
رام الله-نساء FM-جاء فوز الكاتبة الكاميرونية من أم مصرية، دجايلي أمادو أمال، 45 سنة، بجائزة "غونكور خيار الشرق" التي تنظّمها الوكالة الجامعية للفرنكوفونية في الشرق الأوسط، والمعهد الفرنسي في لبنان، عن روايتها "نافذات الصبر"، تتويجاً لانشغالها بالأدب النسوي وفضح الممارسات اللانسانية بحق المرأة، حتى أصبحت تُلقّب بـ"صوت المرأة الساحلية"، أو "صوت اللواتي لا صوت لهنّ" في إفريقيا، فضلاً عن أنها تحمل لقب أفضل مؤلف إفريقي في 2019.
وفازت أمال بالجائزة، بعد فوزها بجائزة "غنكور خيار طلاب الثانويات" في فرنسا، بعد أن وصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة "غونكور العامة" المرموقة.
وترى أمال أن "هذه الجائزة بالذات، أمل لجميع الفتيات الصغيرات في إفريقيا، خصوصاً أن شباباً مراهقين ومراهقات وجامعيين تفاعلوا مع الرواية، وتأثروا بقصصها، وأظهروا حساسية تجاه موضوع إنساني يدور فيها، وأعطتني الجائزة أملاً في مستقبل أفضل لشبابنا"، وفقاً لما قالته لصحيفة "لو موند" الفرنسية.
اختراق القوقعة بجرأة
"نافذات الصبر" (Les Impatientes) الصادرة باللغة الفرنسية عن دار "إيمانويل كولاس" في باريس، هي الإصدار الأول لها في فرنسا، بعد 4 روايات أثرن الجدل في بلادها.
وفي الرواية الفائزة تخترق أمال بجرأة القوقعة التي تعيش فيها غالبية نساء الكاميرون على وجه الخصوص، ونساء المناطق الساحلية الإفريقية عموماً، وتصف فيها عزلتهن وخضوعهنّ لرحمة الذكورية الأبوية، والزواج القسري، والتعنيف، وتعدد الزوجات، والحرمان من التعليم، وهي القضايا التي تناضل أمال لأجلها "عبر الكتابة"، التي تعتبرها "علاجاً وملاذاً وملجأ وقوة تحارب فيها عدم المساواة بين الجنسين في منطقتها"، كما قالت في مقابلة لإذاعة "فرنسا الثقافية".
غلاف رواية "نافذات الصبر" للكاتبة الكاميرونية دجايلي أمادو أمال، الصفحة الشخصية للكاتبة على فيسبوك
غلاف رواية "نافذات الصبر" للكاتبة الكاميرونية دجايلي أمادو أمال، الصفحة الشخصية للكاتبة على فيسبوك
"اصبري" أو "munyal" باللغة الفولانية الأكثر انتشاراً في إفريقيا، هي أكثر كلمة تقال لنساء رواية "نافذات الصبر" التي تبدأ بجملة تلخص يومياتهن: "زوجك يخونك، يبصق في وجهك، يضربك أو يغتصبك؟ اصبري، الأوضاع ستتحسن، ضاعفي جهودك لإرضائه، لا تعارضيه، لا تعترضي، استجيبي لكل أهوائه وأدنى نزواته، وإذا استمرّ بضربك، فهذا لأنكِ لم تبذلي جهوداً كافية"، ثم تقول: "لكن النساء تعبن من الصبر الذي فُرّغ من قيمته الإنسانية".
وتلخّص الرواية التي نالت أيضاً جائزة الكتاب البرتقالي في إفريقيا العام الماضي، جلّ الموضوعات التي عملت عليها أمال التي أسست جمعية "نساء الساحل" لفترات طويلة من دفاعها عن حقوق النساء في بلد 11.4% من مراهقاته يتزوجن قبل إتمامهنّ سن 15 سنة، بحسب صحيفة "لوموند" التي أجرت تحقيقات اجتماعية حول الظاهرة المتفشية، العام الماضي.
أمال لا تصف فقط يوميات النساء المقموعات اليوم وتعرض مصائرهنّ، بل تعود أيضاً إلى الضحايا الأوائل، أي الأمهات والجدات اللواتي "تشكّل ذكوريتهنّ خطراً على فتيات المستقبل" بحسب أمال، لكونهن "يُعدن إنتاج هذا العنف في بناتهن من دون وعي".
تجربة شخصية
أمال اعتمدت على أسلوب سلس لامع ولغة نابعة من القلب والحرقة التي عانتها شخصياً وهي مراهقة، في محاولة لإبراز وجه التناقض بين بيئة النسوة القاتمة وما يلبسونه من أقمشة ملونة حريرية مبهجة ومجوهرات براقة من الذهب وعطور فواحة ذكية وأجساد مزدانة بالحنّة، وفي الوقت نفسه كدمات يتركها ضرب الزوج المبرح.
