
نابلس-نساء FM-تقاوم صناعة "القش" الاندثار، فقد أضحت حرفة تراثية تتحدى الزمن، وبالرغم من كونها من الحرف التقليدية الجميلة والمهمة والعريقة التي يجب الحفاظ عليها ودعمها لتبقى، مضى الآن الزمن بعيداً عن هذه الحرفة التي تحمل عبق الماضي والذكريات وفائدة النباتات للإنسان وخدمته.
استمدت هذه الحرفة البسيطة أهميتها من الحاجة لمنتجاتها في زمن كانت فيه الصناعات اليدوية هي السائدة، إلا أن تطور الصناعات واختلاف حاجات المجتمع وتنوع اهتماماته في الوقت الحاضر تهددها بالاندثار بعدما اقتصرت الحاجة إليها للناحية التجميلية والتراثية فقط.
وتنتظر أم يوسف موسم الحصاد كل عام بفارغ الصبر لتبدأ جمع سنابل القمح لتمارس حرفتها التي ورثتها عن والدتها، إذ تقوم بصناعة أطباقٍ وسلالٍ وصوانٍ من القش، لتتحول من هواية إلى مهنة تكتسب منها رزقها.
بداية تعلُّم الحرفة في السابعة من العمر
وتقول مريم محمود (أم يوسف) التي تقطن في جماعين: تُعدّ حرفة صناعة القش من المهن المنزلية التي تقوم بها المرأة عادةً في المنزل، أنا أعمل فيها منذ الصغر، ولكن بدأتُ بها كمهنة وحرفة منذ عام ١٩٨١، وبدأت فيها رسمياً، فهي حرفة يدوية تراثية عريقة يجب المحافظة على أصالتها ومكانتها بمرور السنين.
وتضيف: بدأتُ التعلم من والدتي ونسوة أعمامي في السابعة من عمري، حيث كن يجتمعن في بيت أُمي، وكل واحدة منهن تحمل ملتافها بيدها، والملتاف هو: الأداة التي يتم لف القش بها.
وتتابع أم يوسف: "كن يقمن ببل القش في الماء حتى يصبح ناعماً، ثم يبدأن بلفه في قطعة قماش حتى يبقى ليناً، وكنت أُراقبهن باهتمام وتركيز حتى أتعلم، وكنت أجمع القش الذي يكسر معهن، وأبدأ التجربة فيه وأُخربش، وكنّ يغضبن مني ويقلن لي أن أتركه، لأنهن يستخدمنه في الحشو أثناء العمل، فكنت أُجيبهن: أنا أريد أن أتعلم، وبالفعل تعلمت وأتقنت الصنعة، وكنا نعمل العديد من أدوات القش ولكن للمنزل لنستخدمها وليس للتجارة".
وتشير إلى أنها عندما تزوجت توقفت عن العمل، ولكن بسبب ظروفٍ حصلت معها عادت إلى هذه الحرفة لتمتهنها، فقد توقفت عن العمل منذ عام ١٩٧٠، وعادت إليه عام ١٩٨١، إذ عاودت العمل بعد انقطاعٍ دام أكثر من عشر سنوات، وتقول: عدتُ أُمسك القش بكل خفة، وأُحرك أصابعي برشاقة وسرعة كما لو أنني لم أُفارق هذا العمل الممتع لحظة واحدة، وبدأتُ أزرع وأُقشقش، وامتهنتُ هذه الحرفة كمصدر رزقٍ لإعالة عائلتي، فمنذ نعومة أظفاري وأنا أعمل بالقش، وها أنا حالياً أُعلم الناس حتى لا تندثر هذه الصناعة في ظل التطور الحاصل.
من زراعة القمح إلى الحصاد و"التقشيش"
وتقول أم يوسف: يبدأ المشوار في البداية عندما أقوم بحرث الأرض وزراعة القمح، ثم أذهب في شهر شباط لتسميده بالسماد الكيماوي، وفي شهر آذار أقوم برشه بمواد خاصة من أجل القضاء على الأعشاب الضارة التي تنبت معه، وننتظر حتى تنبت السنابل، ويصبح لونها ذهبيا كقرص الشمس ثم أقوم في حزيران بالحصاد، وهو متعب جداً، والتقشيش (عملية انتقاء سيقان القمح المناسبة) متعب أكثر.
