الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

إصلاح قانون الأسرة بالمغرب.. هل يظلم الرجال حقاً؟
30 كانون الأول 2024
 
 
 

الرباط-نساء FM- "نريد كامل حقوقنا".. شعار طالما رددته النساء المغربيات على مدى عقدين من تطبيق مدونة الأسرة. واليوم، مع إعلان الحكومة عن مقترحات جديدة لتعديلها، تتجدد آمال الحركة النسائية في تحقيق مطالب طال انتظارها، وسط موجة "انتقادات ذكورية" ترى في الإصلاحات "تهديدا" للأسرة ولـ"هيمنتهم".

وأثار الإعلان عن مضامين التعديلات الجديدة، التي شملت 139 مقترحا، جدلا واسعا في المجتمع المغربي. فبينما رحبت المنظمات النسائية والحقوقية بالخطوة، معتبرة إياها تقدما نحو الإنصاف والمساواة، ارتفعت أصوات معارضة، أغلبها رجالية، تحذر مما أسمته "تقويض الأسرة" و"المس بالثوابت".

"نحن نناضل من أجل حقوق أساسية، لا امتيازات"، تقول الناشطة الحقوقية، نجية تزروت، مضيفة: "المرأة المغربية عانت لعقود من قوانين مجحفة، من زواج القاصرات إلى الحرمان من الميراث العادل.. والتعديلات الجديدة، رغم أنها لا تلبي كل مطالبنا، خطوة مهمة نحو العدالة".

في المقابل، تواجه هذه المطالب النسائية انتقادات من طرف عدد من الرجال، بينهم إدريس التغلاوي الذي يقول: "أشعر بالقلق من هذه التغييرات"، ويضيف متسائلاً: "نعم، كان هناك ظلم للمرأة في القانون السابق، لكن هل الحل هو استبداله بظلم جديد؟"

هواجس إدريس، الشاب المغربي المقيم بمدينة الريصاني، جنوب شرق المغرب، ليست صوتا منفردا، بل صدى يعكس مخاوف عدد من الرجال، الذين أشعلوا جدلا محتدما على منصات التواصل الاجتماعي، منذرين من تداعيات هذه التعديلات على مستقبل الأسرة المغربية.

وتصدرت وسوم مثل "ماتقيسش_عائلتي" (لا تلمس عائلتي) و"مدونة_الأسرة" منصات التواصل، حاملة تحذيرات من "تفكك أسري" محتمل و"عزوف متزايد عن الزواج". وبينما اكتفى البعض بالسخرية والتهكم من الإجراءات المقترحة، بادر آخرون لإطلاق عريضة وجمع التوقيعات لرفض تبنّيها.

غير أن المدافعات عن حقوق المرأة يرين في هذه الانتقادات تعبيرا عن "ثقافة ذكورية" ترفض التغيير وتقاوم المساواة الحقة. "هذه ردود فعل متوقعة من كل من يخشى فقدان امتيازاته"، تقول الناشطة الحقوقية تزروت، مؤكدة أن "معركة حقوق المرأة مستمرة ولن تلتفت نحو هذه الأصوات".

جدل متجدد

والجدل بشأن المدونة ليس جديدا في المملكة، إذ ليست هذه المرة الأولى التي تثير فيها مدونة الأسرة النقاش في المغرب، فمنذ إقرارها قبل عقدين، وهي محور صراع حقوقي وأيديولوجي محتدم بين تيارين: إصلاحي يدفع نحو المزيد من الحقوق، ومحافظ يتمسك بما يعتبرها "ثوابت".

ورغم أن المدونة التي جاءت بعد مخاض عسير اعتُبرت حينها (عام 2004) تقدمية وحداثية، إلا أن المنظمات الحقوقية لم تتوقف عن المطالبة بتعديلات أعمق ومعالجة ما تصفه بـ"ثغرات ونقائص" في تطبيقها على مدى عقدين من الزمن.

وجاء طرح مقترحات التعديل استجابة لدعوة أطلقها العاهل المغربي، محمد السادس، في سبتمبر من العام الماضي، بعدما وجه الحكومة لإجراء مشاورات موسعة لإصلاح المدونة، بهدف تجاوز ما وصفها بـ"الاختلالات والسلبيات" التي كشفت عنها تجربة تطبيقها.

 
ومطلع الأسبوع الجاري، كشفت الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة عن أهم مضامين التعديلات والتي جاءت في 139 مقترحا بعد مشاورات واسعة شملت أكثر من ألف هيئة مدنية وسياسية وخبراء.

