ما يدفع الرجل إلى التدخين نفسه ما يدفعها إليه
عمان - لم يعد التدخين عادة ذكورية فقط، بل انتشر مع الأيام في أوساط النساء العاملات وربات البيوت، ولم يعد منظر المرأة المدخنة غريباً أو مستفزاً.
وعلى رغم أن نسبة النساء المدخنات تزداد يوما بعد يوم، إلا أن معظمهن يذهبن إلى عدم التدخين في الأماكن العامة، والاكتفاء بممارسة مثل هذه "الهواية" داخل الغرف المغلقة، ربما لأن هذا كان سابقا يقلل من احترام المرأة وهيبتها ويجعلها محط تندر واستخفاف، ولكنه حديثا فقد صار شيئا مألوفا.
وحول موقف المرأة ونظرتها لبنت جنسها المدخنة تقول ليلى صلاح الدين (أستاذة جامعية): "لا أعتقد أن التدخين يمكن أن يقلل من احترام المرأة أو يدخل في أسئلة الأخلاق، فالظروف التي دفعت المرأة للتدخين هي الظروف نفسها التي يبرر بها الرجل ذلك. القلق والتوتر يواجهان المرأة مثل الرجل، ولا أرى في تدخين المرأة ما يمكن أن يعيبها، غير أنني لا أوافق على منظر امرأة تدخن في الشارع أو الباص مثلا، فهذه عادات ذكورية، وعلى المرأة أن تحتفظ بكل ما يعلي من شأن أنوثتها وجمالها في عيون الآخرين، لكنني لا أجد ضيرا في تدخين المرأة في مكان عملها الذي تقضي فيه ساعات طويلة، وتعيش وسط أناس تعرفت إليهم وتعرفوا إليها".
وتقول أمل خالد (30 عاما): "بدأت التدخين منذ سنوات، قبل أن أتزوج، ولم يمنعني أهلي من ذلك، وتقبل زوجي هذه العادة بلا تذمر، فهو يدخن أيضا، لكنني لا أدخن إلا في البيت أو في الأماكن التي اعتبرها "أمينة" اجتماعيا بالنسبة لي، ومجموع ما أدخنه يوميا لا يصل إلى نصف علبة، بعكس زوجي الذي يدخن أضعاف ذلك، مثل باقي الرجال".
أما الطالبة الجامعية هنادي عبد الجبار فلها رأي مختلف في هذه القضية وتقول: "أنا لا أدخن، ولكنني أعرف أن نسبة كبيرة من زميلاتي في الجامعة يدخن، وللأسف فإنهن يمارسن هذه العادة في الحمامات وكأنهن يمارسن فعلا مشبوها. لست ضد أن تدخن أية واحدة منهن، لكنني أرفض الطريقة التي يمارسنها في التدخين. لماذا لا تدخن الطالبة في كافتيريا الجامعة مثل زميلها الطالب إذا كانت مقتنعة بما تقوم به؟ أكاد أجزم أن نسبة المدخنات في الجامعة أكثر من غير المدخنات، ومع ذلك فإنهن لا يستطعن ممارسة هذه العادة علنا، ربما لعدم قناعة أو عدم جرأة. اعتقد أن الجري وراء "الموضة" دفع الكثير منهن لممارسة عادة التدخين.
لكن زميلتها حنان اسماعيل تنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى وتقول:
"الوسط الجامعي في معظمه نزق وثرثار، لذلك لست مستعدة لأعرض نفسي لإشكالات أظل في غنى عنها. فالوقت الذي أقضيه في رحاب الحرم الجامعي لا أدخن فيه أكثر من سيجارتين، وأعتقد أن الحمّام هو أكثر الأماكن أمنا بالنسبة لي.. على الأقل هربا من التعليقات".
الأخصائية الاجتماعية في مدرسة ثانوية للبنات سهيلة علان تقول: "إدارة المدرسة تراقب بشدة سلوكيات الطالبات، ولا نسمح مطلقا بالتدخين في المدرسة، ليس لأن التدخين يسيء لسمعة الطالبات، بل لأن أعمارهن لا تسمح بذلك وبخاصة في المدرسة، ولو اكتشفنا إحداهن تدخن فإننا نتصل بذويها للمساعدة في تجاوز الإشكال. كما أننا نمنع المدرسات من التدخين خارج غرفهن المغلقة".