وتضيف: في العام الماضي استغرقت شهراً ونصف الشهر في عملية التقشيش، وبعد ذلك "أنخب القش" أي أقوم بتقسيمه حسب سُمكه، فمنه الكبير والصغير والوسط، حتى يسهل العمل به فيما بعد، وتطويعه وصبغه حسب الطلب، وينجَز العمل من ألفه إلى يائه، وأُخزن القش بعد أن أزن كل كيلوغرام على حدة، ثم أقوم بلفه في نايلون وأضعه في علب من الكرتون للاحتفاظ به وتخزينه إلى وقت الحاجة.
وتؤكد أن صناعة القش تعتمد على الفن والمهارة الشخصية، ويحتاج العمل فيها إلى الصبر والجهد من أجل جدل القش قشةً قشة.
"بَلّ القش في المنفاخ".. والتلوين
وعن آلية العمل، تقول الحاجة أُم يوسف: في ساعات الصباح الباكرة أبدأ بعملية "بَلّ القش في المنفاخ" أي غسله بالماء ليصبح طرياً ومطواعاً لليد على درجة من اللين ليساعدني على جدله ومتابعة تصنيعه، ثم آخذ قشتين وأجدلهما كالضفيرة، ثم ألفها بشكل دائري لأصنع العقدة الأساسية التي يعتمد نجاح الطبق ومتانته وتماسكه على النجاح في إعدادها، وأُحضر مخرزاً، وهو "آلة حادة بسيطة لتسهل عملية تراص سيقان القمح وترابطها"، وكلما انتهيت من قشة أستخدمه لوضع الأُخرى، وأقوم بلفه على الذنب وأُثبت كل دور بعد ذلك، أدخل الحشوة المتكونة من القش الطري الرفيع داخل القش، وألف القش حوله ثم أقوم بلفه حول العقدة وأُثبت الدوائر الملتفة حول بعضها بواسطة قشة تدخل بالمخرز لتثبت كل دور بالآخر، وهكذا دواليك حتى أنتهي من عمل الطبق وأصل إلى الحجم المطلوب على سبيل المثال.
وتتابع: أما القش الملون، فأختار القش ذا السمك المتوسط، وأُحضر صاجةً، وأضعها على النار أغلي بها الماء وأُذيب الأصباغ باللون الذي أُريده في الماء المغلي، وأُحضر القش بعد أن أنقعه قليلاً بالماء، وأضعه في الصاجة داخل المياه الملونة المغلية، وأُحركه حتى يأخذ اللون، بعدها أُخرجه وأقوم بنشره حتى يجف ويتنشف تحت أشعة الشمس، ثم أُباشر العمل فيه.
استخدامات متنوعة للأوات المصنوعة من القش
وعن استخدامات أدوات القش في الماضي، تقول أم يوسف: لم يكن بيتٌ من البيوت يخلو من وجود الأطباق العادية أو الملونة التي تزين جدرانه وتعطي لمسةً من الفرح والبهجة والسرور عليه، كنا نستخدمها في العديد من الأغراض على تنوع أشكالها، فالجونة مثلاً وعاء عميق، كنا نستخدمها لحفظ الخبز ووضع الخضروات، والقبعة إناء أصغر من الجونة بقليل نضع فيها البيض والحبوب، أما القِرطلَّة "السلة" فنستخدمها لوضع التين والأطباق "الصواني"، ونقدم فيها الطعام ونضع عليها الخبز، والملونة هي للزينة فقط، إضافة إلى القوطة التي كانت تُستخدم لوضع الذهب والنقود فيها وتعليقها في مكان مرتفع حتى لا يعبث بها الأطفال، ناهيك عن المهفات وهي مروحة كنا نستخدمها في أيام الحر، إضافة إلى أنني أصنع مفاتيح العودة من القش، إلا أن القراطيل أقوم بعملها من قش الزيتون الذي يسمونه برّي، أقوم بإزالته عن أطراف شجرة الزيتون كونه ينبت تحتها، أقوم بتنقيبه وتهذيبه، ثم أعمل فيه لأصنع القراطيل التي تُستخدم في موسم التين والزيتون أيضاً.
المصدر : روان الاسعد-القدس دوت كوم
