الرئيسية » تقارير نسوية » أخبار المرأة الفلسطينية »  

عيد الأُم.. قصصٌ تُبكي الصخر لأُمهاتٍ استقرت بهنّ الحال في بيت العجزة!
22 آذار 2021

 

سلفيت-نساء FM-روان الأسعد- احتفالات باهتة وحزينة تمتزج فيها مشاعر الفرح بالحزن في ظل جائحة كورونا والتي لازالت تضرب في المجتمع ،فمع ظروف الحجر التي لازالت قائمة والوباء الذي لا يعترف بخصوصية الواحد والعشرين من آذار، فالهدية هذا العام ستكون بالمحافظة على مسافة أمان التزاما بالنصائح الطبية للوقاية من الفيروس.

يأتي الاحتفال بيوم الأُم لهذا العام كالذي سبقه، له طابع مختلف وفريد من نوعه وربما لن نشاهد علامات الفرح والاحتفال للحد من انتشار المرض وسيمر مرور الكرام.. وحتى الهدايا سيكون لها نظام مختلف هو أقرب إلى الحماية، فربما لا تخلو المناسبة من المعقمات والأدوات الوقائية من كمامات وقفازات وغيرها التي فرضت نفسها علينا تماماً كالوباء.

يوم الأُم سيمر دون أحضان أو قبلات، بلا أي علامات احتفالية لحماية أمهاتنا من خطر المرض، على رغم أنّ يوماً واحداً لا يكفي لنحتفل بالام التي حملتنا في أحشائها وتعبت على تربيتنا، فالأُمومة هي دعامة البناء الاسري وعموده الذي يشكل المجتمعات لما تقدمه من مسؤوليات لا يستهان بها، فقد وُضعت الجنة تحت أقدامهن.

لمحة تاريخية عن المناسبة..

هذا اليوم يعود الفضل للاحتفال فيه رسمياً في كل العالم، على الرغم من انتشاره منذ العصور الوسطى، إلى الأميركية آنا جارفيس التي عدته وسيلة لتكريم الأُمهات تبعاً للتضحيات التي يقدمنها لأطفالهن، وأصبح هذا اليوم، على رغم اختلاف تواريخه في دول العالم، يحمل معاني عدة مرتبطة بأحداث مختلفة ليقوم الأبناء بالتعبير عن مكانة الأُمهات في نفوسهم، إلا أننا لا ننسى وسط الاحتفالات، أو نُسقط من حساباتنا أنه يوم للألم لمن فقدوا أمهاتهم، وللأُمهات اللواتي فقدن أبناءهن، ولأولئك اللواتي لم يستطعن الإنجاب، ولمن يقبع أبناؤهن خلف قضبان سجون الاحتلال ولا يمكنهنّ رؤيتهم.. فرفقاً بهن وبمشاعرهن، فهذا اليوم بما يحمله من أجواء الحب والمودة والعواطف الجياشة، يحمل في الوقت نفسه ذكريات مؤلمة وحزينة.

مشهد غير إنساني..

وفي إطار "عيد الأُم" والاحتفال بهذه المناسبة، هناك مشهد يخلو من المودة والعطف، مشهد غير إنساني يتربع بين الحنين والألم في قصص وراء الجدران من جمعية "الوفاء" لرعاية المسنين في محافظة سلفيت، إذ تقبع أُمهات وحيدات يعصف بهن الألم بعد أن غدر بهن الأبناء والزمن، لينتقلن من جدران بيت الأُمومة إلى جدران دار العجزة لا أحد يسأل عنهن. هذا هو حال الشيخوخة، دروب انقطع بها الأمل، ووجوه شاحبة غاب عنها الفرح ودخلت في تاريخ النسيان. وربما الأكثر فجعاً في حياتنا هو فقدان الأُم والأب لما يتركانه من فراغ كبير وألم شديد لا يزولان أو يُنسيان، لكن الأشد وجعاً وفتكاً هو موجة العقوق الجارفة التي اجتاحت بعض القلوب الصلدة ليعيش الأهل مرارة الإهمال والتخلي والنسيان بعد أن أضحوا كالغرباء في بيوت أبنائهم، بعد أن كانت الحياة لا تكتمل إلا بهم.