وحول مضار التدخين على المرأة قالت الطبيبة فريال صلاح: "التدخين ليس مضرا للمرأة وحدها، بل هو مضر للرجل أيضا، وأثبتت الدراسات العلمية أن التدخين يتسبب في أمراض كثيرة من بينها السرطان، لكنني أعتقد أن آثار التدخين يمكن أن تظهر لدى المرأة أكثر منها لدى الرجل، بخاصة في قضايا الجمال التي تحرص عليها المرأة كثيرا. ثم أن التدخين للمرأة الحامل أو المرضعة له آثار سلبية على المرأة وطفلها كما أنه يمكن أن يسبب نفورا في العلاقات الزوجية. وأعتقد أن قدرة المرأة على الإقلاع عن التدخين أعلى منها عند الرجال، بسبب حجم وكمية النيكوتين في الجسم، فالمرأة إجمالا لا تدخن كثيرا، ثم إن لديها من الأعمال المنزلية ما يجعلها منشغلة دائما، وهي أسباب تجعلها تقلع عن التدخين".
لكن الحلقة لن تكتمل ما دام الحديث فيها للمرأة وحدها، لذلك نسأل علي صالح فطين (موظف في أحد البنوك) عن رأيه في المرأة المدخنة وموقفه منها فيقول: "لا أحمل موقفا عدائيا جاهزا ضد المرأة المدخنة، لكنني لا أحب المرأة المسترجلة، فالتدخين في الأماكن العامة عادة ذكورية، وعندما تمارسها المرأة فإنها تتخلى تلقائيا عن سمة من سمات أنوثتها. أعرف كثيرا من قريباتي وزميلاتي مدخنات، وأحيانا أطلب من إحداهن سيجارة، لكنني لا أرتاح لمنظر المرأة وهي تدخن بين مجموعة من الرجال، بغض النظر عن المكان الذي تدخن فيه. لا أمانع أن تدخن زوجتي إذا رغبت بذلك، شريطة أن يتم ذلك في البيت وأمامي وحدي، لكن إذا تعدى ذلك فسأضطر لمنعها، لأن في هذا خروجا على بعض العادات والتقاليد التي لا نستطيع الفكاك منها".
لكن الشاب نبيل محمد حسن يحمل رأيا مناقضا ومتطرفا من الموضوع حيث يقول يستفزني منظر المرأة المدخنة، وأجزم أنني لن أتزوج واحدة من هؤلاء، في الوقت الذي لن أتهاون فيه مع أي من شقيقاتي إذا ما اكتشفت أن إحداهن تدخن. ما الذي تركته المرأة للرجل حين تذهب إلى منافسته في التدخين؟ لا أريد أن أكون متناقضا مع نفسي ومبادئي، فالذي لا يريد للمرأة أن تدخن في الأماكن العامة، ينبغي عليه ألا يشجعها على التدخين في أي مكان. فالتدخين هو التدخين، سواء تم داخل الغرف المغلقة أو في الفضاءات المفتوحة. أرى في التدخين عادة سيئة، وممارستها تسيء للمرأة ولشخصيتها وأنوثتها، لذلك فإنني لا أتبنى مثل هذا النوع من الحرية للمرأة، إذا كان التدخين يمثل جزءا من حريتها".
ربما لم يعد التدخين قضية خلافية، وإذا كان البعض يرفضونه للمرأة، فإن كثيرا من أفراد المجتمع يتعاملون معه بشيء من الواقعية، والمرأة التي استطاعت إثبات وجودها في غير مكان، استطاعت في الوقت نفسه أن تغير من نظرة المجتمع إليها، حتى لو كانت امرأة مدخنة تماما مثل آلاف الرجال. لذلك فإن كثيرا من العادات الذكورية انتقلت بفعل اختلاف الظروف للوسط النسائي، وصارت المرأة شريكة للرجل في كل التزامات الحياة، أو في الكثير منها على أقل تقدير.
والتدخين في الوسط النسائي ليس حكرا على سن أو شريحة معينة، فهو منتشر عند العاملات وربات البيوت، الشابات والعجائز، المتزوجات والعازبات، لكن تقديرات الأخصائيين الاجتماعيين تؤكد أن نسبة المدخنات تزداد كلما اتجهت المرأة للعمل خارج بيتها، والسبب في ذلك يعود إلى وسائل الاحتكاك مع الأخريات والشعور بشيء من الاستقلال الاقتصادي عن العائلة، وكذلك تزداد هذه النسبة في أوساط الشابات أكثر منها في الفئات العمرية المتقدمة.
والمجتمع الذي مارس قسوته على المرأة لأسباب أقل استفزازا من التدخين في العقود السابقة، هو نفسه المجتمع الذي يتسامح معها الآن في ممارسة عادات كثيرة ليس التدخين أولها ولن يكون آخرها أيضا.
