.jpeg)
غزة -نساء FM (خاص) - في ركنٍ خافت من خيمة مهترئة نُصبت على عجل، تجلس أم أحمد تحت قماش رمادي يختنق بحرارة الشمس. تهدهد رضيعها الجائع بين ذراعيها، تحاول عبثًا إسكات بكائه الذي لا يهدأ.
"جفّ الحليب من صدري… ولا حليب في السوق"، تقولها بصوتٍ يكاد ينكسر.
ليست وحدها. آلاف الأمهات في غزة يعشن مشهدًا مشابهًا، حيث اختفى حليب الأطفال من رفوف الصيدليات، وتحوّل البكاء إلى خلفية يومية لمعاناة مركّبة: قصف، وجوع، وخوف.
تواجه الأمهات في غزة ما يشبه الحصار داخل الحصار. الحليب الصناعي غير متوفر، والرضاعة الطبيعية لم تعد ممكنة في ظل توتر نفسي هائل، وسوء تغذية يجعل حتى إنتاج الحليب أمرًا شبه مستحيل.
"أنا مش أم كاملة بدون حليب... كل يوم بحس بالعجز وأنا بشوف طفلي بيجوع قدامي"، تقول أم سامي، وهي تحتضن رضيعها النحيل.
بحسب تقارير طبية ميدانية، تسجل العيادات في مناطق النزوح ارتفاعًا ملحوظًا في حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، خاصة الرضّع. وتتعمق المأساة يومًا بعد يوم وسط غياب شبه تام لأي تدخل إنساني يلبي هذا الاحتياج الأساسي.
بين غلاء السوق والجوع الصامت
لم تعد الطماطم والخيار والبصل من عناصر "السلطة"، بل تحوّلت إلى رموز غائبة عن موائد نزحت من بيوتها إلى خيام تقاوم العدم. تقول منى، أم لخمسة أطفال:
"الخبز صار كل الوجبات. مش لأنه كافي، بس لأنه المتوفر الوحيد."
تضاعفت أسعار المواد الغذائية، وانعدمت القدرة الشرائية لدى كثير من العائلات. تباع الخضروات بأسعار تُقارن باللحوم قبل الحرب، فيما تلجأ العائلات لطهو ما تيسّر من العدس أو البرغل على نار الحطب.
رحلة يومية بحثًا عن فتات الحياة
تسير النساء يوميًا على الأقدام لمسافات طويلة بحثًا عن مساعدات قد تكون متوفرة أو لا. انعدام الوقود شلّ الحركة، والسيارات اختفت من الطرق، حتى عربات الحمير لم تعد تُرى.
"نمشي لأن الجوع ما بيستنى... وما في وسيلة تانية، بس رجلي"، تقول أم ياسين التي تقطع مسافة ساعة مشيًا مع طفلتها وكيس دقيق تجرّه بيديها.
أطفال غزة لا يعيشون فقط تحت القصف، بل تحت نظام غذائي طارئ لا يلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم. لا حليب، لا خضروات، ولا استقرار نفسي. وما يزيد القلق أن هذه المعاناة تمرّ في صمت شبه تام من المجتمع الدولي.
صرخة بلا أجندة
هذه القصة ليست دعوة لموقف سياسي، بل نداء إنساني خالص. الجوع لا يعرف الحدود، ولا يعترف بلون الرايات. أطفال غزة يستحقون الطفولة، والأمهات يستحقن الحنان، لا أن يُختبرن يوميًا في قدرتهن على الصمود وسط العجز.
