
رام الله-نساء FM- أكد الكاتب والسفير الفلسطيني في اليونان، مروان طوباسي، في حديثه لنساء إف إم أن ما يجري اليوم وفي تزامن لذكرى وعد بلفور الذي صادفت قبل ايام ما يحقق مفهوم الوعد المشؤوم من خلال ممارساتهم ومنهجهم المتجدد المستمر منذ عام ١٩١٧ .
وكتب طوباسي مقال تحت عنوان "واقع وتحديات اليوم أمام استكمال منهج وعد بلفور الاستعماري". وجاء فيه "اخطار وتحديات كبيرة قادمة امام شعبنا في ظل مجريات العدوان البربري وحرب الابادة الجماعية، ليستكملوا بها من جهة ، ما وعدتهم به قوى الاستعمار من خلال الصهيوني بلفور لاستدامته وتوسيعه عبر هذه الشراكة المتجددة ، وفق ما يقدمون أنفسهم به أو ما يقدمهم الاستعمار به بما يخالف مفهوم القانون الدولي "كشعب" وكضحية التاريخ الوحيدة وساميين مضطهدين ، وعلى أساس التوسع الاستيطاني والحروب وانكار وجود شعبنا ونفي حقنا في تقرير المصير .
ان ما يجري اليوم بحق مرتكزات وجودنا والهوية الوطنية لشعبنا من تصعيد لجرائمهم المستمرة منذ اكثر من ٧٥ عاما ، يجب أن يدفعنا الان بعد اولوية وقف حرب الابادة الجماعية بل والتطهير العرقي والتهجير القسري الى تقييم المرحلة والرؤية والاداء ولو متأخرا ، حتى نتمكن من الصمود والمقاومة والبناء من أجل أن نبقى في وطننا .
فلا توجد خيارات متعددة أمامنا سوى المقاومة بمفاهميها واشكالها المتعددة وفق الظروف ، فقد استمر الاحتلال لفترة عقدين من الزمن دون تكلفة ، في حين استمر الانقسام على اثر الانقلاب المؤسف بتكلفة عالية على برنامجنا الوطني وحضورنا الدولي ومقومات صمودنا ، وكان مبرِرا للبعض الدولي والاقليمي العربي في اضعاف وتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية كما تُفترض مكانتها من التمثيل الوحيد لشعبنا والتي ساهمنا نحن ايضا في اضعافها لأسباب عدة وبأشكال مختلفة لا يتسع هنا الحديث عنها الان .
هنا لا اريد ان ادخل في تفاصيل تتعلق بالكيفية التي سَمحت لبعض التوجهات بتصور التاريخ وكأنه سيقف عند نقطة محددة ، دون إدراك علمي بأن التاريخ يسير للأمام ولا ثابت فيه سوى المتغير وبمسيرته التي تأخذ اشكالا مختلفة فهو لا ينتظر احدا ولا يقبل الفراغ ولا تتكرر به اللحظات المناسبة لطبيعة عمل ما .
ومع الإدراك لحجم التضحيات العظيمة والكبيرة التي يقدمها شعبنا هذه الأيام على اثر جرائم لا تتسع الكلمات لوصفها وتعدادها . تضحيات مماثلة كان قد قدمها شعبنا بكل مراحل الكفاح الوطني حتى من على اراضي دول اخرى بعد الشتات القسري لنا وحين كان يرتكز نضالنا على المقاومة المسلحة . مراحل متعددة كانت يجب أن توصلنا إلى الحرية والاستقلال الوطني ، الا اننا لم نمتلك جرأة التقييم النقدي للمراحل السابقة بأمانة ثورية وتاريخية أمام شعبنا ، ولهذا أدخلنا الغير أو أدخلنَا انفسنا نحن في مسارات ودهاليز دون تحقيق ما يصبوا شعبنا وحركتنا الوطنية اليه .
والأمثلة كثيرة على ذلك ، لكن أهمها يتعلق بعدم ادراك تلك التوجهات لدى البعض لحقيقة الدور الاستعماري للولايات المتحدة وما تسعى له من خلال محددات العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل ذات الابعاد الدينية والسياسية الفكرية الاستعمارية والاستيطانية التي تستند الى جرائم التطهير العرقي والفكر الفوقي هنا وهنالك ، فبقي البعض بتوجهاته تلك يركض خلف ذلك السراب الاميركي بحجة أن اميركا تمتلك قدرة التأثير على دولة الاحتلال ، بل وتمتلك ٩٩% من أوراق اللعبة كما كان يردد السادات، فبتنا نناشدها في كل الظروف رغم قولنا لا "لترامب"، وامتناعنا مؤخرا مع الأشقاء العرب عن لقاء بايدن في اطار فهم صحيح لدورهم .