قصص وحكايات ومآس إذا قرأتها تظن أن أصحابها بالغوا فيها، إلا أنهم عبروا عما يحدث لهم من عقوق أبنائهم والدموع تنهمر من عيونهم، وربما الواقع الذي نعيشه يخبئ قصصاً أكثر تُحاكي أوجاع الأُمهات اللواتي تشهد عروق أيديهنّ كمية الكد والتعب الذي عايشنه وكابدنه في تربية أطفالهن. وعلى رغم أنّ قلوبهن باتت هشة ومكسورة، فإنّ لسان حالهن يفيض بالرضا والدعاء على من أوصلهن إلى عالم النسيان.

"أُم صالح".. شاهد حي على الجحود

وفي هذا السياق، بدأنا الحديث مع الحاجة "أُم صالح" التي استهلت حوارها معنا بالدعاء لأولادها والرضا عنهم، على رغم أن عينيها كانتا تفيضان بالدموع التي انهمرت عندما قالت إن زوجة ابنها قامت بضربها أمام ابنها دون أن يُحرك ساكناً، ومباشرة قامت بالتبرير له بأنه لا يريد إفساد حياته وتدمير أُسرته. وتابعت أنّ ولدها يحبها كثيراً، وأنه يعرف حقوقها، بالرغم من أنه لا يزورها كثيراً وكذلك الحال مع باقي أبنائها.

صمتت قليلاً وكأنها تبتلع وجع الدنيا داخلها، وقالت: لا أحد يسأل عني أو يزورني، بالرغم من اشتياقي لأبنائي وأحفادي ،الا ان الدنيا اشغلتهم عني . وعندما سألناها ما هو السبب لوجودها هنا؟ قالت وصوتها ممزوج بالالم: لم يعد لي مأوى ولا مسكن فبعد وفاة زوجي تقاسم ابنائي التركة ثم اعطيتهم بيتي وكل ما أملك ليتقاسموه بينهم ويعيشوا حياة كريمة. لم يخطر ببالي أبداً أنهم سيتخلون عني، فأصبحت بلا مأوى ولا مكان ألوذ إليه بعد أن بتُّ عبئاً ثقيلاً على زوجة ابني، على رغم أنّ صحتي جيدة، إلا أنها قامت بضربي وبعدها اصطحبني ابني إلى هنا.

دعوات من القلب رغم الألم..

صمتت "أُم صالح" قليلاً ومسحت دموعها، واستذكرت أصوات أبنائها عندما كانوا صغاراً يملأوون البيت بغوغائهم وكيف تعبت وسهرت إلى أن أصبحوا شباباً وآباء لتدعي لهم من قلبها أن لا يكون مصيرهم مثلها بأن ياخذهم أولادهم إلى بيت المسنين. وتابعت أنها تشتاق كثيراً لمنزلها الذي يعج بالذكريات، ففي كل شبر فيه حفر أولادها ذكرى عليه.

وأجهشت بالبكاء على ما آل إليه حالها وكيف نسيها فلذات كبدها وتمنت أن يزوروها لتقبلهم وترضى عنهم، إلا أنها رفضت بشكل قاطع أن تعود للعيش عندهم، وقالت: هنا هو بيتي، وهذه هي عائلتي التي تهتم بي وتحبني، ولا أُريد أن أذهب بعيداً عنهم حتى أرحل كـ"أُم عزام".

من هي أُم عزام؟

وهنا استوقفتنا قصة "أُم عزام"، وكان لا بد لنا من السؤال عنها، وأخبرنا بقصتها مدير الجمعية سائد ياسين قائلاً: هذه الحاجة أحضرها ابنها وابنتها إلى الجمعية مكرهة، لم تكن تريد ذلك، وكان سبب قدومها وجود أرض لها داخل أسوار إحدى المستوطنات، وكانت تذهب كل يوم إلى أرضها تحمل الماء لتسقي أشتال الزيتون التي زرعتها، وفي آخر مرة هدد الاحتلال بقتلها، لذلك أحضرها ابنها وابنتها، لأنهما لا يريدان للأسف تحمل مسؤوليتها. ولشدة رفضها البُعد عن أرضها وبيتها أُصيبت بصدمة نفسية منعتها من الكلام، وكانت تحاول طيلة الوقت أن تقفز من على الأسوار، وتحاول تسلق الأبواب لتهرب وتعود إلى بيتها وأرضها.

وأضاف: عاشت "أُم عزام" سنتين لم تكل فيهما أبداً من محاولة العودة. وكانت تبحث عن عزام وأُخته لكن عبثاً، لأنهما كانا يرفضان القدوم لزيارتها بحجة أنها تلتصق بهما من أجل العودة إلى بيتها. وبعد سنتين للأسف توفيت من القهر وعند التواصل مع ابنائها قدموا لزيارتها قبل أن وافتها المنية بنصف ساعة فقط.