الكتابة بدلاً من الانتحار
تروي آمال تجربتها في مرارة الزواج القسري من ثري كاميروني في الخمسين من عمره وكانت هي في الـ 17 من عمرها، ثم التنعيف من زوجها الثاني الذي خطف ابنتيها كي يضغط عليها، قصص 3 نساء هنّ "رملة" و"هندو" و"سفيرة" اللواتي ينتمين إلى ثقافة ولغة الفولانية، ويواجهن كل أنواع العنف المعنوي واللفظي والاقتصادي والجسدي ويُحرمن من أبسط حقوقهن وهو التعليم.
تقول أمال: "لجأت إلى الكتابة بعدما وصل اليأس بي إلى الانتحار لشدّة ما عانيته مع زوجي الأول لمدة 5 سنوات عصيبة، ولم يكن هناك معالجون نفسيون في منطقتي أقصى شمال الكاميرون، الكتابة كانت المتنفّس الوحيد كي أهرب من عالمي الأسود"، ولا يزال مخطوطها الأول الذي كتبته في تلك المرحلة بعنوان "غارقة في الغضب" في أدراجها.
وبعد 10 سنوات تركت زوجاً ثانياً أبرحها ضرباً في العاصمة ياوندي، وهربت لتعمل في مجال الإدارة، حيث استطاعت أن تحصل على شهادة بكالوريا مهنية فيها، وهي الدراسة الوحيدة التي سمح لها زوجها بمتابعتها عندما كانت في عصمته"، كما صرّحت لصحيفة "لوموند".
على الرغم من ذلك تقول أمال، إن روايتها ليست سيرة ذاتية، وإن كانت أحداثها تدور في شمال الكاميرون، لكن الموضوع يحدث في كل مكان آخر، وإن كانت تحصل في بلادها أكثر من غيرها.
بداية النجاح
وباعت أمال، مجوهراتها لشراء كومبيوتر وطاولة وكرسياً، لتكتب، فأصدرت عام 2010 روايتها التي أحدثت ضجة في بلادها بعنوان "Walaande" أي "فن مشاركة الزوج" عن دار إفريقيا، وتحكي فيها عن 4 نساء يتشاركن زوجاً واحداً، ويعشن عمرهن ينتظرن دورهّن لرؤيته وعيش الحياة الزوجية.
وحضر والي المنطقة، حفل توقيع الرواية، وأبدى إعجابه بجرأتها، وقرر دعمها ورعايتها حتى وصل الكتاب إلى شريحة واسعة من المجتمع الكاميروني والساحل الإفريقي.
وكان الكتاب بطاقة دخول إلى باريس مدينة النور، حيث دُعيت للمشاركة في معرض الكتاب عام 2012، وهو من أهم معارض الكتب في العالم، ثم أصدرت بعده "آلة الأرواح"، وظلت تكتب حتى وصل رصيدها إلى 4 روايات نسوية بامتياز.
تغيير الواقع
تتعامل أمال مع الأدب باعتباره "مغيّراً للواقع، أنا الدليل الحقيقي على ذلك، الأدب أنقذ حياتي وكان علاجاً بعد معاناة، فلم يكن لدي خيار سوى أن أنشر روايتي وأهرب، لأكون في يوم زواج بناتي قوية بما يكفي وأرفض أي زواج قسري أو مبكر لهنّ، وأن أكون صوت كل هؤلاء النسوة حتى يتمكنّ من الدفاع عن أنفسهنّ، هؤلاء لم تكن لديهن فكرة عن حياة أخرى، وليس لديهن فكرة عن التربية الجنسية، ويعتقدن أن المرأة خُلقت لإسعاد الرجل فقط".
من هنا تشجّع أمال الفتيات اللائى تستهدفهن في جمعيتها، على التعلّم والقراءة واكتشاف عوالم أخرى غير التي يعشن فيها: "نحن نعيد إنتاج ما نراه في المجتمع، فعندما يقال للفتيات إن المرأة يمكنها فقط أن تكون زوجة خاضعة وتدير أسرة، فلن يمكنهن الخروج من هذا الإطار المحدود ولا التحرر منه".
الإسلام ينصر المرأة
وترى أمال، أن الإسلام الذي تعتنقه غالبية السكان وهي واحدة منهم، أعطى للمرأة حقوقاً لم تكن حاصلة عليها من قبل، فهو مثلاً يرفض الزواج بالإكراه".
وشدّدت في أحاديث لإذاعة "فرنسا الثقافية" وتلفزيون "Arte" الأوروبي، على أن المشكلة في سوء فهم وتفسير الإسلام وسوء تطبيقه، وأن السلوكيات التي تمارس ضد النساء ليست لها علاقة بالديانات، وإنما ورثها الأفارقة كعادات وتقاليد اجتماعية وليس من خلال الدين.
