
رام الله-نساء FM- تحدثت مراسلة الجزيرة نجوان السمري في لقاء مع "نساء إف إم" عن مقالها التي كتبته عن تجربتها مع حي واهالي الشيخ جراح.
وكتبت "لم تغادر كلماته مسامعي بعد انتهاء اللقاء والتصوير، علقت في ذهني وعادت معي إلى بيتي. فثمة عبارات لا تمر، تلك التي يحدث وقعها فرقًا عندما نروي القصة. استوقفتني عبارته تلك بعد شرح مستفيض عن حقه المسلوب. كان في البداية يروي لنا الحكاية بصوت فلسطيني قوي يخشى أن يلمح أحد حزنه وخوفه. لكن فجأة اختنق صوته بدمعة قال إنها خانته، ورأيت أنه خانها عندما حاول، مع بدء لقائنا، أن يمنعها.
"معهمش الحق، معهم القوة". هكذا قالها بنبرة منخفضة ومختلفة عن نبرته الأولى، كمن أنهكه التكرار، أو كمن كان يخشى ألا يحدث كلامه فرقًا. لكن بسبب اختناق الصوت، كانت كلماته تلك هي الأعلى صوتًا والأشد وقعًا في حديثه. كان ذلك لقائي الأول مع السيد نبيل الكرد، الذي أصبح لاحقًا، بالنسبة لي، العم أبو السعيد.
في مطلع ديسمبر من عام 2020، وقبل أن تنتشر إعلاميًا على نحو واسع قضية منازل حي الشيخ جراح المهددة بالإخلاء، كنت أجري مقابلة مع أحد المحامين في القدس عن قضية أخرى، في ختامها قال: ألا تنوين فعل شيء عن قضية الشيخ جراح؟ فسألته: وما هي قضية الشيخ جراح؟ فأخبرني بقصة المنازل، وأرسل لي عدة أرقامهواتف للعائلات المهددة. لم أتأخر، وبالصدفة، وقع اختياري على رقم «أبو السعيد».خلال التصوير معه، كان أبو السعيد يروي لنا تفاصيل استيلاء أحد المستوطنين على المنزل الذي بناه لعائلته بالقرب من منزل والديه، حيث كان يعيش معهم هو وزوجته وأبناؤه الأربعة. كان يتحدث بالتفاصيل الدقيقة، وكلما حاولت أن أقاطعه رغبة مني في الحصول على مقطع لا يزيد عن ثوان معدودة حددتها شروط التقارير التلفزيونية، كان يقول لي بلهجة عتب: «لأ، لازم تسمعي كلشي، ما بزبط أبلش القصة من الآخر». بعدها انتقل للحديث عن أمر الإخلاء من بيته الأول، بيت والديه وطفولته وزواجه وولادة أطفاله.
أثناء ذلك، لمحت شخصًا يخرج من البيت. سابقًا كنت أسميه أحد المستوطنين وهو ذاته من بتم تعرفونه بـ: المستوطن يعقوب. قطعت تصوير المقابلة وركضت نحوه لأسأله: ماذا تفعل هنا؟ لماذا سرقت بيته؟ من أين جئت؟ وبمجرد أن بدأ يتحدث فهمت من لكنته أنه مهاجر أمريكي.
حينها أيقنت لماذا أصر أبو السعيد أن أسمع بدايات القصة، لا أدري، لكن فجأة أحسست بشعوره وهو يرى سارق بيته يتجول داخله وفي حديقته وفي تفاصيل يومه وليله. انتقل إلي غضبه وقهره وخوفه كما لو أنني رأيت مستوطنًا يسكن ويتجول في بيتي، بينما أقف أنا في الخارج عند بابه، وهكذا اقتربت من المعنى عندما التقيت للمرة الأولى في حي الشيخ جراح، صاحب الحق وصاحب القوة.