قصة تُبكي الصخر..

بقولها البائس "ماحد بدو إياني" بدأت خديجة حديثها قائلة: أنا لم أتزوج، ولكن لي إخوة وأخوات تعبت عليهم وربيتهم، إلا أنهم لم يوفروا لي الحياة الكريمة، فقد كانوا يجعلونني أذهب من الساعة السادسة صباحاً وحتى المغرب، لأتسوّل في الشوارع، وعندما أعود كانوا يضربونني ويأخذون النقود مني، ثم يُلقون بي في غرفة بعيدة عن منازلهم بلا نوافذ لا تصلح حتى لتربية الحيوانات، يبعد عنها الحمام 30 متراً. كنتُ بملابس ممزقة، وأينما وجدتُ مياهاً أستحم. لا ألبس أحذية.. أسير حافية القدمين، لا أعرف ما معنى النظافة، آكل بيدي.

 

وتنهدت وقالت: "أنا الآن إنسانة مختلفة عن ذي قبل، فقد وُلدت في هذه الجمعية من جديد، فاليوم حتى أهل بلدي لا يعرفونني عندما يرونني. وصديقاتي تفاجأن كيف بدا حالي وأنا أذهب لزيارتهن، وهن أيضاً يأتين لزيارتي. أنا الآن وسط عائلة جديدة، كلنا نحب بعضنا بعضاً، والمسؤولون عنا يهتمون بنا، ويقدمون لنا كل الرعاية. ولا أُفكر أبداً بأن أعود إلى عائلتي التي تخلت عني، فهنا أنا إنسانة وُلدت من جديد".

تنكُّر لأصحاب الفضل

وهنا يضيف سائد ياسين قائلاً: إنّ معظم النزيلات لدينا وللأسف قد تخلى عنهن أبناؤهن وبناتهن، فنحن دائماً نتواصل مع الأهل، لكنهم يرفضون حتى استقبالهن ولو لليوم واحد كزيارة. والأيام الأُولى تكون دائماً أصعب أيام، ليس فقط على هؤلاء المسنات.

ويتابع: ومما يزيد مرارة هؤلاء المسنات أنه حتى في العيد ترفض عائلاتهن استقبالهن، وأذكر تماماً أن إحدى النزيلات قدم أخوها ليأخذها قبل العيد لتقضيه معهم، وبعد ذلك فوجئنا باتصال جيرانها بنا ليبلغونا أنها ستموت من شدة ما تلقت من الضرب على يد شقيقها، وعندما ذهبنا لإحضارها وعند سؤاله لماذا ضربها، قال إنه لا يريدها، واكتشفنا أنه أخذها ليسحب أموالها من حسابها البنكي ليصرفها في فترة العيد.

من هي "أُم العبد"؟..

أما الخمسينية "ام العبد"، فقصتها تكاد تكون أقرب للخيال من الواقع، فقد أنهت تعليمها الجامعي لتحصل على شهادة بكالوريس لغة إنجليزية. تزوجت وأنجبت ولدين ثم تطلقت، وأخذ زوجها الولدين ولم يسمح لها برؤيتهما، وعادت لتعيش في كنف والديها 13 عاماً إلى أن تُوفيا.

انتقلت أُم العبد للعيش مع أخيها في منزله، إلى أن امتعضت منها زوجته، وادعت أنها قامت بتخريب المنزل وتحطيمه لأنها تعاني من أمراض نفسية وعصبية، وتم نقلها لتلقي العلاج على هذا الأساس في مستشفى للأمراض العقلية، وبعد ذلك رفض أي فرد من أُسرتها أن يستقبلها في بيته، إلى أن تمّ إحضارها إلى جمعية "الوفاء" التي قامت بالتواصل مع أهلها والبحث عن ولديها، إلى أن تم الاتفاق مع ولديها على أن تعيش معهما وأن يجهزا بيتاً لها.

وبالفعل بعد 18 يوماً، حضر ولداها لأخذها للعيش معهما، وخرجت في تمام الساعة الحادية عشرة، وفي تمام الساعة الثالثة يقول ياسين: أتفاجأ باتصال يردني من طبيبة في بيت لحم تخبرني أن "أُم العبد" تسأل عني، ومعها تقرير طبي يقول إنها حطمت شقة ابنيها، وحملت لهما السكين تريد قتلهما، وبالفعل عندما وصلني التقرير تفاجأت بأنه يفيد بإبقائها في مستشفى بيت لحم للأمراض العقلية مدى الحياة.