وتركزت سهام المنتقدين على مقترحات بعينها، وخاصة جعل المسؤولية القانونية وحضانة الأطفال "مشتركة بين الزوجين"، وعدم سقوط حضانة الأم المطلّقة على أبنائها بالرغم من زواجها.

بالإضافة إلى مسألة تأطير تدبير الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، من خلال اعتبار عمل الزوجة داخل المنزل مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال الزواج، فضلا عن منح الزوجة حق الاحتفاظ ببيت الزوجية، في حالة وفاة زوجها.

وكان رجال دين مغاربة في طليعة رافضي التغييرات الجديدة، إذ اعتبر الأمين العام السابق لـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، أحمد الريسوني، أن الاتجاه العام في التعديلات يبقى "التضييق والضغوط على الرجل: قبل زواجه، وأثناء زواجه، وبعد الطلاق، وبعد الوفاة".

في انتقاده للمقترحات الجديدة، يرى إدريس التغلاوي، أن المدونة الجديدة "تبدو مركزة فقط على الحالات التي يكون فيها الرجل موظفا وله عمل قار، في حين لا تهتم بالحالات الأخرى".

ويتساءل المتحدث ذاته، عن سبب عدم جعل النفقة بعد الطلاق مناصفة بين الرجل والمرأة، خاصة في ظل دعوات المساواة، مستشهدا بـ"الحالة التي يتم فيها طلاق موظف بسيط من امرأة راتبها يفوق راتبه، ومع ذلك تجب عليه النفقة حتى لو تزوجت  بعد الطلاق برجل غني.

وينتقد المتحدث أيضا "عدم ذهاب راتب الزوجة المتوفاة إلى زوجها وأبنائها"، في مقابل "إقرار تحويل راتب ومنزل الرجل المتوفى بالكامل لزوجته، حتى لو كان يعيل والديه المحتاجين".

ويشير أيضا إلى مسألة الولاية على الأبناء بعد الطلاق، مشيرا إلى أنه رغم أن الولاية على الأبناء بعد الطلاق تصبح مناصفة بين الأب والطليقة، إلا أنه وبحكم إدراج تغيير أن الحضانة للطليقة، تصبح الولاية لها كاملة دون الحاجة لمشاورة الطليق.

وحذر من أن "هذه الثغرات"، قد تدفع الناس للتحايل على القانون بطرق جديدة، وربما تدفع نحو مزيد من العزوف عن الزواج، الأمر الذي يهدد استقرار المجتمع، خاصة في ظل مشكل تراجع الخصوبة بالبلاد، وفقا لما كشفته نتائج الإحصاء الأخير.

وفي مقابل موجة الرفض والانتقادات التي أثارتها التعديلات المقترحة، يرى مدافعون عن المقترحات الجديدة أن "الضجيج" المثار ليس سوى رد فعل متوقع على كل تغيير مجتمعي. فالقوانين المتعلقة بالأسرة، كما يؤكدون، غالباً ما تصطدم بموروث ثقافي وعادات اجتماعية راسخة تقاوم التغيير، حتى وإن كان في صالح المجتمع وتطوره.

في هذا الجانب، تقول تزروت، معلقة على موجة الغضب والخوف من التعديلات، إن الحركة النسائية اعتادت على هذا النوع من "الجدل العقيم"، خاصة عندما تتعلق بقضايا الدفاع عن حقوق النساء والمساواة بين الجنسين، حيث "يصبح الكل يفتي ويحرم ويجرم".

وفي حديث مع موقع الحرة، أرجعت المتحدثة ذاتها مشاعر الغضب التي وصلت في عدد من الحالات إلى خطابات كراهية وتحريض، إلى ما قالت إنه "الخوف من فقدان الامتيازات وأدوار الهيمنة الذكورية المعتادة".

هل المخاوف مبررة؟

للوقوف على مدى وجاهة المخاوف المثارة، توجهنا بالسؤال إلى المحامي بهيئة الرباط، محمد المو، الذي قال إن "التفاعل العنيف" مع التعديلات المقترحة "كان متوقعا"، موضحا أن "تغيير تشريع أسري عمره عشرون عاماً سيثير حتماً جدلا مجتمعيا واسعا".

ويرى المو أن النقاش الدائر حول المدونة يعكس اصطفافا بين تيارين: الأول حقوقي يعتبر المقترحات خطوة إيجابية وإن كانت لا ترقى إلى مستوى تطلعاته بشكل كامل، والثاني محافظ يرفض المساس بما يعتبره "ثوابت" لا تقبل التغيير.

ويضيف الخبير القانوني في تصريح لموقع "الحرة"، أن "المشكلة الحقيقية تكمن في ثبات النص مقابل تغير المجتمع"، مؤكداً أن "القانون الذي لا يواكب التطور الاجتماعي لن يكون فعالاً في حل النزاعات الأسرية".