الذي يحرك الكثير من الجغرافيا السياسية اليوم كحالة أوكرانيا لمحاولة انضمامها إلى الغرب، وإسرائيل الانضمام إلى شرق أوسط جديد وفق استكمال اتفاقيات التطبيع وبهيمنتها، الأمر الذي قد يشكل توافقا روسيا ايرانيا مشتركا في اعاقة تنفيذ المسألتين في مواجهة الرغبات الأميركية ، التي تهدف للقضاء على ما تبقى من حركات التحرر الوطني أو حتى تراثها كما في حالتنا الفلسطينية وعلى المقاومة بالأقليم بمختلف مسمياتها ، وفق ما نُفذ سابقا في مناطق اخرى من العالم ، التي عادت وانهت الدور الأميركي فيها .
ذلك الدور الأميركي ايضا الذي هدفَ وما زال الى تحطيم الهوية الوطنية الفلسطينية وافراغ مقومات قضيتنا العادلة من جوهرها السياسي،وتحطيم الكيانية الفلسطينية تحت مسميات مشاريع وذرائع مختلفة إلى أن وصلنا إلى حالة الجمود عبر عقدين من الزمن وفق احتكارهم لعملية ادارة ازمة الصراع دون حلها حتى حدوث العدوان البربري والمتغيرات الجارية الان .
ان دولة الأحتلال تسعى برأيي لمحاولة استكمال تنفيذ مشروعها بالسرعة الممكنة لتفادي ظهور جبهات جديدة أو تصاعد الجبهات القائمة الآن ومنها اولا : جبهة صمود المقاومة الجارية الاَن في غزة وفق امكانياتها وامكانية اتساعها من حدود الشمال الذي بات امراً مقلقا لاسرائيل بحكم ما يحيطه من كتمان حول توجهات قوى اخرى . ثانيا : اتساع جبهة التضامن الشعبي الدولي التي تأخذ اشكالا جديدة يوميا في كل دول العالم التي باتت تظهر كشكل الانتفاضة العالمية ضد الولايات المتحدة والحركة الصهيونية العالمية واداتها دولة الاحتلال وضد حكومات دول الغرب التي باتت تخشى اتساعها .
ثالثا : اتساع حجم المقاومة الشعبية المتعددة الاشكال في مناطق الضفة الغربية بما فيها القدس ضد الاحتلال والمستوطنين . رابعا : تصدع جبهتهم الداخلية بتفاصيلها المتعددة وعدم انسجام مستوياتها السياسية والعسكرية وخاصة مع اهالي اسراهم وقتلاهم ودون تمكنهم من اعادة اي منهم حتى اللحظة وتصاعد المعسكر المناهض لنتنياهو الذي أعتقد أنه يخوض معركته الأخيرة. فبات السؤال لدى اوساط مختلفة من شعب القوميات المتعددة المسمى "الشعب اليهودي" باسرائيل حول جدوى حروبها المستمرة منذ ٧٥ عاما ، ومدى قدرة مجتماعاتهم على تحمل الثمن الباهظ للعدوان واستمراره بغض النظر عن إمكانية تعدد الجبهات من عدمه .
دولة الاحتلال تسعى من خلال مشروعها وفق سياسة المراحل في حرق الأرض لدفع شعبنا إلى الهجرة نحو الجنوب ومن ثم استخدام كل الوسائل لدفعهم باتجاه سيناء ، رغم معارضة الموقف المصري الواضح حتى اللحظة رغم المغريات المقدمة . وهذا ما تخطط له دولة الاحتلال لاستكمال مكونات مشروعها الأخرى في الضفة الغربية في إطار محاولة تنفيذ خطة "الحسم المبكر" والترانسفير الذي يصطدم اليوم بموقف أردني واضح وبصمود شعبنا ومقاومته السياسية والشعبية والقانونية والإعلامية وظهور أشكال من المقاومة المسلحة .
لذلك فان السؤال القائم الآن هو ، هل ستحتمل دولة الاحتلال كل تلك التبعات الناتجة عن تشابك الجبهات التي أشرت اليها؟ ، وخاصة الخسائر بالأرواح وما يشكله ذلك العدوان من عبئ مالي على اقتصادهم المتزعزع اصلا منذ عام مع بداية الانقلاب القضائي . طبعا الخزانة الأميركية مفتوحة على مصراعيها لهم رغم وجود معيقات تتعلق بتحركات المعارضة الجارية بالشارع الاميركي ومنها منظمات يهودية ضد تداعيات السياسة الأميركية والإسرائيلية ومنها استقالة موظفين بالكونغرس وموقف عدد من اعضائه ايضا .
إضافة لبدء تراجع طفيف لعدد من الدول الأوروبية خجلا وتحت ضغط المظاهرات الشعبية فيها عن موقفها المنحاز تماما . كما وبدايات سحب السفراء الذي بادرت له دول لاتينية صديقة وتبعته دول شقيقة ، الامر الذي يجب ان نطالب نحن باستكماله ليشمل كافة الدول الصديقة والشقيقة وفق ضرورة تراجعنا عن مبدأ تقديم دولة الاحتلال كشريك بالسلام سندا لاتفاقية اوسلو التي قد عطلتها وتنكرت لها هي نفسها، وضرورة تقديمها من جانبنا اليوم كدولة اجرام مارقة يتوجب مقاطعتها ."