ويتابع ياسين: وعند الاتصال بولديها، اكتشفنا أنهما دفعا مبلغاً مالياً كبيراً للحصول على هذا التقرير غير الصحيح ليجيبني أحد أبنائها: "ماتجنني في أُمي، أنا ما بدي إياها، وإذا بتضغط عليّ بكبها بأول مزبلة" هذا ما قاله حرفياً، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة وإعادتها إلى الجمعية، وعلى رغم كل ما حصل معها فإنها كانت تُلح علينا أنها تريد ولديها اللذين رفضا تماماً زيارتها.

كانت تأخذ 18 حبة دواء لتعيش يومها..

وتخبرنا أُم محمد، التي رفضت الحديث عن قصتها حتى لا تستذكر عذاباتها التي لا تنساها: عندما جئتُ إلى الجمعية كنت أتناول 18 حبة دواء يومياً، إضافة إلى الحقن. وبعد سنتين من المتابعة أصبحتُ آخذ حبتين من الدواء فقط، وعدتُ إلى حياتي الطبيعية، وأنا أُساعد الموظفات في كل الأعمال لأننا أُسرة واحدة، أُحب الإقامة في الجمعية، لأنها أفضل من الاستمرار في الحياة كالهائم على وجهه والضائع، خاصةً أن الجمعية وإدارتها يتعاملون معنا على نحو مميز وراقٍ، ويحرصون على توفير حياة متكاملة وكريمة لنا.

أفصحت الكثير من المسنات عن الحقائق المرة التي عانينها عندما كن يقطُنّ مع أُسرهن، وعن الظروف التي دعتهن للإقامة في الجمعية بعيداً عن ضجيج أحفادهن وأولادهن، وأن هذه الأصوات الآن تُنعش فقط ذاكرتهن، وأنهن الآن ناجيات من عنف أبنائهن وأحبائهن، ومع ذلك تشعر بهن كيف تتعلق عيونهن بالباب بحثاً عن أيّ زائر يؤنس وحدتهن، ويخبئ لهن في جعبته بعضاً من رائحة العائلة، هُنّ على رف الاهمال والوحدة يتوسدن النسيان ليحيين على الأمل، فمعضلة الإنسان الكبرى هي ذاكرته.

عن جمعية "الوفاء"..

وعند الوقوف للحديث أكثر عن جمعية "الوفاء" لرعاية المسنين، أخبرنا سائد ياسين أن الجمعية بدأت عام 2008 من أجل إنشاء نادٍ للمسنات، يشتمل على نشاطات تراثية متنوعة ورحل ترفيهية، إضافة إلى محو الأُمية والأيام الطبية والندوات الصحية، وقد حقق نجاحاً كبيراً، خاصة أن الكثير من المسنات أصبحن يقرأن ويكتبن، ومن خلاله لاحظنا أن بعض المسنات يعدن في اليوم التالي، ومن الواضح أنهن لم يأكلن ولم يُغيرن ملابسهن، ومن هنا أدركنا الحاجة لضرورة إيجاد مأوى لهن.

وأضاف: وبالفعل بدأنا العمل، وقامت شركة الاتصالات الفلسطينية بدعمنا، إضافة إلى دعم من البلجيك، ورممنا المبنى الذي قدمته لنا بلدية سلفيت، واستقبلنا أول نزيلة عام 2011 في شهر تشرين الأول، بالرغم من أننا قررنا فقط أخذ الحالات التي لا معيل لها، ولكن للأسف الشديد معظم النزيلات لهن أُسر تخلت عنهن ولم توفر لهن حياة كريمة.

وتابع: أُمهات تحالف عليهن الأبناء والزمن لتتحوّل أُمومتهن إلى جحيم يبدأ بالألم والغصات وينتهي بالزهايمر، إلى أن يصلن إلى المقبرة، لا يمهلهن الحزن على فراق أُسرهن وقتاً طويلًا ليدهم أجسادهن المتعبة، والخلاصة صعبة لا تشتهيها لعدوك، فمآلات الكثير من الأُمهات ممن لا يصلن إلى بيوت رعاية المسنين هو الشارع، وضع اجتماعي مُزرٍ وقاتل وتجاهل معيب ومقيت، وإن لم نفتح عيوننا وقلوبنا لمثل هذه الحالات فلمن سنفتحه يا تُرى؟

المصدر : القدس دوت كوم