الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية »  

"الدبلة الأخيرة": نساء غزة يبعن ذاكرتَهن من أجل رغيف الخبز
29 حزيران 2025

 

غزة-نساء FM-(خاص) في غزة، حيث يُصبح اليوم أطول من احتماله، لم تعد المجوهرات حليًّا تُزيّن الأجساد، بل مفاتيح حياة. وسط حرب لا تهدأ وحصار يمتد لعقود، تُجبر النساء على التخلي عن آخر ما يملكن — الذكريات، والروابط العاطفية — في سبيل وجبة تحفظ أبناءهن من الجوع.

كتب المواطن خالد عبدالعزيز منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي اختصر فيه مأساةً يتردد صداها في بيوت كثيرة:"اليوم أصبحت الدبلة في يد أمي. عمرها 50 سنة... كانت ترفض بالمطلق نزعها، حتى لما إزرق إصبعها من الألم. اليوم باعتها واشترت بثمنها 4 كيلو طحين لأولادها وأحفادها."

دبلة زواج عمرها نصف قرن، لم تكن قطعة ذهب فقط، بل حكاية عمر، رابط لزوج راحل، وشاهد على عقود من الكفاح. حين حملتها والدته في طريقها إلى البيع، كانت تمسك بها كما يُمسَك برفات الحنين. سارت ببطء، تنوء تحت ثقل القرار، وتشيّع زمناً مضى دون جنازة.

ذهب النجاة بدل زينة الحياة

منذ بدء الحرب في أكتوبر الماضي، أغلقت المعابر، وانقطعت الإمدادات، وانهارت القدرة الشرائية. الطحين والزيت أصبحا من الكماليات، والمساعدات لا تصل إلا نادراً. ومع غياب الوقود، توقفت وسائل النقل، لتُجبَر النساء على السير عشرات الكيلومترات بحثاً عن فتات الغذاء.

وسط هذا المشهد المأساوي، وجدت النساء أنفسهن في خط المواجهة الأول: يبعن خواتم الزواج، سلاسل الذكريات، وأساور الطفولة. قطعةً تلو الأخرى تُباع، وكل منها تحمل وجعًا خاصًّا، لكنها تُستبدل بلقمة تبقي الصغار على قيد الأمل.

حكايات بلا عناوين... لكنها الأهم

رغم قسوة الحرب، ما زالت الأخبار تُركّز على الحسابات السياسية والعسكرية، وتغفل القصص التي تُجسّد ثمن الحرب الحقيقي. "الدبلة الأخيرة" ليست حالة فردية، بل قصة متكررة في بيوت غزة، تُجسّد ببساطة مأساة إنسانية عميقة: حين تُصبح كرامة الإنسان قابلة للبيع مقابل البقاء.هذه القصص لا تجد طريقها إلى الشاشات، لكنها الحقيقة الأهم في غزة اليوم. ليست الحرب فقط من تهدم البيوت، بل الجوع أيضًا، حين يجعل من الذكريات ثمنًا مؤلمًا للرغيف.