بعد عدة أشهر، التقيت مجددًا بالعم أبو السعيد. كان ذلك في مطلع أيار مايو 2021، موعد انتهاء مهلة إخلاء المنازل وفق قرار صادر عن محكمة الاحتلال. تجاوزت الساعة حينها الحادية عشرة قبل منتصف الليل عندما اتصل بي الزميل وليد العمري وقال: توجهي الآن إلى حي الشيخ جراح، ثمة مواجهات. كان يوم إجازتي الأسبوعية، لكن خلال وقت قصير وصلت أنا وزميلي المصور مراد سعيد إلى هناك. في الطريق، فوجئت بعدد القوات الخاصة التابعة لشرطة الاحتلال التي كانت تنتشر في محيط الحي، وتحديدا عند مدخل شارع عثمان بن عفان، حيث تقع المنازل المهددة بالإخلاء. وما إن بدأت مداخلتي على الهواء لوصف ما يجري والحصار المفروض على الحي،حتى تجددت المواجهات بين قوات الاحتلال ومجموعة من الشبان المحتجين على حصار الحي ومنعهم من الوصول إلى منطقة المنازلالمهددة بالإخلاء، ثم سرعان ما بدأت قوات الاحتلال تستخدم الرصاص المطاطي وترش المياه العادمة لتفريقهم. هكذا وجدت نفسي أنا ومراد ننتقل من مكان إلى أخر في حي الشيخ جراح وصولًا إلى منطقة باب الساهرة، ومن ثم إلى باب العامود، لكي نلاحق الحدث. خلال البث المباشر تمكنا من الدخول إلى شارع عثمان بن عفان المحاصر. عندما وصلنا لمحت عددًا من أفراد العائلات يجلسون عند مدخل منزل العم أبو السعيد. كنت أتحدث على الهواء وسمعت أحدهم يقول: هذه مراسلة الجزيرة، فرد العم أبو السعيد: هذه بنتنا، نجوان.
كانت تلك هي أولى ليالي تغطية متواصلة استمرت من داخل حي الشيخ جراح لعدة أسابيع، حرصت خلالها على زيارة أحد البيوت المهددة يوميا لأتعرف إلى أهله. وبالفعل، تعرفت إلى معظم العائلات وحفظت أسماءهم واستمعت إلى قصص أبنائهم وقلقهم الدائم. في كل مرة كنت أتعمد أن أذكر خلال المداخلات الحية جانبًا ومثالًا من تفاصيل حياتهم اليومية التي لم يكن بالإمكان فصلها عن معاناتهم الممتدة، بين أم تنام ليلها دون نزع حجابها خشية أن يقتحم المستوطنون بيتها في الليل، وبين أب مقهور لا ينام الليل ويمتنع عن الخروج من بيته حتى لزيارة الطبيب، وبين طفل يخشى اللعب فيباحة بيته لأنه يخاف المستوطنين وأسلحته. في مرحلة ما بت أشعر أن لي في الحي بيتًا وعائلة دافئة. في لحظات التعب والإرهاق، كنت أستمد القوة من أصحاب البيوت. ليس ذلك شعارًا ،اذ لن أنسى في أحد أيام التغطية ،عندما جاءتني إحدى سيدات الحي وقالت: رأيتك على الهواء وتبدين متعبة وشاحبة، تعالي معي إلى البيت لترتاحي قليلًا، ولا تخجلي إن كنت لست صائمة، سأعد لك بعض الطعام. ولن أنسى سيدة أخرى كانت تطل علي يوميًا من بوابة منزلها وتقول: في بيتنا غرفة إضافية يمكننا تجهيزها لك لترتاحي قليلًا إن رغبت في ذلك.. ولن أنسى شباب الحي الذين ما انفكوا يسألوننا باستمرار عن احتياجاتنا حتى التقنية.
لن أنسى العم أبو السعيد، ذلك الأب الحنون، عندما اتصل ليطمئن بعد إصابتي بقنبلة صوت، وقال: نشتاق إليك يا نجوان، لكن لا تأتي قبل أن تصبحي بخير، نريدك أن تعودي إلينا قوية، فمعركتنا تحتاجكم، ومعركتنا معهم طويلة."
