس المقدم إلى المحكمة، قال مقدم الالتماس أن الجيش الإسرائيلي "يستخدم أساليب حرب عشوائية ضد السكان المدنيين لأنهم فلسطينيون"، وبالتالي يتعرضون للاضطهاد على أسس وطنية.
اجتمعت اللجنة الفرنسية لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، وهي هيئة قضائية مختصة بالنظر في طلبات التساهل، يوم الجمعة للنظر في الالتماس. تألفت الهيئة من تسعة قضاة، بدلاً من ثلاثة قضاة كما جرت العادة، وحكمت بأن "الفلسطينيين في قطاع غزة يتعرضون للاضطهاد بسبب جنسيتهم".
وقررت المحكمة منح الفلسطينيين صفة اللاجئ، التي تمنحهم الإقامة في فرنسا، على أن تُجدد كل عشر سنوات.
ما الأسس التي استند إليها هذا القرار؟
يوم الجمعة 11 تموز/يوليو، أقرت المحكمة الوطنية الفرنسية لحق اللجوء منح صفة اللاجئ لامرأة فلسطينية وابنها القاصر، وهما من سكان بيت لاهيا، بلدة تقع في شمال قطاع غزة، بعد أن قدرت المحكمة وضعهم "بالخطير" وبإنهم "يخشون، ولهم ما يبرر ذلك، من التعرض للاضطهاد بشكل شخصي في حال عودتهم إلى هذا الإقليم، بسبب جنسيتهم". وقد تم استقبالهما من قبل السفارة الفرنسية في القاهرة، وتمكّنا من دخول فرنسا بفضل تصريح مرور قنصلي.
وكانت صفة اللاجئ قد منحت لهم بعد أن أقر المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، أوفبرا، "حالة العنف العشوائي الشديد الناتج عن النزاع المسلح بين قوات حماس والقوات المسلحة الإسرائيلية" وذلك استنادا إلى الوضع الحالي في قطاع غزة. واعتمدت المحكمة في قرارها على تقارير صادرة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة بشكل خاص، (اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة، الأمين العام للأمم المتحدة، واللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة).
ورأت المحكمة أن "هذه الأساليب الحربية، التي تمس بشكل مباشر وعشوائي بالسكان المدنيين في غزة منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني/يناير 2025، وتُعد خطيرة بما يكفي، من حيث طبيعتها وتكرارها، لأن تُعتبر اضطهادا، بموجب التوجيه الأوروبي الصادر في 13 كانون الأول/ديسمبر 2011 بشأن الحق في اللجوء".
وتلاحظ المحكمة كذلك أن هذا الاضطهاد مرتبط بالهوية الثقافية أو العرقية أو اللغوية، ما يؤهل من يتعرض له للجوء الإنساني. وذلك وفقا للمادة الأولى من اتفاقية جنيف.
وعلى عكس لاجئين فلسطينيين آخرين، لم يكن مقدّمو الطلب مشمولين بالحماية القانونية التي توفّرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ولهذا السبب، طلبوا من المحكمة أن تعترف لهم بصفة لاجئ، استنادا إلى اتفاقية جنيف لعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين.
20 بالمئة من الفلسطينيين معنيون بهذا القرار
يعد هذا القرار سابقة تاريخيها من نوعها وعلى الرغم من أهميته إلا آنه يشمل فئة محددة جدا من الفلسطينيين، حسبما أوضحت محامية الدفاع دليمي لصحيفة لو فيغارو قائلة "من الناحية الواقعية، هذا القرار لا يشمل سوى 20% من سكان قطاع غزة، لأن حوالي 80% منهم لاجئون يستفيدون من حماية الأونروا، وكانوا مؤهلين مسبقا للحصول على صفة لاجئ. لكن مع ذلك، يُعد هذا القرار بالغ الأهمية: إنها المرة الأولى التي تعترف فيها جهة قضائية فرنسية بوجود 'اضطهاد' يستهدف سكان غزة".
المعارضة تنتقد هذا القرار
أصوات المعارضة انتقدت بشدة هذا القرار إذ رأت فيه تهديدا للوضع الأمني في فرنسا و"سيتسبب بزيادة كبيرة لنسبة المسلمين فيها". إذ يعترض رئيس حزب "الاسترداد الفرنسي" أريك زمور في مقال نشر في صحيفة "لو فيغارو" على قرار المؤسسة القضائية واعتبر أن هؤلاء اللاجئين يجب أن يتم استقبالهم في البلدان المسلمة.
أما السياسي الفرنسي اليميني أريك سيوتي رئيس حزب "اتحاد اليمين من أجل الجمهورية" عبر عن رأيه بهذا القرار واصفا إياه بالجنوني.
بينما رحبت منظمات دولية وجمعيات إنسانية بهذا القرار واعتبرته خطوة أولى في محاولة لتحقيق نوع من العدالة للفلسطينين المدنيين. فصرحت منظمة العفو الدولية في بيان لها عن أهمية هذا القرار على الصعيد الإنساني وكتبت:
"يشكل هذا القرار القانوني سابقة هامة، ويفتح الطريق أمام الاعتراف بصفة لاجئ في فرنسا لكل الغزّيين الفارين من الاضطهاد على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية."
وأضافت المنظمة "إنه يمثل خطوة حاسمة. على فرنسا والدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تتوحد الآن لمنع جريمة الإبادة الجماعية الجارية، وحماية الشعب الفلسطيني، ووضع حد لإفلات السلطات الإسرائيلية من العقاب."
أسفرت هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن مقتل 1,219 شخصا من الجانب الإسرائيلي، وفقا لإحصاء أجرته وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) استنادا إلى بيانات رسمية.
أما الهجوم الإسرائيلي الذي نُفذ كرد فعل، فقد أدى إلى مقتل أكثر من 57,000 شخص في غزة، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة حماس، وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة.
وفي الأمم المتحدة، كان رئيس العمليات الإنسانية، توم فليتشر، قد دعا في خطاب صادم ألقاه في منتصف مايو/مايو 2025، قادة العالم إلى "التحرك لمنع وقوع إبادة جماعية" في غزة.