ويرفض المتحدث ذاته ما يصفه بـ"المزايدات" من بعض الأطراف المحافظة التي "تحاول تقديم تصور للأسرة المغربية تجاوزه الزمن".

ويعتبر المحامي بأن الجدل المثار على منصات التواصل الاجتماعي "يعكس ثقافة ذكورية لا تزال قائمة في المجتمع المغربي"، رافضاً الآراء المتطرفة الصادرة عن بعض الجهات التي "تريد إرجاع المغرب سنوات ضوئية إلى الوراء".

وفيما يتعلق بالانتقادات التي تصف التعديلات بأنها "مجحفة في حق الرجل"، يؤكد المو أن "الحكم على التعديلات لا يمكن أن يكون انطلاقاً من مشاعر فردية"، بل عبر تقييم موضوعي يستند إلى التجربة العملية للمدونة السابقة وما كشفته من ثغرات.

ويضيف المحامي أن "المقارنة مع النماذج الرائدة في الدول المتقدمة، مع وضع مصلحة الطفل في المقام الأول، هي السبيل الأمثل لتقييم هذه التعديلات".

كيف تنظر الحركة النسائية للمقترحات الجديدة؟

ومن أبرز التعديلات التي أعلنها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، خلال مؤتمر صحفي، الاثنين، رفع سن الاستثناء المتاح أمام القضاة لتزويج قاصرات من 15 إلى 17 عاما، مع تقييده "بعدة شروط تضمن بقاءه، عند التطبيق، في دائرة الاستثناء".

والسن الأدنى للزواج في المملكة هو 18 عاما، لكن القانون يتيح تزويج فتيات في الخامسة عشرة كاستثناء.

وتطالب المنظمات الحقوقية بإلغاء ذلك خصوصا بعدما بلغ استغلال هذا "الاستثناء" مستويات مرتفعة في الأعوام الماضية.

كما اقتُرحت "حلول بديلة توافق الشرع وتحقق المطلوب، من الأفضل الأخذ بها" لقضايا خلافية، وفق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، منها على الخصوص إمكانية منح البنات نصيبا غير محدد من الميراث بواسطة "هبات"، بدل إقرار مبدأ المساواة في الإرث.

وهذا المبدأ هو من بين المطالب الأساسية للمدافعين عن حقوق المرأة، بينما تعارضه الأحزاب الإسلامية.

وتضمنت الإصلاحات المقترحة أيضا تقييدا أوضح لتعدد الزوجات، الذي أصبح ظاهرة نادرة، من خلال "إجبارية استطلاع رأْي الزوجة أثناء تَوثيق عقد الزواج".

عن رأي الحركة النسائية بخصوص المقترحات الجديدة، ترى تزروت التي ترأس "شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع"، أن هذه التعديلات تبقى "خطوة إيجابية" تهدف إلى تحقيق الكرامة والإنصاف والمساواة، مشددة على أنها تصب في مصلحة الأسرة والمجتمع ككل من خلال تعزيز حقوق النساء والأطفال وتوفير بيئة أكثر عدلا وأمناً وتماسكاً.

وشددت  المتحدثة ذاتها على ضرورة تضمين التعديلات آليات فعالة لضمان تطبيقها بشكل عادل وشفاف، مع توفير الدعم والموارد اللازمة للتوعية بحقوق النساء وكيفية ممارستها.

كما تدعو إلى استمرار الحوار بشأن هذه التعديلات مع جميع الأطراف المعنية، بمن فيهم "الرجال الغاضبين"، لضمان فهم شامل للتغييرات المقترحة وأثرها على المجتمع.

وبينما اعتبرت بأن التعديلات لم تستجب لجميع مطالب الحركة النسائية والحقوقية، أكدت أن النقاش لا يزال مفتوحا، مشيرة إلى أن عدد من الموروثات الثقافية التي كانت إلى وقت قريب تعتبر من المحرّمات، قد فتح النقاش بشأنها، وهذا أمر إيجابي للغاية.

وختمت تصريحها بالتأكيد على أن مطالب الحركة النسائية "عادلة ومشروعة" في مجتمع يتميز بالتحول والتطور، مشددة على أن الأمر لا يتعلق أبدا بصراع بين الرجل والمرأة، قائلة إن "الرجل هو الأب والأخ والابن، والمرأة هي الأم والأخت والابنة والحفيدة، والمدونة هي إطار قانوني يحفظ حقوق جميع هؤلاء في احترام ووئام وتضامن وتماسك".